الانسحاب الأميركي .. قرار استراتيجي أم مناورة جديدة؟

شكّل القرار الأمريكي بالانسحاب السريع والكامل من سوريا مفاجأة لجميع المراقبين والساسة المتابعين للشأن السوري بمن فيهم مسؤولون وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي.

القرار الأمريكي بالانسحاب والذي سبق للرئيس الأمريكي ترامب بأن تراجع عنه، يأتي اليوم في ظروف كان من المتوقع أن تشهد تصعيداً في منطقة شرقي الفرات، خاصة بعد التهديدات الأمريكية التي وصلت على شكل رسالة للائتلاف السوري تحذر فيه من أن أي مشاركة لفصائل المعارضة في القتال إلى جانب القوات التركية ضدّ الفصائل الكردية ستعني استهداف للقوات الأمريكية وسيتم التعامل بشدة.

التصعيد التركي الأخير

لقد شهدت الفترة الماضية تصعيداً غير مسبوق في اللهجة التركية حول مناطق شرق الفرات، تزامن ذلك مع حشد عسكري تركي في المناطق الحدودية، وقد كانت هذه التحركات تشير إلى اقتراب التدخل في مناطق شرق الفرات وبشكل خاص في منطقتي تل أبيض ورأس العين، التي باشرت القوات الكردية هناك بحفر خنادق واتخاذ إجراءات دفاعية هناك.

تركيا والتي كانت تبدي عدم رضاها عن السياسات الأمريكية الداعمة لفصائل مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وتبدي امتعاضاً من

خلال الأيام القليلة الماضية كانت هناك اتصالات على أعلى المستويات بين الجانبين التركي والأمريكي، أعلنت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية عن موافقتها على تسليم طائرات الـ إف 35 لتركيا بعد تعطيلها في وقت سابق، والبدء بالتحضيرات لملف تسليم عبد الله غولن إلى تركيا

تعثر تنفيذ خارطة الطريق في منبج على النحو المتفق عليه، إضافة إلى الملفات الأخرى العالقة بينها وبين واشنطن كملف تسليم المطلوبين لتركيا وعلى رأسهم غولن، وتنفيذ صفقات السلاح المتعثرة وغير ذلك من القضايا التي كانت تشكل منعطفات حرجة في العلاقة بين الشريكين في حلف الناتو المهمين ( تركيا، أمريكا)، يبدو أنها أكثر ثقة في خطابها اليوم، وتعتبر أن دبلوماسيتها نجحت اتجاه التعامل مع الموقف الأمريكي، خاصة مع حدوث بوادر لانفراج في العلاقات مع حل أكثر الملفات العالقة بين الجانبين.

خطوات الانفراج بين واشنطن وأنقرة

لم تكن قضية القس برونسون الذي تم الإفراج عنه في تركيا تمثل الدلالة الوحيدة على بدأ الانفراج في الأزمة بين البلدين، فقد تبعها عدة خطوات، منها قيام أمريكا بإلغاء العقوبات المفروضة على مسؤولين أتراك ورد تركيا بالمثل، وخلال الأيام القليلة الماضية كانت هناك اتصالات على أعلى المستويات بين الجانبين التركي والأمريكي، أعلنت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية عن موافقتها على تسليم طائرات الـ إف 35 لتركيا بعد تعطيلها في وقت سابق، والبدء بالتحضيرات لملف تسليم عبد الله غولن إلى تركيا، كل ذلك كان يشكل خطوة تحول مهمة في العلاقات الأمريكية – التركية، لكن القرار الأمريكي الأخير يعتبر تتويجاً لهذا الانفراج إذا ما تم بالشكل الذي يؤمن المصالح التركية.

 

الدور الأميركي شرق الفرات

يوجد نحو ألفي جندي أمريكي في سوريا، وبعض المصادر الأمريكية تشير إلى أن العدد الفعلي قد يصل إلى أربعة آلاف مقاتل غير معلن، يتوزعون في مناطق مختلفة من شرق الفرات بعيداً عن مراكز المدن، حيث تنتشر نحو عشرين قاعدة أمريكية لمختلف المهام العسكرية في هذه المناطق، وتقوم بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات قسد في إطار الحرب المعلنة على تنظيم الدولة الإسلامية.  لقد شكل الوجود الأمريكي نقطة توازن مقابل الوجود الروسي وكذلك الوجود الإيراني، وكانت أمريكا تصرح بأن انسحابها من سوريا يجب أن يتوافق مع انسحاب للقوات الروسية والإيرانية أيضاً. ويرى بعض المراقبين الأمريكيين بأن الوجود الأمريكي في منطقة استراتيجية شرق الفرات قد يعوضهم عن فقدان الموقع الاستراتيجي الذي كانوا قد تركوه في العراق، ويسمح لأمريكا أن تكون لاعباً أساسياً في اللعبة السورية وعدم ترك الساحة لروسيا وإيران.

كل ما سبق إضافة إلى مناطق حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية شرق الفرات، ساهم في جعل القوات الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني تسيطر على نحو 40% من الأراضي السورية خلال السنتين الأخيرتين، وسمح لها بأن تنفرد في إدارة هذه المناطق التي يشكل العرب أكثر من 90 بالمئة من سكانها، وتقوم بارتكاب مختلف الانتهاكات من حرق وتجريف للقرى العربية وفرض مناهج التعليم الكردية برؤية إيديولوجية تنتمي لمدرسة العمال الكردستاني، وكذلك فرض التجنيد الإجباري على شبان المنطقة، والضرائب والأتاوات على باقي المدنيين.

انسحاب استراتيجي أم مناورة جديدة؟!

