اختفاء "خاشقجي" بين التدبير الأمني والتنفيذ المادي!

كثيراً ما تحدُث عمليات الاغتيال السياسي والاختفاء القسري للمعارضين لسياسات بلادهم، وغالباً ما تكون هذه الحوادث على أراضي دولة أجنبية، يكون المجني عليه مقيمًا أو لاجئًا فيها أو في زيارة لها، ويمكن أن نقول إن أغلب هذه الحوادث لا يمكن كشفها على الأقل للجمهور نظراً لحساسية هذه الحوادث التي تعدّ جرائم يعاقب عليها القانون في كل بلدان العالم.

وللمهنية العالية التي يتمتع بها منفذو هذه الجريمة والتي من الصعب أن يتركوا أثراً يدل عليهم، لاسيما أن مثل هذه العمليات تقوم بها جهات رسمية تابعة لأحد أجهزة مخابرات الدولة التي ينتمي إليها الضحية، ولأن هذه الجرائم يتخذ القرار فيها من أعلى سلطة في الدولة، وبالتالي ستقع مسؤولية الاغتيال على من اتخذ القرار، لهذا يُكلف في عملية الاغتيال طاقم مدرب تدريباً جيداً يعرف كل الثغرات الأمنية في الدولة التي ستنفذ فيها العملية، وبخاصة المنطقة التي تحيط بمكان تنفيذها، وكل التدابير اللازمة لتلافي الوقوع في أي خطأ قد يؤدي إلى إفشال العملية أو اكتشاف منفذها.

ولعل اللغط الكبير الذي رافق اختفاء الإعلامي والمعارض السعودي جمال الخاشقجي في إسطنبول منذ أيام، بعد دخوله قنصلية بلاده لقضاء أمر قانوني، مثال صريح على الحالة التي تسود بين الأطراف المعنية بالقضية من شدّ وجذب وتبادل الاتهامات بعد كل عملية اغتيال أو اختفاء قسري من هذا النوع، لأن جميع الأطراف بما فيها المهتمين بمثل هذه الحوادث من وسائل إعلام وأجهزة مخابرات وجهات قانونية لا يعرفون الحقيقة الدامغة التي يعرفها من نفذها ومن أعطى الأمر في تنفيذها فقط، وإذا أردنا أن نلقي الضوء على مثل هذه العمليات، لابدّ من معرفة الهدف الأساسي من هذه العملية والمُخَطط المحتمل لتنفيذها وأدوات التنفيذ.

ومن المعروف أن الإعلامي جمال الخاشقجي من أبرز الإعلاميين السعوديين والعرب، استطاع أن يُغطي حرب الخليج الأولى وحرب أفغانستان التي برز فيها كمراسل صحفي،

من المعروف أن خاشقجي اتُهم بأنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين المصنفة كإرهابية في السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لكن سيرة جمال خاشقجي تؤكد أنه ليس منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين، كما أنه ليس كارهاً لولي العهد ولا للمملكة

وعمل أيضاً مستشاراً إعلامياً للأمير تركي الفيصل مدير المخابرات السابق أثناء فترة عمله سفيراً للمملكة في لندن، ثم في واشنطن، وبعد سلسلة من الانتقادات التي صرح بها على ما يحدث في السعودية، أهمها اعتقال سبعين من الدعاة والعلماء في تشرين الأول من نفس العام، إذ يقول جمال إنه تلقى اتصالاً من شخص مُقرب من القيادة، يخبره أن يصمت، وحين طالب جمال محدثه بأمرٍ قضائيٍ أهانه، ليكون ذلك سبباً في مغادرة جمال إلى منفاه الاختياري الولايات المتحدة - تجنباً للمشاكل - على حد تعبيره، ومن المعروف أن خاشقجي اتُهم بأنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين المصنفة كإرهابية في السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لكن سيرة جمال خاشقجي تؤكد أنه ليس منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين، كما أنه ليس كارهاً لولي العهد ولا للمملكة، بل كان دائماً ما يمدح ثم ينتقد، يعترض حيناً ويوافق حيناً، يناصر بعض ما يقوم به ولي العهد ويعارض بعض قراراته وتصرفاته، ولم يُعثر على تصريح واحد له يطالب فيه بإسقاط ولي العهد أو المملكة، ولم يشكك في شرعية العائلة الحاكمة ولا كيفية تداول الحكم فيها.

وعند مغادرته المملكة قال الخاشقجي: "إنه يخشى على نفسه بسبب موقفه المعارض للحرب التي تقودها السعودية في اليمن"، هذا كله يمكن أن يكون أحد أهم الأسباب التي أدّت الى اختفاء الرجل لكن كيف اختفى؟ ومن نفذ العملية؟ هذا يمكن أن نجمله من الناحية المهنية في خانة الاحتمالات، لأن الجزم في هذه الأمور لا أعتقد أنه سيؤدي إلى كل الحقيقة، التي يبحث عنها الجميع باستثناء من خطط ونفذ وأعطى أمر تنفيذ هذه العملية.

ولمعرفة ما حدث يجب أن نفند التصريحات والأحداث التي حدثت منذ الإعلان عن اختفاء الخاشقجي، أي بعد سبع ساعات من دخوله إلى مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول حسب تصريحات خطيبته، وهذا وقت كافٍ جداً للتخلص من جمال سواء حياً أو ميتاً، ولحل هذا اللغز لابدّ من العودة إلى الكاميرات العامة المزروعة حول القنصلية، لمعرفة زمن دخول المغدور إلى القنصلية، وزمن خروجه منها إن خرج كما ادعى المسؤولون السعوديون!

حسب مصادر أمنية تركية "أن خمسة عشر سعودياً بينهم مسؤولون وصلوا إلى مدينة إسطنبول بطائرتين ودخلوا القنصلية، بالتزامن مع وجود خاشقجي فيها ومن ثم عادوا إلى الدول التي أتوا منها".

وهذا الأمر أعتقد أن نتائجه لدى السلطات التركية طالما أن الكاميرات الخاصة بالقنصلية معطلة في ذلك اليوم حسب ما قاله خالد بن سلمان سفير السعودية في واشنطن، وهذا ما ردده مسؤولون سعوديون آخرون، بأن الكاميرات في القنصلية لم تكن تسجل في يوم زيارة خاشقجي! وفي هذه الحالة هناك احتمالان ، الأول : أن المغدور خرج من القنصلية وتم اختطافه فور خروجه، وهنا يجب أن نعرف من له مصلحة في خطف شخصية إعلامية بارزة على الأقل في تركيا، ويمكن أن يؤدي اختطافه إلى نتائج لا يحمد عقباها على الخاطفين وهذا الاحتمال ضعيف جداً، والاحتمال الثاني : أن جمال لم يخرج من القنصلية أبداً وهذا هو الاحتمال الأكثر واقعية لعدة أسباب:

  1.  لم يتم إعطاء الخاشقجي طلبه الذي دخل من أجله القنصلية في المرة الأولى، على الرغم من أن هذا الإجراء يمكن أن يتم خلال دقائق، حيث تم تحديد  موعدٍ له بعد عدة أيام لمراجعة القنصلية!
  2. تعطيل الكاميرات الخاصة بالقنصلية في اليوم نفسه الذي اختفى به الخاشقجي!
  3. حسب مصادر أمنية تركية "أن خمسة عشر سعودياً بينهم مسؤولون وصلوا إلى مدينة إسطنبول بطائرتين ودخلوا القنصلية، بالتزامن مع وجود خاشقجي فيها ومن ثم عادوا إلى الدول التي أتوا منها".
  4. إصرار السلطات التركية على الدخول إلى القنصلية لتفتيشها، وهذا يؤكد أن الأتراك متأكدون من أن المغدور دخل القنصلية ولم يخرج.
  5.  حسب صحيفة "غارديان" ومحققين أتراك أن ست سيارات تحمل صناديق غادرت القنصلية السعودية بعد ساعتين من دخول الخاشقجي إليها، ومن بينها شاحنة سوداء تحمل لوحة دبلوماسية غطيت نوافذها باللون الأسود اتجهت الى إحدى الطرق السريعة، بينما تفرقت السيارات الأخرى في اتجاهين مختلفين.

مما سبق نستنتج أن الأمر كان مبيتاً لتغييب الإعلامي جمال الخاشقجي بدليل أن موظفي السفارة لم يقوموا بتلبية طلبه وأعطوه موعدا بعد عدة أيام لتكون مهلة لترتيب أمر اختطافه وتأمينه من خلال استدعاء فريق مختص في هذه المهام لتنفيذ العملية، والذي قام بتعطيل الكاميرات الخاصة بالقنصلية، وبعد دخول المغدور إلى القنصلية تم قتله أو تخديره واقتياده حياً أو ميتاً إلى مكان آمن خارج القنصلية، ومن ثم غادر الطاقم المنفذ للعملية إلى البلدان التي أتوا منها، والتي استخدموها كمحطات عبور للوصول إلى إسطنبول حتى لا يلفتوا النظر بقدومهم من السعودية مباشرة، وهذا أحد أهم أساليب التمويه الأمني الذي تتبعه أجهزة المخابرات، أما إصرار السلطات التركية على دخول القنصلية أعتقد أن سببه محاولة إيجاد دليل ما على ما حصل داخل القنصلية يوم ارتكاب الجريمة ومن المؤكد أن جمال الخاشقجي مازال موجوداً على الأراضي التركية حياً أو ميتاً لسبب مهم جداً وهو استحالة إخراجه عبر المطارات التركية .

شارك برأيك

أشهر الوسوم