الإدارة الذاتية إلى أين؟

قياديون في قوات سوريا الديمقراطية بدير الزور(رويترز)

حلم الكُرد في سوريا منذ أمد بعيد، بإدارة مناطقهم وإنشاء قاعدة مجتمعية مشتركة مع باقي المكونات ضمن الظروف السياسة المتاحة حين ذاك. وما إن تطورت الأمور بعد2011، وتشعب الحدثّ السوري. وكامتداد للإرث السياسي والعيش المشترك للكُرد في المنطقة، حرص الكُرد أن يبقوا جزءا من الهمّ والتطلع الوطني العام، والدفاع عن الخصوصية القومية للشعب الكُردي في سوريا.

وككل الأقطاب والأحزاب والتجمعات الأخرى، انقسمت الحركة الكُردية على نفسها، بين مؤيد لمطالب الشعب السوري، وحصول الكُرد على الاعتراف السياسي ضمن الإطار العام لسوريا المستقبل، وبين من أراد أن ينفرد بكل شيء وأن يغرد خارج السياق الشعبي العام. فكان للمجلس الكُردي دور هام في المعارضة السورية، وللاتحاد الديمقراطي مشروعه الخاص الذي سعى لفرض رتمه عبر القوة والترغيب معاً.

حتى هذه اللحظة ما يزالون يصرون على نجاحهم وفشل المؤامرات على صخرة صمودهم وكأن العالم كله أسير انتظار نشراتهم وبرامجهم التلفزيونية

بعد سلسلة من التجارب والمشاريع السياسية. طرح الــ/ ب ي د/ مشروع الإدارة الذاتية، والذي جاء متزامناً مع انضمام المجلس إلى الائتلاف المعارض، ومع تبادل الاتهامات حول تعمدهم طرح المشروع في ذلك التوقيت للتقليل أو التغطية من أهمية تواجد طرف كُردي مهم ضمن محفل سوري عام، ومحاولة تشويه الحقائق وخلق حالة انقسام وفصامّ كُردي حادّ، ادعى مؤسسي الإدارة صدفية التزامن الوقتي بين الحدثين، والاشتغال على المشروع منذ أكثر من عام.

استمرت الإدارة حتى اليوم. لكن شأن كل الأنظمة والإدارات التي لا تقبل القسمة على اثنين، والتي لا يمكن لها أن تنظر إلى نفسها من موقع الخطأ والمسؤولية عنها. وما شمول جميع المخالفين معهم بالعمالة والارتباط مع الخارج لتقويض أساس وأركان نظام الحكم لديهم، سوى إعادة خلق أنظمة حكم ممسوخة.

ووفق دراسة ميداينة كُنت قد أنهيتها قبل أقل من عام. فقد المجتمع الكُردي قوامه وعماده المستقبلي. فنصف الفئة العمرية المتراوحة بين /18 -35/ عاماً تعيش خارج أسوار المنطقة الكُردية. ووفق المنظور السوسيولوجي والفيزيولوجي، فإنهم الفئة العمرية الأكثر رغبة وإمكانية للعمل والدراسة والإنجاب. بمعنى أن الانزياح الهرمي المخيف قد أصاب المجتمع الكُردي، وقوامه غياب جيل كامل في مجتمع سيجد نفسه متراوحاً بين الشيخوخة والطفولة، يضاف إليها منع تعدد الزوجات مع ارتفاع مخيف في نسبة العنوسة، ما يعني عدم الإنجاب وتقليل نسبة الكُرد والجيل الجديد خلال العقود القادمة.

 يضاف إليها ثالثاً: توجه غالبية الجامعيين صوب المطاعم والفنادق ومحطات الوقود في كوردستان العراق وتركيا وأوربا لتأمين ما يسد حاجتهم وذويهم في الداخل، ما يُفقد المستقبل الكُردي أهم عناصره وأقوى سلاح له في مواجهة تحديات العصر والنهضة المأمولة. ويُسهل التنبؤ بأمية المجتمع الكُردي مستقبلاً، خاصة مع تطبيق مناهج تتجاوز قضية المضمون وتسييسه إلى النظر في مستقبله؛ فإن الجامعات السورية خلال الأعوام الخمس القادمة ستشهد ولأول مرة خلال نصف قرن خلوها من الطلبة الكُرد.