إن قرار الولايات المتحدة الأمريكية الذي نشرته وسائل الإعلام الأمريكية قد تم تأكيده عبر البيت الأبيض، مؤكداً أن قرار أمريكا بالانسحاب وعودة جنودها من سوريا يعني الانتقال لمرحلة ثانية من مراحل مواجهة الدولة الإسلامية، وقد حذر مسؤولون أمريكيون مثل السناتور الأمريكي ماركو روبيو مغبة الانسحاب السريع والكامل، إذ قال: " إن الاسنحاب السريع والكامل للقوات الأمريكية خطأ فادح وسيكون له تداعيات خطيرة"، في حين صرح مسؤول أمريكي بأن الانسحاب سيكون متدرجاً وسيستغرق من 60 إلى 100 يوم. هذه الجدولة الزمنية الطويلة نسبياً لجنود قد تكون مبررة إذا ما كان الغرض تفكيك القواعد الأمريكية ونقلها بشكل كامل من المنطقة، وقد تكون أيضاً بغية تأمين المنطقة وعدم إحداث فوضى قد تنتج عن الانسحاب السريع، لكن أيضاً لا يمكننا استبعاد أن ذلك قد يدخل ضمن مناورة أمريكية جديدة تستهدف تخدير الجانب التركي ومنعه من التدخل العسكري، قبل ترتيب بعض الأمور في المنطقة خاصة مع أنباء غير مؤكدة تحدثت عن تعزيزات عسكرية ثقيلة وصلت قاعدة الرميلان خلال الأيام السابقة. و أياً كانت الأسباب وراء هذه الجدولة، فهذه المدة ستكون كفيلة بحدوث أكثر من سيناريو خلال هذه الفترة، أبرزها:

  • الأول: توافق غير معلن بين النظام والقوات الكردية برعاية أمريكية تسمح للنظام وحلفائه بالدخول إلى منطقة شرق الفرات وإعادة انتشار قواته في المنطقة بشكل كامل يتم الإعلان عنه مع الانسحاب الكامل للأمريكان من سوريا، وبالتالي إرباك الأتراك ومنعهم من الدخول للمنطقة خاصة إذا ما تم إخلاء المواقع الحدودية بعمق 10 كم من تمركز القوات الكردية، والتي يحق للأتراك بموجب مذكرة تفاهم مع النظام السوري وقعها سنة 1998 بالدخول في الأراضي السورية الحدودية بعمق 5-8 كم في حال وجود تهديد لأمنها القومي.
  • الثاني: إعادة تموضع القوات الكردية بالتوافق مع حلفاء آخرين في مناطق متفق عليها بين الأمريكان والأتراك، وقد تكون هناك أطراف عربية أخرى تضمن انتشار قوات عازلة بين مناطق القوات الكردية والحدود السورية – التركية، مع توقعات بأن تكون قوات سودانية مرشحاً رئيسياً للعب هذا الدور، تزامناً مع زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، مع توقعات بحمله رسالة من الجامعة العربية في مقترحات من هذا القبيل. 

 

مستقبل قسد بعد الانسحاب الأمريكي

لا يبدو أن القوى المرتبطة بحزب العمال الكردستاني التي تمثلها اليوم ( قسد) بموقف يحسد عليه مع هذا القرار، فهي تعتبر أن القرار طعنة بالظهر

خيارات قوات الأمر الواقع الكردية في سوريا "قسد" بدون الوجود الأمريكي تكاد تكون معدومة، فلا التدخل التركي مع فصائل المعارضة سيكون في صالحها، ولا تدخل النظام أيضاً سيكون في صالحها

وخيانة لدم مقاتليها، المحللة السياسية الروسية إلينا سبونينا علقت على هذا الموقف قائلة " بأن الموقف سيكون صعباً بالنسبة للأكراد، أمريكا تستخدم الأكراد ولا تنفذ وعودها لهم، والأمريكان اعتادوا اللعب على وتر القضية الكردية، بينما الموقف الروسي أكثر وضوحاً إزاء ذلك". يذكرنا هذا الانسحاب أيضاً ، بالتخلي الأمريكي عن قوات البيشمركة في كركوك العام المنصرم، وكذلك المواقف الأمريكية التي كانت منذ عهد كيسنجر تخذل الطموحات الكردية المتعجلة.

على أي حال يبدو أن خيارات قوات الأمر الواقع الكردية في سوريا "قسد" بدون الوجود الأمريكي تكاد تكون معدومة، فلا التدخل التركي مع فصائل المعارضة سيكون في صالحها، ولا تدخل النظام أيضاً سيكون في صالحها، خاصة بعد أن حاولت قسد الخروج عن عباءة النظام فعلياً تزامناً مع التمركز الأمريكي في المنطقة، وبعد المواجهات الدامية التي كانت تحدث أحياناً بينها وبين قوات النظام وأجهزة أمنه في المنطقة التي تسيطر عليها القوات الكردية خلال الفترة الماضية.

مشروع القوات الكردية في سورية كان من المتوقع له الفشل، والآن يمكن القول بأنه سيشهد انهياراً بشكل لا يقل مفاجأةً عن قرار القوات الأمريكية بالانسحاب، وسيساهم في تسارع هذا الانهيار عدم وجود ركائز محلية تدعم هذا المشروع، ووجود نقمة كبيرة من أبناء المنطقة على الممارسات والمجازر التي قامت بها هذه الميليشيات بحقهم خلال السنوات الماضية منذ إعادة حلفهم مع النظام بداية الثورة السورية، وصولاً لحلفهم مع الأمريكان خلال الأعوام الماضية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم