الاستثمار الأميركي الروسي في الأقليات والمخاوف

تغري الأقليات الطائفية والمذهبية القوى الكبرى بالاستثمار فيها. وتعمل على توسيع شبكة الاستثمارات الممكنة فيها لتشمل المخاوف، والفانتازمات، المطامع والخصوصيات وتقدم مقابل ذلك الحضور الميداني والجثث والولاء.

قرأت أميركا الترامبية هذه المعطيات جيدا، وفهمت أن لحظة اشتباكها مع إيران تتطلب اللعب مع حلفاء إيران بالطريقة نفسها، أي من خلال تكوين شبكة علاقات مع بنى أقلوية تمتلك حضورا في المنطقة، وتمتاز بأنها قادرة على القتال وراغبة فيه.

بعد أن تجلى عمق الاستثمار الروسي في الأقليات الشيعية والعلوية، وحرصها على الظهور بثوب حامي الأقليات في المنطقة ومن ضمنهم المسيحيون في لبنان، تعمل أميركا على توسيع دائرة الأقليات المرتبطة بها.

 بعد تأكيدها الدائم على حلفها الوثيق مع قوات سوريا الديمقراطية في سوريا، يأتي بيان السفارة الأميركية في بيروت بما ينطوي عليه من تحذير مباشر من مغبة التوظيف السياسي لحادثة قبرشمون، ليعلن أن وليد جنبلاط ودروز لبنان قد باتوا ضمن حلف الأقليات الذي تبنيه أميركا في مواجهة أحلاف روسيا وإيران.

ويمكن ملاحظة السعي الأميركي الدائم إلى توسيع معاني هذا المفهوم والأطر السياسية والتنفيذية المرتبطة به، فهو لم يعد محصوراً بطائفة أو مذهب أو قومية، بل بات يمكن أن يشمل الدول إذا ما كانت منظومة السلطة فيها مشخصنة ومحصورة في يد قائد واحد أو مجموعة ضيقة من الشخصيات التي يمكنها توجيه دفة البلد وخياراتها في اتجاه يتطابق مع مصالح أميركا وتوجهاتها.

تفسير خريطة العلاقات والاستثمارات الأميركية في المنطقة والعالم يمر من خلال محاولة تفكيك مفهوم الأقليات في العرف الأميركي، فهي تنظر إلى دولة مثل السعودية على أنها تمثل بنية أقلوية لأنه من الممكن اختصار منظومة الحكم فيها بالأمير محمد بن سلمان، وتاليا فإن تفاهمها معه إنما يعني اختصارا لكل شبكات العلاقات التي يمكن أن تبنى مع الدول وتعقيداتها، كما أنها تنسجم تماما مع العقل الأميركي في لحظته الترامبية الميالة إلى السرعة والشخصنة.

وهكذا فإن شعار أميركا أولا الذي بات يختصر التوجه السياسي الأميركي عموما، والذي سبق أن رُفع في لبنان ما يماثله، يمثل حاليا روح التوجه الأعمق لدول المنطقة، وخصوصا الدول التي كانت قبل ذلك تحمل مشاريع عامة وتوسعية، أو تعتبر نفسها دولا قائدة.

تلك العودة إلى الخصوصيات تلاءمت مع لحظة استثمار القوى الكبرى في الأقليات، فعملت روسيا على الاستثمار

لعل الفارق الكبير في منظومات القوة بين أميركا وكل دول العالم يكمن في أنها الوحيدة التي يمكنها أن تكتفي بالداخل، ويُدفع لها في مقابل تدخلاتها في الخارج

في إيران وشيعتها، انطلاقا من معرفتها بأن كل ما تمارسه إيران من تدخل في الخارج، لا يهدف في نهاية المطاف سوى إلى تمكين الداخل والحفاظ على استمرارية النظام، والأمر نفسه ينطبق على كل دول المنطقة.

ولعل الفارق الكبير في منظومات القوة بين أميركا وكل دول العالم يكمن في أنها الوحيدة التي يمكنها أن تكتفي بالداخل، ويُدفع لها في مقابل تدخلاتها في الخارج وليس العكس.

تظهر مساعي الرئيس ترمب إلى تسوير أميركا وحدودها كما أنها باتت دولة تمتلك خصوصية الدور انطلاقا من الداخل، ولا تحتاج إلى العالم لتمكين نفوذها بل يرجوها الآخرون أن تتدخل، وتتدفق الاستثمارات والأموال إليها مقابل هذا التدخل الذي يصب بدوره في تمكين الداخل.

يأتي الاستثمار في دروز لبنان ليؤدي دورا خاصا في هذه المعادلة، ولعل إغراء الدروز بالنسبة لأميركا يكمن كما هو حال أكراد سوريا الديمقراطية في خصوصيتهم القتالية، فحادثة قبرشمون لم تكن اشتباكا سياسيا بل سفكا للدماء، وكذلك فإن المرة الوحيدة التي تمت فيها مواجهة حزب الله بالسلاح والنار على الرغم من كل سطوته الحربية، كانت حين حاول الدخول إلى المناطق الدرزية خلال حوادث 7 أيار 2008.

في تلك اللحظة كانت المختارة عاصمة الدروز المنيعة العصية على السقوط في حين سقطت بيروت عاصمة السنة في ساعات قليلة ومن دون قتال، وما تبع ذلك كان صعود المسيحية اللبنانية المرتبطة بإيران وروسيا على أجنحة منظومة الضبط التي تبناها سعد الحريري، والتي جعلت حزب الله ينتقل بسلالة من وضعية الميليشيا إلى وضعية الدولة، وسمحت لوزير الخارجية العوني جبران باسيل أن يصرح معتبرا عن حق أن الجميع في البلد هم بشكل أو بآخر حلفاء لحزب الله.

تستثمر أميركا حاليا في جنبلاط لأنه مقاتل ولأنه لم يبق له شيء يخاف عليه، وتعمل على وصل حلفها معها

لم يعد توصيف التهديد الإيراني للملاحة في مضيق هرمز خاضعا لاعتبارات التوتر بينها وبين أميركا، بل بات شأنا أوروبيا ودوليا تعمل أميركا على إدارته

بمشروعها العالمي القائم على الحرب بالآخرين، فبعد أن أتاحت لتركيا امتلاك منظومة صواريخ أس 400 الروسية التي تهدد أوروبا، اتضح أن الثمن الروسي المطلوب مقابلها يتعلق بالشروع في إعادة النظر بالوجود السوري في تركيا وتوظيفه في معارك نفوذها، وهو ما خلق شبكة مخاوف أوروبية حولتها من دور الوسيط في الصراع الأميركي مع إيران إلى دور الشريك.

إثر ذلك لم يعد توصيف التهديد الإيراني للملاحة في مضيق هرمز خاضعا لاعتبارات التوتر بينها وبين أميركا، بل بات شأنا أوروبيا ودوليا تعمل أميركا على إدارته في الوقت نفسه الذي تزود فيه قوات سوريا الديمقراطية بالسلاح لمواجهة أي محاولة تركية لاحتلال المناطق التي يسيطرون عليها، والتي تشكل أهمية إستراتيجية ليس لتركيا وحسب ولكن لإيران وروسيا أيضا.

 تمر عملية محاصرة إيران التي تمثل أهمية استراتيجية لأميركا لارتباطها بصراعاتها مع روسيا والصين عبر مداخل ميدانية عديدة إضافة إلى العقوبات الاقتصادية، أولها في سوريا عبر دور الحاجز الذي تلعبه قوات سوريا الديمقراطية، وفي مضيق هرمز من خلال خلق تحالف دولي يحمي الملاحة فيه، وفي لبنان عبر وليد جنبلاط الذي لن يتورع عن القتال بعد أن باتت المعركة ضده وجودية الطابع والملامح.

شارك برأيك

أشهر الوسوم