إيران وإسرائيل عداوة أم صداقة؟!

أثار القصف الخلبي الذي رمى به حزبُ الله إسرائيلَ الكثير من التندر والسخرية وبخاصة أنه جاء بعد قصف لغوي حاد أتى على لسان حسن نصر الله، والقادة الإيرانيين عموماً أنذر بإبادة إسرائيل، وبمحوها من فوق الأرض.. ومن القصف الخلبي استثناء المدرَّعة الإسرائيلية المحملة بجنود من يهود الفلاشا الأحباش، بحسب قناة الميادين.. لكنَّ المحلل السياسي الإسرائيلي "إيدي كوهين" في حديثه لتلفزيون الـ b.b.c توقع احتواء الموقف، وحفظ ماء وجه حسن نصر الله بضربة خلبية يُتَفق عليها بوساطة دولة ما بين حزب الله وإسرائيل.. فلا إسرائيل تريد الحرب ولا حزب الله كذلك..!

إنَ ذلك كلَّه يدفع للتساؤل عمَّا وراء هذه الحرب المزعومة بين حزب الله - ذراع إيران في المنطقة - وإسرائيل؟! بينما لا يشاهد على أرض الواقع غير التوسع الإيراني عبر ميليشيات متعددة الأسماء في عدد غير قليل من البلاد العربية يصاحب ذلك عمليات تشيُّع واسعة، وزرع للفكر السلفي البعيد عن روح العصر والحضارة؟!

إنَّ الحملات الإعلامية الإيرانية المهددة لإسرائيل قديمة جديدة، تمتد إلى عقود مضت إذ تعود إلى مجيء "الخميني"، وما عرف آنذاك بـ: "الثورة الإسلامية الإيرانية" التي تبنت القضية الفلسطينية. لكنَّ مجريات الواقع سارت باتجاه آخر تماماً، أي باتجاه التمدد الإيراني في الأراضي العربية المجاورة وبتصريحات علنية لقادة إيرانيين بإحلال هوِّية سياسية جديدة تمهِّد لاستعادة مجد الإمبراطورية الفارسية، ولتمنح القادة الإيرانيين الجدد فضاء أوسع لتحقيق طموحاتهم التي يتبناها "الخميني" بفكر متخلِّف ومتطرف يحمل إرثاً من أحقاد قديمة، واحتقاناً بنزعات ثأرية من تاريخ مضى..! وإذا كانت تلك الحملات قد ظهرت في بداياتها على أنها إدانات لما تقوم به إسرائيل تجاه العرب والفلسطينيين، فإنها منذ عشر سنوات أخذت تنمو وتشتد لدى ورثة الخميني، لتصبح "قميص عثمان" ذاته.. فكم من مرة بشَّر الرئيس السابق "أحمدي نجاد" بزوال دولة إسرائيل من الوجود كلياً فهي: "دولة لا جذور راسخة لها في المنطقة"، وغير ذلك من المزاعم، لكنَّ أحمدي نجاد زال، ولم تزل إسرائيل..! ومثله أو صداه، فَعَلَ "حسن نصر الله" الذي أعلن بأنه سيرجم إسرائيل بعشرات آلاف الصواريخ التي لم تشهدها في تاريخها.. وصرَّح منذ فترة قريبة بأنه سيحرقها بالنار، لكن صرخات الاثنين ذهبت أدراج الرياح. بينما ذهبت إسرائيل في السنوات الأخيرة إلى القيام بضربات مكثفة، وصلت إلى نحو أكثر من مئة ضربة لمواقع تابعة لحزب الله أو لإيران بالذات سواء في سوريا أم في العمق اللبناني أم في أماكن على الحدود اللبنانية/السورية، ولم تجابه بأيّ رد غير الكلام الموجه، أصلاً، إلى الداخل الإيراني أو إلى الشعب اللبناني الذي بات يشكو من عنجهية حزب الله، وتطاولاته لا على اللبنانيين فحسب، بل على أعضائه أيضاً.. إذ ما تزال حادثة موت علي حاطوم منذ عدة أيام تثير تساؤلات كثيرة فهو المسؤول السابق عن القطاع الثاني لـ "حزب الله" قبل أن يعزل عام 2017 وكان قرار عزله قد تسبب باحتجاجات شعبية

لن تكون هناك أي حرب بين إيران بميليشياتها كافة وبين إسرائيل لا لأنَّ إيران لا تملك ما يكفي من قوَّة لإزعاج إسرائيل، وجعلها تحسب حساباً لها

في صفوف المؤيدين للحزب في منطقته برج البراجنة.. ويعتقد، (بحسب الصحفية ديانا مقلد)، أن حاطوم كان مقرباً من القيادي السابق مصطفى بدر الدين، الرجل الثاني في حزب الله وأحد المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، قبل أن يُغتال في ظروف غامضة في أيار/ مايو 2016 وما أكثر الذين اغتيلوا من أعضاء الحزب أو الذين جرى الاعتداء عليهم من أبناء الطائفة الذين يعارضون سياسة الحزب الخاضعة لإيران بالمطلق..

لن تكون هناك أي حرب بين إيران بميليشياتها كافة وبين إسرائيل لا لأنَّ إيران لا تملك ما يكفي من قوَّة لإزعاج إسرائيل، وجعلها تحسب حساباً لها، وليس لأنَّ إيران متورطة بحروب في بلدان عربية أرهقت شعبها واقتصادها الذي تهالك.. وليس لأنَّ أميركا وروسيا لن تسمحا بذلك، فإسرائيل بالنسبة لهما أكثر من خط أحمر.. بل لأنَّ إسرائيل، في العمق، ليست في وارد تفكير الولي الفقيه، ولا على أجندته، بل ليست هدفاً من أهدافه على الإطلاق. ويمكن قراءة ذلك في الواقع القائم بين الدولتين.. فالعلاقات الاقتصادية بينهما على خير ما يرام.. والكل يعرف بأن التوظيفات الإسرائيلية في إيران تبلغ نحو 30 ثلاثين مليار دولار ناهيكم بمئتي شركة إسرائيلية تعمل في مجال النفط.. و"يعيش في إسرائيل حوالي مئتي ألف يهودي من أصل إيراني.. وكثير ممن تقلّدوا مناصب رفيعة في إسرائيل يتحدرون من أصول إيرانية، منهم بنيامين فؤاد أليعازر زعيم حزب العمل السابق ووزير البنية التحتية، وشاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي الذي يعارض توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وموشيه كاتساف الرئيس الإسرائيلي الأسبق."

وتعد الجالية اليهودية في إيران من أكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط إذ تبلغ نحو 45000 يهودي يتمتعون بحقوقهم كافة كما يبلغ عدد الكنس اليهودية مئتي كنيس، في الوقت الذي لا يسمح للمسلمين السنة ببناء مسجد واحد.. كل ذلك يشير إلى أن العداء الإيراني المعلن لإسرائيل هو على أرض الواقع، مجرد تضليل! وما هو في الحقيقة إلا ستار يخفي طموحات الفقهاء الإيرانيين الذين ما زالوا يعيشون في الماضي البعيد، راغبين في استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية التي دالَت، وفي الانتقام من العرب لسقوط المدائن على أيديهم عام 16 للهجرة 637 للميلاد.. إن شعار العداء لإسرائيل وتبني القضية الفلسطينية ما هما إلا جواز السفر الذي أدخل إيران

لا أحد يعتقد أنَّ أطماع إيران في البلاد العربية أقلّ خطراً مما تشكله إسرائيل على المنطقة، إذ لا يمكن لإيران أن تفكر في محاربة إسرائيل وإذا ما فكرت في هذا الأمر فلن يكون قبل أن تؤول إليها السيادة على البلاد العربية المجاورة

إلى عدد من البلاد العربية.. ومن هنا يمكن رؤية غاية كل من إسرائيل وإيران في المنطقة وهو التوسع والهيمنة، فكلاهما ينظر إلى العرب نظرة دونية.. إنها النظرة القائمة على التعصب والعنصرية والاستعلاء، وذلك ظاهر لا في التعديات الدائمة على العرب من الطرفين فحسب، بل إنَّ ذلك مكرس في ثقافتهم وآدابهم.. لاشك أنَّ ما يشجع الطرفين اليوم هو حال العرب المتدني فرقة وضعفاً واستبداد حكام.. فكم من تصريح لمسؤول إيراني يزعم بأن بغداد عاصمة بلاده.. وأن أكاسرة الفرس وصلوا دمشق مرتين ويصلها الإيرانيون اليوم للمرة الثالثة.. أما الشعارات الأخيرة فباتت تطول الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.. فلا أحد يعتقد أنَّ أطماع إيران في البلاد العربية أقلّ خطراً مما تشكله إسرائيل على المنطقة، إذ لا يمكن لإيران أن تفكر في محاربة إسرائيل وإذا ما فكرت في هذا الأمر فلن يكون قبل أن تؤول إليها السيادة على البلاد العربية المجاورة على الأقل.. وهذا الأمر يدركه الأميركان والإسرائيليون معاً. يؤكد ذلك لين الأميركان في معالجة الملف النووي، فالهدف تحجيم إيران وإبقاؤها وسيلة ضغط وابتزاز لملوك النفط العربي، وغشاوة في أعين حكام بغداد ودمشق، المستسلمين لإيران توافقاً مع استبدادهم، وخدمة لمصالحهم الضيقة وذاتيتهم المفرطة غير آبهين لما حلَّ بأوطانهم من آلام وأحزان..!

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم