إسرائيل.. شدّ البراغي لتثبيت الوضع الراهن في غزة

رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو (رويترز)

أثار فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتن ياهو في تشكيل حكومته الخامسة، والذهاب بالتالي إلى انتخابات مبكرة أخرى في أيلول سبتمبر القادم، تساؤلات عن تداعيات ذلك على الوضع الراهن في غزة ومحيطها، والتفاهمات الهشة السارية بوساطة عربية وأممية هناك ، وعموماً ستتضح معالم المشهد حتى نهاية شهر حزيران الحالي، مع إمكانية للاستشراف من خلال قراءة حيثيات جولة التصعيد الأخيرة، كما المرحلة الزمنية التى سبقت ذهاب إسرائيل إلى انتخابات نيسان الماضي .

صحيفة يديعوت أحرونوت كانت نشرت الجمعة 10 أيار/مايو الماضي أن قيادة جيش الاحتلال أطلقت اسم شدّ البراغي على المناورات والاستعدادات التي قامت بها تحسباً للتصعيد الأخير في غزة أوائل الشهر نفسه الذي عمدت فيه إلى استئناف الاغتيالات لقيادات المقاومة، كما تعمد إيقاع الأذى والضرر الكبير بالأبراج السكنية والمدنيين، وليس المباني والمؤسسات الفارغة كما كان الحال في جولات التصعيد السابقة.

التوصيف مهم كما مضمون الخبر نفسه فمن الواضح أن جيش الاحتلال استعد للتصعيد كأنه واقع لا محالة، بل واعتقد أنه سعى إليه أيضاً والاسم لافت طبعاً لأنه يعني تثبيت دعائم الوضع الراهن وليس كسره أو تغييره بعدما اعتقدت و رأت تل أبيب أنه ارتخى أو بات هشّاً خلال جولات التصعيد السابقة تحديداً جولتي تشرين ثاني/ نوفمبر وآذار/ مارس الماضيين.

أنهى نتن ياهو تصعيد نوفمبر على وجه السرعة دون رفع الوتيرة أو مستوى الاشتباك للانشغال بعملية درع شمالي التي استهدفت أنفاق حزب الله الممتدة إلى فلسطين المحتلة

أنهى نتن ياهو تصعيد نوفمبر على وجه السرعة دون رفع الوتيرة أو مستوى الاشتباك للانشغال بعملية درع شمالي التي استهدفت أنفاق حزب الله الممتدة إلى فلسطين المحتلة، علماً أن الأمر أدى إلى استقالة وزير الحرب أفيغدور ليبرمان الذي طالب برفع الوتيرة، فعلاً لكن في الجنوب وليس في الشمال، وبدا نتن ياهو كمن تعمد المسّ مباشرة بخصمه في مربع اليمين المتطرف وإضعافه، مستغلاً طبعاً توصيات الجيش والأجهزة الأمنية القاطعة بعدم التصعيد جنوباً للانشغال شمالاً كما لعدم الجهوزية، ولمنع المقاومة من اختيار زمان المواجهة، وعموماً فقد حقق ليبرمان نتيجة جيدة ومفاجئة في الانتخابات الماضية وتجاوز نسبة الحسم دون صعوبة، وبدا وكأنه في طريقه للعودة إلى وزارة الحرب في حكومة نتن ياهو الخامسة، قبل أن يتعمد بعثرة الأوراق والذهاب إلى انتخابات أخرى تقويه أكثر، وتزيد من فرصه في التنافس على قيادة معسكر اليمين المتطرف بدلاً من نتن ياهو نفسه.

تل أبيب أنهت تصعيد آذار/مارس بنفس الطريقة تقريباً، ونفس الأسس القواعد السابقة قصف المؤسسات والمباني الفارغة لحماس والمقاومة لمنع الذهاب إلى الحرب أو حتى رفع وتيرة التصعيد على أعتاب انتخابات نيسان أبريل التي كسبها نتنياهو في الدقيقة التسعين، وكان أي تدهور كبير كفيل بالتأثير على موقفه في الانتخابات، علماً أن معظم المستعمرات المحيطة بقطاع غزة صوتت لصالح نتن ياهو وحزبه الليكود.

قياساً على المعطيات السابقة وبناء لمجريات الأمور على أرض الواقع فإن إسرائيل استعدت وحتى سعت متعمدة للتصعيد الأخير بتلكئها في تنفيذ تفاهمات التهدئة التي تم التوصل إليها عبر الوسيطين المصري والأممي بعد تصعيد نوفمبر المستندة أساساً إلى اتفاق وقف إطلاق النار – 2014 - وشملت التفاهمات ثلاث مراحل فتح المعابر توسيع مساحة الصيد وتحسين كمية الكهرباء والوقود، ثم تالياً تنفيذ مشاريع تشغيل مؤقت للعاطلين عن العمل، مع الاستمرار في إدخال المعونات أو المساعدات المالية القطرية. أما المرحلة الثالثة فتتضمن تنفيذ مشاريع بنى تحتية كبيرة والنظر في قضايا المطار والميناء بموازاة السعي لتنفيذ صفقة تبادل أسرى بين حماس وإسرائيل.

تعمد نتن ياهو التباطؤ في تنفيذ التفاهمات على أعتاب الانتخابات مستغلاً ومستفيداً من حقن مخدر الوسيط المصري - كما يقال في غزة - و سعي لتنفيذها بشكل  تدريجي وطفيف، لمنع الانهيار أو التصعيد وفي نفس الوقت، عدم تلقي انتقادات خصومه في الحملة الانتخايية، علماً أن الوضع في غزة وحتى القضية الفلسطينية نفسها لم تكن مطروحة على جدول الأعمال الانتخابي بشكل جدّي.

بعد تصعيد آذار القصير قال الوسيط المصري أنه ستتم العودة إلى تنفيذ التفاهمات بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما لم يتم على العكس تهربت وتلكأت إسرائيل في التنفيذ وضخّت تسريبات مكثفة ومتلاحقة عن استعداد حركة الجهاد الإسلامي لتنفيذ عمليات تفجير الوضع، ليس فقط لدقّ إسفين بينهم وبين حماس، بل بدا المشهد سورياليا ومعقدا وكأنه تشجيع أو استفزاز للحركة لتنفيذ خططها وعملياتها خاصة مع التأخير المتعمد في تنفيذ التفاهمات وتحسين الأوضاع على أعتاب شهر رمضان الكريم.

تل أبيب سعت إذن  للتصعيد عن سبق إصرار وترصد، والهدف لم يكن كسر الوضع الراهن، بل تثبيته وشدّ دعائمه لشهور

في متغيرات تصعيد-شد البراغي- يمكن الحديث عن تولي الجنرال أفيف كوخافي رئاسة أركان جيش الاحتلال منذ شهور قليلة، هو من قاد الجيش في عدوان السور الواقي ضد الضفة الغربية، حيث اجتاح  الأحياء والمخيمات متنقلاً من بيت إلى بيت بإحداث فجوات بينها، موقعاً تدميراً هائلاً ، لا شك أنه سعى لتقديم نفسه بدموية،لكن لا يمكن القول إنه أكثر إجراماً من سلفه جادى إيزنغوت صاحب خطة الضاحية التي تم تنفيذها ضد غزة في الحروب الثلاث السابقة، حتى قبل توليه رئاسة الأركان – 2015 – 2018 - حيث بدا إيزنغوت منسجماً تماماً مع سياسة الوضع الراهن لنتن ياهو رافضاً الذهاب إلى حرب لا تغير جذرياً من الواقع الحالي وموازين القوى  الفعلية على الأرض.

كوخافي ليس أسوأ من سلفه إذن لكن كما يقول المعلقون العسكريون - المتجندون للمؤسسة الأمنية - فإن سياسة استهداف المباني والمؤسسات الفارغة استنفذت نفسها ولم تعد مجدية فيما يتعلق بترميم قدرة الردع تجاه غزة والمقاومة.

الأمر لا يتعلق فقط بكوخافي إنما بالقرار السياسي لنتن ياهو الذي سعى لاستعادة قدرة الردع بعد جولتي نوفمبر ومارس وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالمقاومة لشد البراغي وتمتين دعائم الوضع الراهن لأبعد مدى زمني ممكن، ولذلك لجأ الاحتلال إلى استئناف الاغتيالات واستهداف المباني المأهولة وتوسيع مدى القصف والبطش وتدمير الأبراج السكنية، تحديداً تلك التي تضم مؤسسات ومكاتب تابعة لحركة حماس من أجل الحصول على الهدوء مع السعي لتنفيذ تفاهمات التهدئة نفسها بوتيرة أسرع نسبياً.

تل أبيب سعت إذن  للتصعيد عن سبق إصرار وترصد، والهدف لم يكن كسر الوضع الراهن، بل تثبيته وشدّ دعائمه لشهور، حتى أسابيع في الحد الأدنى إلى حين مرور احتفالات الذكرى السنوية لاحتلال فلسطين وتأسيس الكيان ومهرجان يوروفيجين الفنى وتشكيل الحكومة الجديدة بهدوء دون عراقيل.

المقاومة أظهرت من جهتها جهوزية لافتة، ونجحت في التشويش على منظومة القبة الحديدية، عبر إطلاق كم كبير من الصواريخ والقذائف خاصة على المستوطنات المحيطة بغزة، مع ذلك فالنجاحات جدّ تكتيكية وآنية مع الانتباه إلى أن الهدف والمطلب الرئيس لها تمثل بالعودة لتفاهمات تشرين ثاني الماضي، حيث سقط مئة شهيد وآلاف الجرحى الآخرين خلال هذه الفترة، وحتى لو تم تنفيذ التفاهمات بشكل دقيق أمين نزيه. فنحن أمام جدول زمني - كان يجب أن يبدأ أصلاً قبل ستة أشهر - يمتد لشهور وسنوات ولو سارت الأجندة كما ينبغي فإننا نتحدث في أحسن الأحوال عن عودة غزة إلى قيد الحياة، لكن بعيداً عن الضفة الغربية وأقرب إلى مصر السيسي وخاضعة للاحتلال إلى هذا الحد، أو ذاك مع الانتباه إلى أن فتح السجان للمعابر يمثل أحد المطالب الرئيسية للمقاومة، هو أمر يعبر تماماً عن المشهد الراهن – وآفاقه - في غزة ومحيطها.

عموماً ستتشابه الثلاثة أشهر المقبلة حتى الانتخابات القادمة، مع الفترة التي سبقت الانتخابات الماضية وسيكون حرص إسرائيلي على التهدئة مع مماطلة وتلكؤ في تنفيذ الوعود والاستحقاقات، وستسعى القيادة

الإسرائيلية دائماً إلى شدّ دعائم الوضع الراهن وترميم ما تصفه بقدرة الردع-هو مصطلح عنصرى دموى على أى حال- مع الحفاظ على هدفها الاستراتيجي المتمثل بضمان وإدامة الانقسام بين الضفة الغربية وغزة، وإشغال السلطتين بأزماتها ، بينما تبدوا المقاومة حاضرة ميدانياً وتكتيكياً لكن دون رؤية أو تصور استراتيجي مع السير - دون رغبة أو إرادة طبعاً- في المسار المرسوم إسرائيلياً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم