إعادة تدوير العبث فلسطينيًا

حسم معسكر اليمين "الانتخابات الإسرائيلية" لصالحه بحصده ما مجموعه 65 مقعدًا من أصل 120 في الكينسيت مقابل 55 ليسار الوسط والأحزاب العربية، وبحسب النتائج النهائية -غير الرسمية- حصل حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 36 مقعد، بينما فازت قوى يمينية أخرى إلى جانب الأحزاب الحريدية -ذات الخلفية الدينية- ب 29 مقعدًا ما سيمنح على الأرجح رئيس الوزراء الحالي ولاية جديدة على رأس حكومة متطرفة قد تنهي "الآمال" الضئيلة أساسًا بقيام دولة فلسطينية بحدود الرابع من حزيران 1967.

النتائج المتوقعة "للانتخابات الإسرائيلية" ربما تمهد الطريق أمام البدء بتنفيذ خطوات فعلية للإعلان بشكل كامل عن وفاة اتفاق أوسلو

مسألة تجاهل "إسرائيل" للاتفاقات مع الفلسطينيين ليست جديدة وكذلك رغبتها الواضحة والصريحة بضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال

وكافة التفاهمات السابقة مع الفلسطينيين، فرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو كان أعلن قبل الانتخابات بشكل صريح أن "إسرائيل" لن تنسحب من الضفة الغربية ولن تخلي أي مستوطنة هناك، بل أكثر من ذلك حين سُئل عن رأي الإدارة الأميركية في هذا الطرح أجاب انتظروا حتى الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، على حد تعبيره.

طبعًا مسألة تجاهل "إسرائيل" للاتفاقات مع الفلسطينيين ليست جديدة وكذلك رغبتها الواضحة والصريحة بضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال، أو على الأقل جعل المستوطنات فيها جزء من تلك الدولة مقابل منح الفلسطينيين نموذج هزيل لحكم ذاتي على ما تبقى من جغرافيا في "تطوير" لمشروع روابط القرى الذي طُرح في سبعينات القرن الماضي ودفع غزة بزعامة حماس إلى الجحيم تحت مسمى كيان خاص بالفلسطينيين، وإنهاء القضايا الجوهرية كاللاجئين والقدس.

اضمحلال الأمل بقيام دولة فلسطينية لا يتعلق بصعود اليمين في "إسرائيل" الآن وبدأ بشكل فعلي -وفق العديد من وجهات النظر- بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية في العام 2000 وما ترتب عليه من اجتياح إسرائيلي لكامل مناطق السلطة الفلسطينية وتدمير بينتها التحتية، مروراً بانسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة من طرف واحد عام 2005 وفق خطة فك الارتباط التي طرحها أرئيل شارون رئيس "الحكومة الإسرائيلية" آنذاك وصولًا للانقسام الفلسطيني عام 2007، وهي معطيات يمكن اعتبارها نواة تدمير فكرة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67.

بالتالي فإن سيناريو غزة كدولة للفلسطينيين ورمي أعبائها الأمنية والاقتصادية وحتى السياسية على المصريين إلى جانب كانتونات سكانية مقطعة الأوصال في الضفة الغربية تتبع إداريًا للملكة الأردنية أبصر النور عمليًا في العام 2005، ولذلك تبدو كل الأسئلة المتعلقة بأسباب تمسك حماس بالقطاع وتمترس السلطة خلف مشروع سياسي على مقاسها أكثر من منطقية، خاصةً في ظل الأوضاع المأزومة في الشرق الأوسط وتزايد معسكرات التطبيع والسلام بأي ثمن مع "إسرائيل" في أوساط الأنظمة العربية مقابل الحفاظ على عروشها وتقييد نفوذ خصومها الإقليميين.

ليس واضحًا حتى اللحظة إن كانت "القيادات الفلسطينية" في رام الله وغزة ستذهب إلى بناء رؤية وطنية لمواجهة السيناريوهات المخيفة المطروحة أميركيًا وإسرائيليًا، رغم أن المعطيات تشير بوضوح إلى طي ملف المصالحة فلسطينيًا إلى أجل غير مسمى لصالح إجراءات تعزز من سلطة كل طرف على ما يحكمه من جغرافيا وبناء علاقات إقليمية تخدم هذا المشروع وهو ما سيمنح الإسرائيليون المزيد من المبررات والفرص لفرض ما يريدون.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس صرح خلال اجتماعات القمة العربية الأخيرة في تونس أن الإسرائيليين سيعلنون قريبًا أن غزة هي أرض الدولة الفلسطينية وسيتخذون إجراءات أمر واقع لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية بدعم أميركي، مشيرًا إلى أن السلطة الفلسطينية لم يعد بإمكانها أن تتحمل مثل هذه الأوضاع وستذهب لتبني قرارات مصيرية، طالبًا من الدول العربية دعمه في ذلك دون أن يوضح ما هي القرارات وإلى أين يمكن أن تصل، بالإضافة لترديد الشعار الأكثر رواجًا على الساحة الفلسطينية مؤخرًا "لا دولة في غزة ولا دولة دونها".

تصريحات عباس ليست الأولى من نوعها وتكررت على مدى العقد الأخير وأعاد إنتاجها أكثر من مسؤول في فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وزادوا عليها

حركة حماس تراقب المشهد الإسرائيلي عن كثب وتنتظر تنفيذ نتنياهو للتفاهمات المنجزة أخيرًا بين الطرفين برعاية (مصرية/ قطرية)

بأن هناك توجهات داخل المنظمة لإعادة النظر بكل الاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي بما فيها الاعتراف المتبادل إلا أن شيئًا من ذلك لم يحصل، وحتى القرارات المتخذة من المجلس المركزي الفلسطيني كوقف التنسيق الأمني مع "تل أبيب" لم تُنفذ، فما هو الذي بجعبة عباس بإمكانه أن يعيد قليلًا من الاعتبار للسياسة الفلسطينية؟.

من جانبها حركة حماس تراقب المشهد الإسرائيلي عن كثب وتنتظر تنفيذ نتنياهو للتفاهمات المنجزة أخيرًا بين الطرفين برعاية (مصرية/ قطرية)، وعلى رأسها الإجراءات الخاصة بتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع بما يسهم باحتواء الغضب الشعبي المتصاعد ضد الحركة كمرحلة أولى قبل الذهاب باتجاه تفاهمات أوسع بهدف تكريس حكمها ولو تطّلب ذلك جولة تصعيد جديدة، دون الاكتراث لما يمكن أن تنطوي عليه مثل تلك السياسات من شرعنة للرؤية الإسرائيلية "لدولة غزة" وما تحمله من مخاطر على الأحلام الوطنية للشعب الفلسطيني.

بشكل أو بآخر باتت الخارطة السياسية فلسطينيًا أداة تنفيذية لمشروع صفقة القرن أو على الأقل جوانبها المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ولعل الأخطر يتمثل في أن أي مواجهات محتملة على نطاق واسع داخل الأراضي المحتلة وما يمكن أن يترتب عليها من أثمان باهظة لن تتعدى كونها صدى للمضاربات السياسية على إيقاع الصراع الفصائلي بين فتح وحماس وامتداداته الإقليمية، لا سيما في ظل الأوضاع المتفجرة في المنطقة واحتمالات اتساع رقعة الفوضى لتمرير مشاريع كبيرة تعيد تشكيل الإقليم وفق خرائط نفوذ جديدة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم