"اتفاقات المصالحة" تتعلق بكل شيء سوى المصالحة

مراكز الاعتقال في الغوطة الشرقية (إنترنت)
تشاتام هاوس - حايد حايد

إن من شأن نظرة أكثر تمعُّناً في عملية النظام أن تكشف عن هدفها الحقيقي، ألا وهو المعاقبة والسيطرة

منذ عام 2016، أخذ النظام السوري في انتهاج أساليب قسرية مختلفة تراوحت ما بين الحصار والهجمات العشوائية المكثفة للضغط على غالبية المناطق التي يسيطر عليها الثوار في جميع أنحاء البلاد، وذلك للتفاوض حول اتفاقات الاستسلام المحلية، التي يصفها النظام على نحو مُبطَّن "باتفاقات المصالحة".

ولكن على الرغم من العدد الهائل لتلك الاتفاقات، إلا أنه لا يزال هناك نقصٌ في المعلومات المتداولة حول كيفية تنفيذ مثل هذه الصفقات على المستوى الفردي. فتفاصيل هذه العملية ليست مهمة فقط لفهم نطاقِها بشكل أكبر، وطبيعة الأفراد المستهدفين منها، ونوع المعلومات التي تم جمعها ولماذا؛ بل إنها تساعد أيضاً في توضيح كيف ستُفضي هذه العملية في النهاية إلى تقويض الاستقرار على المدى الطويل في سوريا.

حالما يتم التوصل إلى اتفاق استسلام، عادةً ما تُسجٍّل لجنة التفاوض المؤلفة من ممثلي النظام والوسطاء المحليين، أسماء المقاتلين المسلحين والناشطين الذين يرغبون في البقاء في مناطقهم. أما أولئك الذين يواصلون مقاومتهم لحكم الأسد، سواء من المقاتلين أو المدنيين، فيتم تهجيرهم قسراً إلى آخر ما تبقى من جيوب المقاومة التي يسيطر عليها الثوار في شمال غرب سوريا. وبالتزامن مع ذلك، يبدأ الوسطاء المحليون الموالون للنظام، وإدارات الاستخبارات المعنية، بفتح مكاتب خاصة في مناطقهم لمعالجة طلبات الاستسلام الفردية لأولئك الذين بقوا.

وثمّة تقارير متناقضة حول مواصفات الأشخاص الذين يجب عليهم الخضوع لعملية الاستسلام. فقد ذكرت بعض المصادر أن جميع الأفراد، ذكوراً وإناثاً، ممن تتراوح أعمارهم بين سن 18 و 55 عاماً يجب أن يقوموا بتعبئة النماذج المطلوبة، بينما ذكرت مصادر أخرى أن الطلبات تقتصر على أولئك الذين انتسبوا إلى جماعات مناهضة للنظام أو ارتبطوا بالداعمين الدوليين لتلك الجماعات، مثل جماعات المجتمع المدني أو الجماعات المسلحة أو وسائل الإعلام أو المعارضة السياسية. ومع ذلك، قد يرجع هذا الارتباك إلى التباين في تنفيذ مثل هذه العملية تبعاً لمستوى مقاومة نظام الأسد في المنطقة المستهدفة والكيان السياسي الذي يسيطر عليها بعد ذلك (سواءً النظام، أو إيران أو روسيا).

ويُطلب من الأفراد المطلوبين للخضوع لعملية الاستسلام مراجعة المكاتب المعنيّة لملء وتوقيع عدد من الوثائق وهو ما يستغرق عادة ما بين 10 و45 دقيقة. تتضمن الوثيقة الأولى أسئلة حول البيانات الشخصية لمقدم الطلب، ومعلومات الاتصال، والتاريخ الوظيفي، والتوجه السياسي، والسجل الجنائي، والسفر إلى الخارج، بالإضافة إلى الأقارب الناشطين ضد النظام.

وتتضمن الوثيقة الثانية 12 سؤالاً تفصيلياً حول دور الفرد في أي أنشطة مناهضة للنظام، بما في ذلك المظاهرات والمعارضة المسلحة والأنشطة الإرهابية. كما يُطلب من هؤلاء الأشخاص تقديم معلومات حول مجموعات المعارضة في مناطقهم، بما في ذلك أسماء القادة ومواقعهم وأنشطتهم وموقع الأسلحة ومخازن المتفجرات والمستودعات.

يستفسر القسم الأخير من الوثيقة عن الأنفاق السرية، والأشخاص الذين اختطفتهم جماعات الثوار (الأسماء والمواقع)، والأعضاء الأجانب أو الحكومات التي تدعم المجموعات المعارضة (الأسماء، والارتباط، والأدوار، والمواقع). بالإضافة إلى ذلك، يجب على مقدمي الطلبات التوقيع على بيان يتعهدون فيه بعدم القيام بأي عمل ضد الدولة وقواتها المسلحة والأمنية والقوات التابعة لها من خلال المظاهرات، ووسائل الإعلام الاجتماعية، والمنشورات المناهضة للنظام والمنصات الإعلامية، أو التمرد المسلح.

بعد ذلك يتم إرسال نماذج الاستسلام التي تم جمعها إلى فرع الأمن المسؤول عن المنطقة للتحقق من البيانات في الملفات الموجودة لديهم بخصوص الأفراد المعنيين. ولتحقيق هذه الغاية، يبدو أن النظام يستخدم مستويات متعددة من التحقق لتقييم مصداقية المعلومات المقدمة. فبالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم سجل في الفرع، يتم إنشاء ملفات جديدة لهم، خاصة إذا كانوا تابعين لأي من الكيانات المعارضة.

وعادة ما يتم تنفيذ المستوى الثاني من التحقق من قِبل الفرع المعني من خلال شبكات من المخبرين المحليين مقرها في مناطق الثوار السابقة. ومهمة هؤلاء المخبرين هي جمع وتبادل المعلومات الاستخبارية حول الأفراد الذين شاركوا في الأنشطة المناهضة للنظام. وقد تم تعيين بعض هؤلاء المخبرين إما قبل النزاع أو في أثنائه، في حين أن آخرين هم من القادمين الجدد الذين انضموا إلى العمل كمخبرين خلال أو بعد الاتفاقات.

ويمكن إجراء مستوىً ثالث من خلال التحقق من المعلومات عبرَ الفروع الأخرى، ولكن هذا نادراً ما يحدث في الواقع بسبب الخصومة والتنافس بين مختلف الأجهزة الأمنية.

وبمجرد انتهاء عملية التحقق، يتم تزويد الأفراد بوثيقة لإثبات نجاحهم في إتمام العملية، وهي عادة ما تكون مطلوبة للمرور عبر حواجز تفتيش النظام. غير أنَّ عدّة مصادر ذكرت أنه لا يتم قبول جميع طلبات الاستسلاموبحسب تقرير لموقع المدن الإخباري، رُفِضت طلبات حوالي 200 شخص في مدن ببيلا و يلدا وبيت سحم جنوب دمشق.

وكان السبب الرسمي الذي أُشيرَ إليه في رفض طلباتهم هو تقديم معلومات خاطئة. لكنّ أية تفاصيل إضافية لم تُعطَ لهم حول ما هي بالتحديد المعلومات الخاطئة في الإفادات التي قدموها (أي هل هي معلومات تتعلق بما ذكروه حول أنفسهم أم ما يتعلق بأشخاص آخرين). كما لم يوضَّح لهم كيف توصلت السلطات المعنية إلى قرارها وآليات التحقق المستخدمة لهذا الغرض.

وبدلاً من ذلك، تم إبلاغ الأفراد المرفوضين بأن عليهم إعادة التقدّم بطلباتهم مرة أخرى في فرع الأمن المسؤول عن منطقتهم، وهو ما يعني على الأرجح أنه سيتم توقيفهم في نهاية المطاف. وقد أبلغت مصادر محلية الكاتب أن حالات مماثلة وقعت في مناطق أخرى في ريف دمشق و محافظة درعا، لكن حجم هذه الظاهرة لا يزال غير واضح.

ويشير نطاق عملية الاستسلام ونوعية الأسئلة المطروحة بوضوح إلى التركيز الأمني لهذه الممارسات، التي يمكن أن تؤدي إلى عمليات انتقامية أو مقاضاة في المستقبل. وخلافاً لما يظهره المسمّى الرسمي لاتفاقات المصالحة، فإن هذه العملية ليست جزءاً من مهمة تقصي الحقائق لتحديد المسؤوليات الفردية من أجل محاسبة الناس ومساعدة المجتمعات المحلية على المصالحة والتعايش.

وعلى العكس من ذلك، أعرب السكان المحليون عن مخاوفهم من أن تستخدم أجهزة الأمن اعترافاتهم لمعاقبتهم، عاجلاً أو آجلاً. وقد تفاقمت هذه المخاوف بعد شنّ النظام لحملة في جنوب دمشق لاقتحام وتفتيش منازل السكان المحليين، ولا سيّما أولئك المتورطين في أنشطة مناهضة للنظام، حتى بعد تقديم طلبات الاستسلام.

وبالمثل، يخشى معارضو النظام من التعرض للتمييز لسنوات قادمة، بسبب وجود سجل مضاد للنظام، مما يعوق قدرتهم على الحصول على تصريح أمني مطلوب لجميع جوانب الشؤون اليومية مثل التوظيف والحصول على وثائق رسمية أو فتح الشركات.

وعلاوة على ذلك، فإن الطبيعة غير المنظمة والعشوائية نسبياً لعملية التحرّي المستخدمة من قبل النظام، التي تتم من خلال المخبرين المحليين – والتي يعتمد فيها النظام في كثير من الأحيان على كل من لديه استعداد للتعاون، دون إيلاء اهتمام كبير بالنوايا الكامنة وراء هذا الاستعداد -تجعل هذه العملية عُرضةً إلى إساءة الاستخدام بصورة كبيرة. إذ يمكن ببساطة استخدام هذه الآلية انطلاقاً من الضغينة والرغبة في الانتقام - وقد عُرِف هذا النوع من الإبلاغ عن الجيران في فترة ما قبل نشوب الصراع.

إن استخدام الناس للتجسس على بعضهم البعض يمكن أن يؤدي إلى هجمات انتقامية، بالنظر إلى المستوى المرتفع للمظالم الشخصية بين السكان المحليين، كما أنه يَثني اللاجئين والنازحين داخلياً عن العودة إلى ديارهم. ونتيجة لذلك، فقد مورست الضغوط على العديد من المقاتلين المعارضين السابقين الذين بقوا في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام للانضمام إلى القوات الموالية له كوسيلة لحماية أنفسهم.

نجحت عملية الاستسلام حتى الآن في تأمين المناطق التي احتلها النظام. إلَّا أنه من المرجّح أن تقوّض هذه المكاسب استقرار سوريا على المدى الطويل طالما أن هذه العملية لا تتخذ أي إجراءات ملموسة لتحقيق هدفها الرسمي المعلن، وهو المصالحة.

 

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا 

شارك برأيك

أشهر الوسوم