 فقد المجتمع الكُردي قوامه وعماده المستقبلي فنصف الفئة العمرية المتراوحة بين /18 -35/ عاماً تعيش خارج أسوار المنطقة الكُردية

أغلب الأشياء سيئة. تقنينٌ للكهرباء المُقننة، وشحٌ في المياه القلية، مئات أو آلاف الإصابات بالسرطانات والأورام بسبب الحراقات ودخانها، معاناة المشاريع الزراعية من قلة عدد ساعات توفر الكهرباء ومع شح الأمطار وقلتها في المواعيد المناسبة للريّ، فأقبلت المنطقة على موجة جفاف وغلاء فاحش. تشكو المنطقة الكُردية من استمرار خلوها من أي مشروع إنمائي اقتصادي منذّ نصف قرن، عوضاً عن ذلك راحت هذه الإدارة وحزبها الحاكم تشجع على البرجوازية الحزبية عوضا عن الوطنية، ولم تقدم هذه البرجوازية أي مشروع يمكن للشباب العاطلين عن العمل من الاستفادة منه بل إن جميع واردات معبر سيمالكا وعمليات التهريب ونقل البضائع والتجارة لا يتم صرفها إلا بما يخدم مشاريعهم وتفعيل سيطرتهم على المجتمع الكُردي تحديداً للظفر بأوراق اعتماد تمثيل الكُرد.

لم تتساءل ولم تطرح في جعبتها، ماذا ستفعل في اليوم التالي؟ حتى هذه اللحظة ما يزالون يصرون على نجاحهم وفشل المؤامرات على صخرة صمودهم، وكأن العالم كله أسير انتظار نشراتهم وبرامجهم التلفزيونية ليشرحوا للشعب عن أسباب التضحية بهم في عفرين ومنبج. ولن يقولوا إنهم لم يُجيدوا قراءة التاريخ وأخذ العبر والدروس منه، ولم يتعظوا من الأنظمة التي قادت شعوبها إلى الكوارث. يتصورون النصر المؤزر بمجرد سيطرتهم على الإعلام، بعض الأقلام، الحياة السياسية.

ربما لجأت إلى العديد من الطرائق والضغط بمختلف الوسائل للحصول على خدمات أصحاب الإرادة الفكرية والعقول المنتجة. لكنها فشلت في قراءة أبرز مُستلزمات الوقت الراهن، وأصرت على فرض رؤاها على السيرورة التاريخية. فلجأت إلى خنق الحريات ومنع التعددية السياسية وإلغاء الآخر المختلف ومنع الأحزاب الكُردية من العمل بحرية وإغلاق المقار ومكاتب الأحزاب الكُردية في مقابل حرية الحركة والعمل لأعضاء وكوادر الجبهة الوطنية التقدمية.

إنهاء وإلغاء الإدارة الذاتية ستجلب من السلبيات والموبقات أكثر بكثير مما يتصوره البعض خاصة مع عشرات المؤسسات الفعلية منها والشكلية

إنهاء وإلغاء الإدارة الذاتية ستجلب من السلبيات والموبقات أكثر بكثير مما يتصوره البعض، خاصة مع عشرات المؤسسات الفعلية منها والشكلية التي حاولت أن توازي بينها وبين مؤسسات الدولة، وتوظيف الآلاف من أبناء المنطقة وخاصة العنصر النسائي، والخوف من البديل، وبقاء الإدارة بهذه الشاكلة والنفسية والعقليات ستعجل من زيادة التصدعات والانهيارات المجتمعية. والأهم سيستمر نزيف المجتمع والوجود الكُردي، خاصة مع استمرارهم طرح مشاريع طوباوية. وإن كانت الرغبة في التفاوض أو الحوار مع النظام قد أعادهم إلى المربع الأول.

 إلا أنه يُلح أكثر من أي وقت مضى طرح السؤال الوجودي: لماذا يتحاور الاتحاد الديمقراطي مع الجميع دون أي قيدّ أو شرط؟ في ظل إحجامه عن التواصل مع المجلس الكُردي إلا بشروط مسبقة و فروضات تجعل من الكُرد يخسرون تواجدهم في الحوارات الدولية حول سوريا؟

بل الأهم هل سيدركون أنهم وحدهم السبب في مآلات المنطقة كونهم أصروا البقاء وحدهم في كل شيء. وأن لا أحد بات يصدق إصرارهم في البقاء دون الآخرين وتخصيص خصومهم بمناسبة أو دونها السبب في أيّ خسارة يتعرضون لها.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم