الاستثمار في الثورة السورية

شكلّت عودة التظاهرات في المناطق المحررة من سورية لحظة جديدة في تاريخ الثورة، فهي تأتي بعد انقطاع طويل بسبب عنف القصف الذي يشنّه النظام وروسيا وإيران، نتيجة التوصل إلى مناطق خفض التصعيد بين روسيا وتركيا وإيران، التي لم يبق منها سوى المناطق التي تخرج فيها التظاهرات في المدة الأخيرة، وتجري في مناطق لا يسيطر عليها النظام، لكنها لا تخلو من المشاكل، حيث تعيش حالة من عدم الاستقرار والفوضى والخطف وتعدد السلطات الأمنية والعسكرية وحتى القضائية، رغم كل المحاولات التي تُبذل في محاولة توحيد هذه السلطات، ولكن من دون جدوى.

عبَّر المتظاهرون عن جوهر مطالب السوريين عموماً، من إطلاق سراح المعتقلين إلى الحرية والكرامة وإسقاط النظام، في عودة للأيام الأولى للثورة، ولكن محمّلةً بدم مليون شهيد وآلام ملايين المهجرين والنازحين ومئات آلاف المعتقلين، في إصرار على عدم التنازل عن حقوقهم، أما في الجمعة الأخيرة، فقد خرجت التظاهرات في أغلب المناطق تحت شعار: "هيئة التفاوض لا تمثلنا"، مما أثار عاصفة من الاتهامات والتبريرات والتوضيحات، بين منسّقي التظاهرات وبعض أعضاء هيئة التفاوض، وصلت إلى حد التخوين، والاتهام بالغوغائية وغيرها، لتفتح معركة لا بد منها، رغم أصوات البعض الناقدة لهيئة التفاوض والائتلاف التي تنادي من سنوات بضرورة استبدالهما، والتي اقتصرت على الكلام من دون التحضير لأي فعل جدي ضاغط على الهيئة أو يكّون نواة وطنية بديلة.

رغم أن معظم هيئات المعارضة والثورة تشكلّت في جزء منها تحت ضغوط إقليمية ودولية، فإنها كانت مظلة لقوى الثورة، والصوت المعبر عن مطالب السوريين في المحافل والمؤتمرات الدولية، من مؤتمرات أصدقاء سورية إلى مؤتمر جنيف بنسخه المتعددة، وغيرها من التجمعات، فكانت عنوان الثورة والمعارضة، لكنها اقترفت خطأ كبيراً في العام الماضي، عند تشكيل هيئة التفاوض السورية في مؤتمر الرياض الثاني، الذي عقد يومي 22 و23 تشرين الثاني 2017،

قدري جميل (نائب رئيس الحكومة) مفصول من عمله نتيجة لتغيبه عن الدوام، حسب البيان الرسمي لحكومة النظام، مما خلق لغماً معطلاً لعمل الهيئة وقابلاً لتفجيرها في كل لحظة

التي ضمّت خمسين عضواً، منهم أربعة من منصة موسكو ضمن تشكيلاتها، وهي تعلم علم اليقين أن مواقف تلك المنصة مناصرة لمواقف النظام أكثر من المعارضة، وأن السيد قدري جميل (نائب رئيس الحكومة) مفصول من عمله نتيجة لتغيبه عن الدوام، حسب البيان الرسمي لحكومة النظام، مما خلق لغماً معطلاً لعمل الهيئة وقابلاً لتفجيرها في كل لحظة، كما شكّل قوة جر نحو المزيد من التنازلات.

الأمر الثاني هو أن هيئة التفاوض تشكلت بعد انكسار عسكري وخسارة لمعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها الثوار، أي في زمن الهيمنة الروسية باختصار، وانكفاء الولايات المتحدة والغرب إلى الشمال الشرقي من سورية، وحصر مهمتها بمحاربة داعش، وكأنما تشكلّت في منافسة لمسار آستانا، ومن بعده سوتشي، الذي شارك فيه أولاً العسكريون، ومن بعدهم السياسيون، وهم اليوم في طليعة منتقدي هيئة التفاوض، تحت ذريعة أن آستانا حققت مناطق خفض التصعيد، بينما جنيف وهيئة التفاوض لم تنجز أي شيء، وكأننا في مسابقة (من يقدم أكثر فهو الفائز).

ضمن هذه التشابكات والتعقيدات في خريطة التصارع الدولي والإقليمي على سورية، وحالة الاستبعاد المقصود لهيئة التفاوض كاستبعاد للعملية السياسية برمتها، ومحاولة فرض مسار آستانا ومن بعده سوتشي كتعبير عن سطوة الروس ودورهم المهيمن في سورية، تدخل القضية السورية سوق التنافس والمزاودة على مطالب السوريين وتظاهراتهم التي تعبّر عن ألم وحيرة وعجز تجاه التلاعب بقضيتهم ومطالبهم، وليست كحصان يمتطيه البعض لإضعاف ما هو قائم، وخلق حالة من الفراغ السياسي المعارض، وهو أمرٌ يسعى إليه الكثيرون وأولهم روسيا والنظام وأصحاب المنصات الخلبيّة.  

رغم حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المناطق المحررة، وغياب ظروف الأمان والحرية، وانتشار عمليات الاختطاف والاعتقال التعسفي، فإن هذه التظاهرات التي خلقت روحاً من التضامن بين الناس، وأعادت وهج وقوة اللحظات الأولى إلى الناس لتمتلك قرارها وتعبر عن مشاركتها، تصبح الدعوة لإجراء انتخابات عامة، في كل المناطق المحررة، لاختيار تمثيل معقول مطلباً ضرورياً، مع شركاء

الحاجة إلى حليف قوي في لعبة الدول أمر لا بد منه، لكن من دون الارتهان الكامل لمصالح أي دولة، سوى مصالح السوريين في تحقيق عملية انتقال سياسي نحو نظام ديمقراطي.

لهم عن المهجرين خارج سوريا، لخلق حالة تمثيلية حقيقية تنال احترام واعتراف الجميع، بما فيها الدول الإقليمية والدولية، وتمثل الثوار والمعارضة في المفاوضات (وهي معارك سياسية من النوع الثقيل، لا تقل أهميتها عن غيرها)، ولتشكيل هيئات تنفيذية بديلة لكل من الحكومة المؤقتة، وحكومة الإنقاذ، تسعى لتحقيق ما يطالب به الثوار، وأولها الحرية.

كل هذا بالتشاور مع حليف الثورة السورية، فالحاجة إلى حليف قوي في لعبة الدول أمر لا بد منه، لكن من دون الارتهان الكامل لمصالح أي دولة، سوى مصالح السوريين في تحقيق عملية انتقال سياسي نحو نظام ديمقراطي.

إن التدريب على ممارسة الديمقراطية يتطلب شرطاً أولياً وأساسيًا، وهو أن الانتقاد لا يعني التخوين، وأن لا مقدس لدى السوريين سوى دمائهم التي انهالت طلباً للحرية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم