إيران المنتصرة في الحرب التي لن تقع وإن وقعت

تتعامل إدارة ترامب مع إيران بطريقة مزدوجة وتكاد تكون متناقضة فمن ناحية ترفع وتيرة التصعيد الحربي وترسل حاملات طائرات إلى مياه الخليج، وتطلق سلسلة إجراءات أمنية ولوجستية تطال قواتها المنتشرة في المنطقة، ولكنها تعلن في الوقت نفسه أنها لا تريد الحرب بل تريد اتفاقا جديدا أو تركيب مسار تفاوضي. ويكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه ينتظر اتصالا ما من القيادة الإيرانية للشروع في التفاوض حول ما يسميه تغيير السلوك.

لم تقم أميركا حتى هذه اللحظة بأي عمل عسكري فعلي بينما جاء الرد الإيراني على التهديدات الأميركية عبر مسارين أحدهما تصعيد البيانات وإطلاق التصريحات المنددة والإعلان عن رفض التفاوض تحت الضغط، وثانيهما وهو الأهم الشروع في إطلاق مسار تصعيد عسكري عبر الحوثيين ضد منشآت شركة آرامكو السعودية بعد أن كانت قد نفذت عملية ضد ناقلات نفط سعودية قرب إمارة الفجيرة.

اعتمدت إيران منطق المبادرة العسكرية في مواجهة الحشد الأميركي الذي لا يزال حتى هذه اللحظة مجرد حشد استعراضي بلا أي فاعلية ميدانية، ولعل تنفيذ مثل هذه العمليات في ظل وجود القطع الأميركية في المنطقة يطلق رسائل في أكثر من اتجاه تفيد بعدم نية أميركا بخوض حرب مع إيران، وأن الأمر لا يعدو كونه وسيلة ضغط تضاف إلى العقوبات الاقتصادية وتهدف إلى إجبار إيران على التفاوض تحت النار.

يعتقد الأميركيون والدول الخليجية المعادية لإيران أنها لا بد أن ترضخ قريبا للضغوط الكبيرة المفروضة على اقتصادها، وتلك الناتجة عن حرمانها من تصدير نفطها وتعمد إلى التفاوض من موقع ضعف ناتج عن عدم امتلاكها لأي أدوات ضغط. تثبت إيران من جهتها في كل لحظة أنها لا تمتك مجرد أدوات ضغط ولكنها تمتلك القدرة على تخريب الأمن في المنطقة وفي العالم بأسره، وأن حلفاءها ليسوا مجرد أذرع لها كما تسميهم المقالات والدراسات، بل إن طبيعة العلاقة بينها وبين حماس والحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي وغيرهم هي علاقة وحدة مصير.

تثبت إيران من جهتها في كل لحظة أنها لا تمتك مجرد أدوات ضغط ولكنها تمتلك القدرة على تخريب الأمن في المنطقة وفي العالم بأسره، وأن حلفاءها ليسوا مجرد أذرع لها كما تسميهم المقالات والدراسات، بل إن طبيعة العلاقة بينها وبين حماس والحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي وغيرهم هي علاقة وحدة مصير.

لا يمكن قول الأمر نفسه عن العلاقة التي تجمع بين أميركا وحلفائها في دول الخليج فهذه العلاقة لم يسبق أن خرجت عن حدود التفاهمات العامة ولم ترق إلى حالة وحدة المصير التي تسم علاقة إيران بحلفائها. لطالما اشتهرت أميركا بطعن حلفائها أو تركهم وسط المآزق في حين أن إيران ما زالت حتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من كل الحصار والضيق الاقتصادي، تواصل دعم حلفائها عسكريا وماديا بكل ما تستطيع.

أميركا تأخذ من حلفائها المليارات بينما تهب إيران حلفاءها الموقع والنفوذ والسيطرة والمكانة. تتحدث أميركا عن مشروعية دفع ثمن الحماية، وتعتبر أن عروش الخليج مدينة ببقائها لهذه الحماية، في حين تعتبر إيران أنها تتشارك مع حلفائها مشروعا واحدا. وتاليا فإنه من البديهي اعتبار أن استمرار حاجة دول الخليج إلى الحماية، بما يعني ذلك ضرورة استمرا قدرة إيران على تهديدها، ليس في نهاية المطاف سوى جزء من بنية المشروع الأميركي.

لم تتضح حتى الآن ملامح الصفقة المنتظرة مع إيران ولكن إذا نظرنا إلى العناوين المتداولة لملامح تلك الصفقة نجد أنها تتصل بمشروعها النووي وقدرتها الصاروخية بشكل خاص، وهذا يعني أنه حتى في حال بادرت إيران إلى سلوك مسار تفاوضي حول هذين العنوانين فان قدرتها على التملص والتحايل تبقى كبيرة، فقد بلورت مشروعها النووي وقدرتها الصاروخية وبنت شبكات الميليشيات العابرة للحدود التابعة لها في ظل العقوبات والحصار.

يعني ذلك ببساطة أن إيران هي مجتمع حرب ونظام حرب، وتاليا فإن كل صراع معها لا ينطوي على نية تفكيك قدرتها العسكرية وتدميرها بشكل جدي، لن يكون سوى عملية إنعاش لها.

أميركا ليست مجتمع حرب وفكرة إرسال جنود للمشاركة في أعمال حربية خارج أميركا تلاقي مناهضة جل فئات الشعب الأميركي، وتكاد تشكل نقطة التقاء بين الديمقراطيين والجمهوريين. دول الخليج كذلك ليست بلاد حرب، ولعل الدليل الأبرز على ذلك هو حجم التصدعات الكبيرة التي اصابت الاقتصاد السعودي والمجتمع السعودي جراء الحرب على الحوثيين، في حين أن إيران المحاصرة والتي تقود وتدير سلسلة من الحروب في المنطقة ما زالت قادرة على أخذ زمام المبادرة وتنفيذ عمليات عسكرية أمنية في الخليج وخارج الخليج.

أميركا ليست مجتمع حرب وفكرة إرسال جنود للمشاركة في أعمال حربية خارج أميركا تلاقي مناهضة جل فئات الشعب الأميركي، وتكاد تشكل نقطة التقاء بين الديمقراطيين والجمهوريين

يدفع ذلك إلى التأكيد أن إيران ستكون منتصرة، لأن كل ما يمكن أن يحدث سيتخد صيغة استكمال سياق سبق وإن نجحت في تحويله إلى أمر واقع، فمنذ اندلاع الحرب السورية تحولت المنطقة بأسرها إلى مستودع ترييف كبير تحتضر في داخله المدن وثقافتها، فمن بيروت إلى دمشق وبغداء وصنعاء تعيش فكرة المدينة احتضارا شاقا ومأساويا مخلية المجال أمام زمن بداوة شامل يمكن رصد معالمه في المشهدية العامة الحبلى بالفظاظة، التي تشمل كل شيء من أمن واقتصاد وثقافة في ظل منظومة محكمة من انعدام السياسة.

ولعل الأمر الذي يشهد على عمق انتصار إيران يكمن في أن الأنظمة المعادية لها لا تحاول في سياق حربها معها إلا أن تستعيد تجربتها، وأن تتخذ من بنية نظامها مرجعا يتم اعتماده في تركيب وسائل الحكم واستمرارها، وتاليا فإننا نعيش في ظل منظومات تبدو متصارعة ولكنها لا تنتج في نهاية المطاف سوى نسخ مختلفة من الولي الفقيه.

من هنا يمكن القول إن إيران تمتلك ما هو أشد قوة من السلاح النووي والصواريخ ويتمثل في نجاحها في أن تكون نموذجا عاما. تاليا فإنها ستبقى قائمة حتى إن وقعت الحرب عليها، لا بل ربما تكون مرشحة للتمدد والتوسع كحالة عامة يتم تكرارها واستعادتها.

الحرب على إيران ليست حربا لإسقاط منظومة ما واحلال منظومة مناقضة لا بل ربما تكون الأمور على العكس من ذلك، إذ ربما تسقط إيران لنجد أنفسنا أمام حشد من الإيرانات الأكثر تغولا وسطوة، وتكفي مراقبة يومية لما يجري داخل المجتمعات العربية يوميا من تنكيل بكل مظاهر الحياة والحريات لنكتشف أن إيران ليست سوى روح الأنظمة وضمان مستقبلها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم