الأمل بالحرية

كان آخر ما نادى به الصحفي السعودي جمال خاشقجي رحمه الله قبل مقتله هو حرية التعبير في العالم العربي، تلك الحرية التي فُقدت وتلاشت بشكل كلّي، وقُدّر لها أن تُدفن مع كل محاولات جادّة لإحيائها، والتي كان الربيع العربي يدفع باتجاهها، وكان تياره محركاً للشباب العرب ليتحركوا، وينادوا بصوت الحرية في وجوه حكّامهم، وفي نفس الوقت كان الربيع العربي دافعاً لامتزاج الروح الحرة في كل بلد عربي ببلاد عربية قريبة أو بعيدة، ليس لأنها عدوى وسرت في النفوس وحسب، بل لأنها لامست وجعاً قديماً كان الجميع يعاني منه بصمت، ويتمنى لو يجد منه خلاصاً، أو إلى التداوي منه سبيلاً.

قُتل خاشقجي في سفارة بلاده، وبأيدي أشخاص من بني جلدته، قُتل وقُطّع جسده وأخفيت جثته،

جعل خاشقجي الحرية هاجساً ورسالة يتنقل بها عبر الكلمة الحرة من مكان لآخر، يصدّرها بحرقة في لقاءاته وحديثه، متمنياً أن تتوقف الوحشية في بلاده، وفي العالم العربي

وهو متفائل بالحرية، ولو لم يكن متفائلاً بها لما نادى بها، وترك حياته وراحته وتجند لها كقضية حاسمة ومصيرية، ولما جعلها الرسالة الأساسية التي يوجهها بصوته وقلمه عبر وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية.

جعل خاشقجي الحرية هاجساً ورسالة يتنقل بها عبر الكلمة الحرة من مكان لآخر، يصدّرها بحرقة في لقاءاته وحديثه، متمنياً أن تتوقف الوحشية في بلاده، وفي العالم العربي، وتتوقف السجون عن استقبال المفكرين والعلماء وأصحاب الأقلام الواعية الحرة، ويُفسح لأهل الرأي مجالاً ليخاطبوا الناس ويصلوا بكلماتهم إليهم دون أن يضطروا لأن يتخفوا أو يغادروا أوطانهم بحثاً عن مكانٍ يتاح لهم فيه فرصة التعبير عن الرأي، وانتقاد الخطأ، والتبيان بوضوح.

التعدي على حرية التعبير، وملاحقة الناس بالقهر والإرهاب، زرع الخوف في النفوس، وجعل سحابة من التغييب تسري فوق سماء الأرض العربية، أدى ذلك لأزمة واضحة في فهم قضاياهم الكبرى، وبالتالي بات التمييز أقل بين ما يهددهم على المدى البعيد والقريب، وما يُسلب من حقوقهم، وما يُحاك لهم، ليغدو اهتمامهم أكثر بالقضايا السطحية، ويصبح تخوفهم أكثر من الشخص الذي يتحدث بجرأة، ظناً منهم أنه سيجلب البلاء والكوارث عليهم ويحرمهم الأمن الوهمي والأمان المصطنع.

أما الفئة التي خرقت جدار الصمت وتحدثت، أو فكرت وقاومت، فكان مصيرها

لا وباء يسري في عالمنا العربي أكثر من وباء الصمت، ولأجل ذلك يعتبر الكلام في عالمنا أحياناً أمضى من عملية فدائية، ولأجل ذلك يخشى الحكام من الكلمة فهي قادرة أن تهز عروشهم وتقوّض ملكهم إن واكبها إعلام ينشرها ويحرك أنظار العالم نحوها

مشابهاً لمصير خاشقجي، غير أن الفرق في المكان فقط لا غير، وهل هناك فرق أصلاً بين قنصليّة وفرع أمن؟!

حيث لا خيار عن المناشير الكهربائية، أو التعذيب بالكهرباء دون الحاجة لمناشير، وحيث يتم الأمر بسلاسة غير متوقعة، وعلى أنغام الموسيقى أو نباح الكلاب، لا فرق! لا شيء يهم أولئك الفئة المدرّبة على استلاب إنسانيتها، وتجميد مشاعرها، ونسف ضميرها، المهم ألا يمسّ أحد بالكرسي وصاحب الكرسي، ولا ذنب مغفور لمن يجرؤ ويتطاول، ولذلك لا وباء يسري في عالمنا العربي أكثر من وباء الصمت، ولأجل ذلك يعتبر الكلام في عالمنا أحياناً أمضى من عملية فدائية، ولأجل ذلك يخشى الحكام من الكلمة فهي قادرة أن تهز عروشهم وتقوّض ملكهم إن واكبها إعلام ينشرها ويحرك أنظار العالم نحوها، وإلا فمنذ متى يأبه حاكم باغتيال صحفي، وما أكثر الذين قُتّلوا في سجونهم من أجل كلمة حق!

التفاؤل الساذج بعودة الحرية بعد هذا الكم من التضحيات لن يجدي نفعاً، وتعميق الخوف من المواجهة لن يزيد الجاني إلا بطشاً وظلماً، واليأس من التغيير والانسحاب لن يوقعنا إلا في سلسلة أعوام من الاستعباد قد تمتد قروناً، ولذلك فلا خيار من أن تتجند الكلمة والفعل ليكون التجانس الواعي، وينتجا قوة حقيقية قادرة على المواجهة مهما كان ما يقابلها صعباً، لا خيار عن العمل لتحرير الإنسان، وغرس مفاهيم الحرية في كل مفصل من مفاصل الحياة، وبثها في كل روح، فبامتلاكها يولد الأمل في حياة تستحقها هذه الشعوب المقهورة.

رحم الله خاشقجي شهيد الرأي الحر والكلمة الحرة، ورحم كل شهداء الحرية من الشعوب المكافحة والمناضلة الذين دفعوا دماءهم ثمناً لانعتاق جيل آخر قادم من كل أنواع الظلم والاستبداد، ورزقنا أملاً بالحرية دافعاً لنستمر حتى تتحقق.

شارك برأيك

أشهر الوسوم