الأبعاد غير المعلنة للعقوبات الأمريكية على إيران

منصة لإنتاج النفط في حقول نفط سوروش بجانب علم النظام الإيراني(رويترز)

تَرقّبُ سريان العقوبات الأمريكية على إيران في نوفمبر / تشرين الثاني القادم جعل القيادة الإيرانية في وضع إرباك كبير لا تُحسدُ عليه، فهي مضطرة نتيجة هذه العقوبات إلى مراجعةٍ جادةٍ وحقيقيةٍ لسياساتها الداخلية والإقليمية والدولية. ويمكن فهم أثر هذه العقوبات من خلال معرفة أهدافها المباشرة وأهدافها غير المباشرة، فالأمريكيون يستهدفون بعقوباتهم إجبار إيران على وقف دعمها للإرهاب، الذي تعمل عليه في منطقة الشرق الأوسط، وهو يتمثّل بتدخلها المباشر في الأوضاع السياسية الداخلية لليمن والعراق وسورية وغيرها.

ويتمثّل أيضاً بسجلها غير النظيف حيال ملف حقوق الإنسان، وقيامها بانتهاكات فظيعة، منها تطبيق سياسة الاستبداد، وقمع الحريات السياسية والإعلامية وغيرها، وتستهدف العقوبات الأمريكية برنامج إيران النووي، وبرنامج صواريخها البالستية. فهذان البرنامجان متكاملان، وهدفهما رغبة إيران في السيطرة والهيمنة وبناء إمبراطوريتها الفارسية على حساب شعوب المنطقة. أما الأهداف غير المعلنة للعقوبات الأمريكية فستكون متعلقةً بنتائج هذه العقوبات على بنية النظام الإيراني في المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

العقوبات الأمريكية القادمة ستشمل جوهر قطاعات الاقتصاد الإيراني، وتحديداً قطاع تصدير النفط، وهو عصب الاقتصاد الإيراني، إذ يشكّل ما نسبته 90% من الصادرات الوطنية الإيرانية. وتشمل العقوبات العمليات المالية للبنك المركزي الإيراني، إضافةً إلى قطاعات الطاقة وصناعة السفن.

العقوبات الأمريكية القادمة ستشمل جوهر قطاعات الاقتصاد الإيراني وتحديداً قطاع تصدير النفط وهو عصب الاقتصاد الإيراني

وفي قراءة أوّلية، يمكن القول أن العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني ستؤدي مبدئياً إلى تراجع قيمة الاستثمار الأجنبي والوطني داخل إيران، فرؤوس الأموال لا تبحث عن استثمارات تخضع لعوامل سريعة التغيّر والتبدّل، كما يجري في حالات الحصار أو الحروب. بل تبحث الاستثمارات عن ظروف عملٍ آمنة، لا تكون عرضةً لخسائر فادحة، لذلك ستعمل العقوبات الاقتصادية الأمريكية بعد سريانها على إحداث صدمةٍ كبرى في سوق العمل، وفي قيمة العملة المحلية، التي بدأت تخسر قيمتها بسرعة كبيرة مع سريان تطبيق حزمة العقوبات الأولى، التي بدأ العمل بها في شهر أغسطس / آب الماضي.

هذه الأوضاع ستؤدي إلى اضطرابات في النسيج الاجتماعي والسياسي الإيراني، فالطبقة العمالية الإيرانية وهي الذراع التي تُنتجُ ستكون أكثر المتضررين من هذه العقوبات. وهذا سيجعلها تخرج إلى الشوارع عبر مظاهرات أو اعتصامات أو إضرابات، وهو ما سيُزيدُ من تدهور الوضع الاقتصادي العام. وسيكون للعقوبات الاقتصادية دوراً في زيادة حركة الصراع السياسي في إيران أولاً بين أجنحة النظام، وثانياً بين النظام ومعارضته السياسية والإثنية وغيرها من المعارضات. ففي الحالة الأولى ستتهم القوى المسماة "الاصلاحية" الجناحَ المتشددَ الذي يقوده المرشد العام علي خامنئي وذراعه الحرس الثوري بأنه الجناح الذي يقود البلاد إلى الهاوية نتيجة سياساته غير المحسوبة إقليمياً ودولياً.

هذه السياسات وفي مقدمتها التدخلات الإيرانية المباشرة في البلدان العربية كالعراق وسورية  واليمن ولبنان وغيرها من البلدان ستجد جداراً يُغلقُ الأفق أمامها. وستكون القيادة الإيرانية مضطرةً إلى أحد احتمالين، إما التراجع عن تدخلاتها العسكرية والسياسية والتي كلّفتها كثيراً من الأموال التي تلزمها للاستثمار الداخلي، وإما زيادة انخراطها في التدخل، وهذا يعني نزيفاً إضافياً لقدرتها المالية المتهاوية نتيجة العقوبات، مما يضع النظام برمّته على كفّ الاضطرابات العميقة واحتمال السقوط.

هذه الأوضاع ستؤدي إلى اضطرابات في النسيج الاجتماعي والسياسي الإيراني فالطبقة العمالية الإيرانية وهي الذراع التي تُنتجُ ستكون أكثر المتضررين من هذه العقوبات

إن ما بعد العقوبات الأمريكية على إيران سيكون غير ما قبلها، أي أن هذه العقوبات ستذهب إلى جوهر قوّة النظام الإيراني الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتعمل على تفكيكها، إضعافها، مما يجعل من السياسة الإيرانية التي بُنيت على مفهوم " تصدير الثورة " سياسةً تقترب من نهاياتها الطبيعية. وهذا سيؤثر على طبيعة الصراعات التي تشهدها بلدان مثل اليمن والعراق وسورية ولبنان، فالعقوبات الأمريكية ستُغلق شريان المساعدات الإيرانية المالية وغير المالية عن أنصار إيران من الميليشيات العسكرية والأنظمة السياسية المرتبطة بالنهج الإيراني.

ولعل أوضح تغيير على مستوى الصراعات التي تتدخل فيها إيران سيكون في ساحة الصراع السوري، إذ ستُضطر إيران نتيجة العقوبات الأمريكية القادمة من جهة ونتيجة إصرار إسرائيل والغرب من جهة أخرى على خروجها العسكري فعلياً من سورية . وسيتأثر مستوى تدخلها السياسي في العراق أو في اليمن نتيجة عدم قدرتها لاحقاً على تلبية احتياجات هذا التدخل مالياً.

هذا الأمر سيجعل عملية تعويم النظام الأسدي عمليةً فات وقتها وزمنها، سواءً بالنسبة للروس أو للنظام بذاته، والسبب هو أن خروج إيران من سورية سيُحدث خللاً استراتيجياً وجوهرياً كبيراً على مستوى توازن القوى في الصراع السوري آنذاك.

إن مجريات الأمور الاستراتيجية حيال وضع النظام الإيراني ستضع هذا النظام أمام بنيته السياسية والفكرية، التي بدأت تُحسُّ بخناق الحصار، فالحصار الاقتصادي لن يكون مجرد حربٍ كلامية، بل سيكون واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً جديداً يهدّد بصراعات مفتوحة وغير محسوبة النتائج. هذا الحصار إذا ما ترافق بدعم خارجي لحركات سياسية داخلية معادية للنظام فإنه سيضع بنية النظام ووجوده على كفّ عفريت، وسيفتح الباب أمام احتمالات تطورٍ سياسي واجتماعي جديدين في هذا البلد.

فهل ستستفيد القوى الإقليمية وقوى المعارضة الداخلية في إيران من عصف رياح الحصار الكبير، لتعيد ترتيب أولويات السلام والأمن الإقليميين في المنطقة؟ أم أن كلّ هذه القوى والأنظمة ما تزال رهن شروطها الخاصة البعيدة عن أحلام ومطالب شعوبها ؟، وبالتالي بعيدة عن ظروف وشروط نهضة مجتمعاتها الحقيقية.  

شارك برأيك

أشهر الوسوم