الأزمات المعيشية والانحدار القيمي والمعرفي

سيارات في طابور عند محطة بنزين في حلب (رويترز)

تردت الحال المعيشية للسوريين في الداخل السوري، وفي المناطق التي يديرها النظام إلى قاع سحيق مظلم ورمتهم في دوامة المعاناة الطاحنة مع انعدام أي بصيص من الأمل في النجاة مما ينتظرهم أيضًا.

في الواقع إن التردي ابتدأ باكرًا في عمر الأزمة المتفاقمة، ولقد كان لكل مرحلة من مراحل الحرب انعكاساتها على الحال المعيشية، ورهاناتها على مدى احتمال أفراد الشعب لكل ضغوطات الحياة التي يعانون منها، مثلما كانت هناك توقعات، بحسب أبسط قواعد المنطق أو الفيزياء، بأن تراكم الضغط سوف يؤدي إلى الانفجار، وأن الشعب لن يحتمل ولقد أشرف على هذا الانفجار المتوقع، لكنه احتمل. احتمل بطرق عدة فليس من بقوا في الداخل وحدهم يعانون.

لا يمكن للأخلاق والقيم أن تصمد أمام التهديد الوجودي، لذلك مهما ادعى الشخص تمسكه بالأخلاق وأعلى الصوت بالمُثل والأمثال فإنه سينزلق مكرهًا

بل أولئك الذين فرضت عليهم الصراعات والعنف خيارات ربما كانت على عجل دافعها الأساس الهروب من المحرقة التي راحت تلتهم الحياة والحجر والشجر يعانون أيضًا، فالتأسيس للمستقبل حتى على الصعيد الفردي يتطلب وجود استقرار إلى حد ما، أو على الأقل انتماء إلى تاريخ وجغرافيا، بينما وضع السوريين في الخارج، في بلدان اللجوء، لا يمكن معه التأسيس لمستقبل حتى في الدول التي وصلها السوريون لاجئين وحصلوا على مستوى مقبول من المساعدات وتأمين فرص عمل ودراسة وعيش، لأن الشعور بالعيش المؤقت يحاصر القدرة على التخطيط والاختيار.

في الداخل هناك ضغط يتفاقم مع تفاقم الأزمة التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق، فأزمة المحروقات شلت الحياة بكل ما تعني الكلمة، إن المَشاهد التي تُظهر الجموع المحتشدة أمام مراكز التوزيع أو أمام محطات الوقود تدعو إلى الرثاء، رثاء وطن منهار ودولة متهالكة ومواطنين مهانين مذلولين، مترافق مع ارتفاع أصوات الأبواق المتزلفة المنافقة التي لم تتأثر حياتها ومعيشتها في ظل الحرب ولم يصبها البؤس الذي أصاب غالبية السوريين، أصوات تلهج بالشعارات الوطنية الرنانة الجوفاء كالطبول، التي تحث الشعب على الصمود في وجه المؤامرة الفظيعة التي يتعرض لها الشعب والوطن.

لا يمكن للأخلاق والقيم أن تصمد أمام التهديد الوجودي، لذلك، مهما ادعى الشخص تمسكه بالأخلاق وأعلى الصوت بالمُثل والأمثال فإنه سينزلق مكرهًا، أو بإرادته بعد أن يوجد مبرراته الخاصة، إلى دوامة الحركة التي تصنعها الأحداث.

التأقلم ليس دليل حياة مثالية، ومعروف عن الإنسان قدرته على التأقلم، فالكوارث والحروب تغير حياة البشر، لكن التغير الخطير هو التغير في عاداتهم الحياتية وسلوكهم الذي ينحو باتجاه الحفاظ على الحياة وضمان البقاء في ظروف متدنية، وما ينجم عنه من انهيار للمنظومات القيمية والأخلاق، عدا انخفاض مستوى الوعي والتفكير والإبداع.

لكن ما حصل أن تردي القيم وانهيار المنظومة الأخلاقية يتعاظمان مع طول أمد الحرب وارتفاع الضغط المعيشي على الناس المترافق مع بروز طبقة جديدة من الأثرياء المتخمين يمارسون حياتهم بتبجح واستهتار بمشاعر الأغلبية المعدمة وكأنهم يعيشون في كوكب آخر لا علاقة له بأرض الواقع النازف الذي تعيشه سوريا، هؤلاء الأثرياء الذين جمعوا ثرواتهم من الإتجار بمعيشة الناس وأرواحهم وأمنهم، تجار الحروب، يشكلون طبقة هي الأخطر على مستقبل الشعب السوري، فهم لا يملكون الحد اللازم من الوعي والمعرفة والكفاءة العلمية والمهنية والقدرة على الإبداع كي يسهموا في صنع اقتصاد ما بعد الحرب يخدم الدولة والمجتمع، عدا كونهم لا يملكون الحد الأدنى من القيم والأخلاق، ولا يعيرون القانون أي اهتمام، هذا إذا افترضنا أن للقانون هيبة يمكن استردادها.

شعب صارت حياته عبارة عن طوابير يبدد عمره فيها لتأمين سد الرمق فقط، لا يستطيع أن يكون أمامه أفق فهو يعيش في علبة يزداد سقفها انخفاضاً

شعب صارت حياته عبارة عن طوابير يبدد عمره فيها لتأمين سد الرمق فقط، لا يستطيع أن يكون أمامه أفق فهو يعيش في علبة يزداد سقفها انخفاضاً مع اشتداد الأزمة الحياتية وتضاؤل حجم الخيارات أمامه، فلا الدخل يكفي في حده الأقصى في ظل انهيار قيمة الليرة وارتفاع الأسعار بطريقة جنونية، ولا فرص العمل متوفرة لمن يريد أن يرفد راتبه المحدود جدًا، ولا الموارد المتوفرة لأساسيات الحياة تكفي في حال إمكانية الحصول عليها، وأهم من كل شيء الفرص المعروضة أمام جيل الشباب المرشحين الوحيدين للبناء والتطوير أولئك الذين يعرفون أن ما ينتظرهم في حال الانتهاء من تحصيلهم الدراسي هو الخدمة العسكرية ولقاء الموت في حرب كانوا وقودها ولم يُسألوا رأيًا إن كانوا يريدونها.

هذا الضغط المتصاعد الذي يُمارس على الشعب يدفع بالحياة نحو النكوص إلى نمط لا يتواءم مع منظومة القيم المترفعة، تلك التي كانت معيارًا يضبط نبض المجتمع في حالات الاستقرار، وفي ظل ظروف من هذا النوع، ظروف حياة لا تناسب الإنسان، بل تعتدي على إنسانيته بسفور حد الفجور لا يمكن لملكات الإنسان أن تنمو، بل ينزلق بالتدريج إلى حياة بدائية تحتكم إلى الغرائز التي تضبط السلوك وتدفعه باتجاه أسباب البقاء فقط من دون الالتفات إلى الانتقائية التي تسمو إلى مستوى الإنسان المتباهي بتفوقه وترفعه على باقي المخلوقات. عندما يحتكم السلوك إلى الغرائز، أو عندما تستبد الغرائز بحياة الأفراد تصبح الذرائعية هي الدافع الوحيد لسلوكه، فلا يعود مهمًا من أين وكيف يحصل على مبررات بقائه وحياته المهددة، لا يعود مهمًا إرثه الثقافي الذي نشأ وترعرع عليه، لا يعود مهمًا أن يتمسك بالقيم التي كانت إلى حد كبير ضامن عيشه في مجتمع قبل الآن، فينزلق إلى ارتكاب الأفعال اللاأخلاقية مبررًا لنفسه أنها الشطارة في وقت انتهاز الفرص، وشيئًا فشيئًا يتم الانحدار نحو الهاوية التي لا قاع لديها في ظل حروب من هذا النوع.

 فقبل أربع سنوات من الآن توقعنا أن حجم العنف وضيق العيش المرافق بحق الشعب السوري أوصله إلى لحظة الانفجار بوصفه انحدر إلى قاع الهاوية، لكن أربع سنوات تلت وانحدر كل شيء نحو قيعان أعمق وأشد غورًا وهلاكًا ولم ينفجر البركان، وهنا الخطورة الحقيقية، خطورة أن يؤدي التأقلم مع ظروف الحياة بالنكوص إلى البدائية التي تفتقر إلى مستويات التفكير والإبداع، وتعيش حتى بأردأ حالات فقر الدم وفقر المخيلة، هنا تكمن خطورة المستقبل، في انعدام إمكانيات الإبداع وإعدام منظومة القيم، وإطلاق السراح للغرائز لتكون ناظم الحياة الرئيس، شريعة غاب تحكمها الفوضى.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم