إيران تنتج ظروف حربها ضد السعودية

هجوم على ناقلة نفط في خليج عمان (AP)

تعمل إيران على مواجهة الحرب الاقتصادية الشرسة ضدها بتنفيذ هجمات ضد ناقلات النفط العاملة في الخليج. آخر هذه الهجمات كان استهداف ناقلتي نفط في خليج عمان بعد استهداف صاروخي لمطار أبها السعودي.

يتزامن التصعيد الإيراني مع تصعيد أميركي ضدها مدعوم بانتقال حاملات طائرات وقطع بحرية عسكرية إلى مياه الخليج المحاذية لإيران.

يتزامن التصعيد الإيراني مع تصعيد أميركي ضدها مدعوم بانتقال حاملات طائرات وقطع بحرية عسكرية إلى مياه الخليج المحاذية لإيران

تخالف هذه السياقات المناخات التفاوضية ولا تتخذ شكل تصعيد يهدف إلى انتزاع أوراق لاستخدامها في هذا السياق، لأن ارتفاع حدة التصعيد إلى حدود استهداف المطارات وإغراق حاملات النفط العملاقة، يعلن أن الهدف ليس تحسين شروط التفاوض بل استجرار الحرب وبأسرع ما يمكن.

تقول كل المؤشرات والمعلومات إنّ إيران لا يمكنها تحمل كلفة الحرب وإن أي حرب ستخوضها الآن ستكون بمثابة الإعلان عن نهايتها، ولكن هذه التحليلات تذهب إلى اعتبار أن الحرب التي ستخوضها ستكون مع أميركا نفسها، بينما تسعى إيران إلى تحويل حربها إلى حرب ثنائية بينها وبين السعودية على غرار الحرب العراقية الإيرانية.

تهدد إيران المصالح الأميركية في المنطقة، ولكنها لا تقوم بأي فعل جدي في هذا الصدد ،مع العلم أن مواقع انتشار الجنود الأميركيين في المنطقة والمصالح الأميركية في متناولها، وتعمل في الوقت نفسه على استهداف السعودية بكل الوسائل المتاحة العسكرية والسياسية والأمنية بغية دفعها إلى تركيب ردة فعل غاضبة تعلن اندلاع حرب سعودية إيرانية.

تمتلك السعودية مخزونا ضخما من الصواريخ البعيدة المدى، وقد بدأت صفقات شراء هذا النوع من السلاح منذ فترة، ويمكنها الرد على الاستهدافات الإيرانية لمطاراتها ومصالحها بقوة، ولكنها ما زالت حتى هذه اللحظة تمتنع عن الرد بشكل لا يمكن تفسيره إلا بأنها لا تريد أن تنجر إلى ساحة الحرب بشروط إيرانية، كما يعني ذلك أنها لا تثق تماما بحليفها الأميركي الذي يدير كل شيء بعقلية البزنس التي قد تجد في حرب إيرانية سعودية فرصة لتحقيق أرباح هائلة تتفوق في حجمها على كل الصفقات التي أنجزت معه حتى هذه اللحظة.

تعلم إيران أنها في حال نجحت في إنتاج حرب بشروطها الخاصة، ستكون قادرة على إدارتها وتوظيفها في الخروج من دائرة الحصار والتآكل الاقتصادي التي وضعتها فيها العقوبات الأميركية، وذلك لأنها ستعيد وصل علاقتها مع المحور المنافس للأميركيين في العالم والذي يضم الصين وروسيا.

يمكن لإيران كذلك الاستفادة بقوة من كونها ممثلة لطائفة في حين أن الخلافات تنخر الطائفة السنية، والسعودية لم تنجح في أن تكون ممثلة لها على غرار تمثيل إيران للشيعة، وحتى أنه لا يوجد حتى الساعة وجهة نظر خليجية موحدة للتعامل معها فالخلافات بين السعودية والإمارات في إدارة ملف الصراع مع إيران باتت جلية وواضحة، كما أن إمكانية تركيب حلف عربي عام ضد إيران أو ناتو عربي وإسلامي تبدو متعثرة وتشوبها العديد من المشاكل والخلافات.

توظف إيران ارتفاع وتيرة الحرب التجارية مع الصين، وفقدان روسيا للأوراق التفاوضية الجدية التي يمكن أن تساوم بها مع الأميركيين في الملفات التي تهمها في سوريا والقرم، وفي مصادر الطاقة، والاستثمارات في الغاز والنفط التي تسعى أميركا لإحكام السيطرة عليها في كل العالم، وهو ما يمكنها من أن تدخل حربها المشتهاة مع السعودية بوصفها جزءا من محور عالمي متماسك المصالح.

تسعى إيران إلى تحويل حربها إلى حرب ثنائية بينها وبين السعودية على غرار الحرب العراقية الإيرانية

لا ينطبق الأمر نفسه على السعودية فعلى الرغم من تشابك المصالح بينها وبين الأميركيين، فإنه لا يمكن النظر إلى هذه العلاقة بوصفها تعبيرا عن محور تتسم العلاقة بين أركانه بوحدة الأهداف والمصالح والنظرة الإستراتيجية إلى الأمور.

تعتبر أميركا أن إمساكها بمفاتيح الاقتصاد في العالم يغنيها عن شن حرب عسكرية. من هنا فإن العقوبات التي تفرضها على إيران هي الحرب الفعلية من وجهة النظر الأميركية، في حين أثبتت التجارب التاريخية أن إيران لا تنهار من العقوبات الاقتصادية مهما بلغت سطوتها، وأن لا حل ممكنا معها إلا من خلال الفعل العسكري المباشر، ولعل أبرز دليل على ذلك أنها نجحت في تنفيذ عمليات نوعية وخطيرة في ظل ارتفاع وتيرة العقوبات الاقتصادية ضدها بشكل غير مسبوق.

تنظر السعودية إلى الحرب الاقتصادية التي تشنها أميركا على إيران بوصفها مقدمة للحرب العسكرية، وتترك إيران تتمادى في تهديد ممرات تجارة النفط العالمية وفي تنفيذ العمليات العسكرية من دون رد، بغية دفع الإدارة الأميركية إلى شن حرب عسكرية على إيران تحت عنوان أميركي مرتبط بتهديد المصالح الأميركية بشكل مباشر.

تسعى السعودية إلى تحويل الحرب الإيرانية ضدها إلى سياق عالمي، تتوحد فيه مع أميركا وأوروبا، بينما تحاول إيران أن تستجر حربا خاصة بينها وبين السعودية، تتحول فيها أميركا من حليف للسعودية إلى أكبر تاجر سلاح في العالم.

لا يمكن حاليا التكهن بما يمكن أن تستجره حفلة الجنون المتصاعدة في المنطقة، ولكن الدخان المتصاعد من ناقلات النفط المحترقة ليس أبيض بل شديد السواد، وينذر بأن طبول الحرب يمكن أن تقرع في أي لحظة، وعندها لن يكون مهما إذا كانت قد قامت وفق منطق إيراني أو سعودي، فالحرب هي الحرب ولا يمكن تأويلها إلا بوصفها الكارثة ولا شيء آخر.   

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم