إدلب وتجلّيات اليُتْم السوري

لم يكن نظام الأسد، ولا الأوصياء الروس والإيرانيون، في أي وقت كان، بحاجة إلى ذريعة أو سبب ما، للقيام بأي عدوان على الشعب السوري عامةً، وعلى المناطق التي تخضع لاتفاقيات وقف إطلاق النار على وجه الخصوص، ذلك أن استهداف جميع المناطق التي ما تزال غير خاضعة لسيطرة النظام، تبقى هدفاً دائم المشروعية، وفقاً للأسد وحلفائه. ولكن على الرغم من ذلك يرى كثيرون أن كثافة الهجمات وشراستها على مدينة إدلب وريفها، وكذلك ريف حماة الشمالي، مخلِّفةً مجازر متتالية بحق المدنيين، إنما يحمل مؤشراً واضح الدلالة على استباق قوات النظام للقاء أستانا المنتظر في 25 – 26 من نيسان الجاري، بهدف إحراز تقدّم نوعي في عمق محافظة إدلب وشمالي مدينة حماة، ولذلك يذهب أصحاب هذا الاعتقاد إلى أن الزيارة التي قام بها الرئيس أردوغان إلى روسيا في الثامن من نيسان الجاري، إنما من المفترض أن يكون التصعيد على إدلب في طليعة أولوياتها. إلّا أن فحوى الزيارة أظهرتْ غياب أولوية إدلب، وحضور القضايا الاقتصادية والعسكرية بين البلدين، ما يعني أن الهواجس التركية الراهنة إنما تنبثق من الشواغل الداخلية لأنقرة، والتي يشكل الاقتصاد محورها الرئيسي، ثم تلي ذلك صفقة الصواريخ ( s400)، التي أوشكت أن تكون منعطفاً فاصلاً في العلاقات الأمريكية التركية. بل يمكن القول إن استهداف الروس لمدينة جسر الشغور بصاروخين بعيدي المدى، انطلقا من بارجة روسية في البحر المتوسط، بالإضافة إلى استهداف كفرزيتا وسراقب وسائر بلدات الريف الجنوبي لإدلب، تزامنا مع اليوم الذي التقى فيه الزعيمان بوتين وأردوغان، إنما يؤكد بوضوح أن ما يشغل الطرفين، موسكو وأنقرة، يتجاوز الأزمة المستعصية في إدلب.

مبعث القلق الأكبر لبوتين هو عدم قدرته على استثمار مُنجزه العسكري في سوريا حتى الآن، أي عدم القدرة على حصْد غلال الحرب التي شنها على السوريين منذ أواخر أيلول 2015، بسبب رفض الولايات المتحدة الأمريكية للحل السياسي الذي يهندسه الروس، وكذلك رفضهم – والموقف الأوروبي من خلفهم – للمساهمة بأي مسعى نحو إعادة اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

أولى هذه الأوراق التي تسعى روسيا إلى سحبها من المجال الأمريكي، وإدخالها في فضاء السياسة الروسية هي تركيا

ما لم يترافق مع حل سياسي ينبثق من المرجعيات الأممية. وأيّاً كانت دوافع واشنطن الحقيقية إزاء امتناعها عن مجاراة الروس، فإنها – دون أدنى ريب – تدفع موسكو باتجاه البحث عن أوراق أخرى، خارج الإطار الميداني العسكري، بغية إيجاد خرق في الاستراتيجية الأمريكية الكابحة للتمدد الروسي، ولعلّ أولى هذه الأوراق التي تسعى روسيا إلى سحبها من المجال الأمريكي، وإدخالها في فضاء السياسة الروسية هي تركيا، التي تمتلك أهم عاملين مؤثرين في الشأن السوري، أولهما الجغرافية، وثانيهما تأثيرها على ما تبقى من الفصائل المقاتلة على الأرض السورية، وكذلك نفوذها على الكيانات السياسية الرسمية للمعارضة السورية، الأمر الذي يعزز القناعة لدى بوتين بأن حيازة الأوراق التي تمتلكها تركيا لهو أمر في غاية الضرورة، لمواجهة المعوقات الأمريكية، ولعلّ هذا ما يجعل موسكو تمضي بتطوير علاقاتها مع تركيا على أكثر من صعيد، مُتجاوزةً الخلاف المزمن حول إدلب.

كما يمكن التأكيد – في هذا السياق – على أن مسعى بوتين نحو مزيد من الحميمية تجاه إسرائيل، وتعزيز دورها في الصراع على مصير سوريا، ما هو إلّا إحدى السبل نحو اختراق الموقف الأمريكي، وبالتالي كسب ورقة أخرى إلى فضائه السياسي.

وبالمقابل، فإن تركيا التي لم يعد يخفى امتعاضها من واشنطن، بسبب الوعود الأمريكية الخاذلة، والمواقف المتباينة لإدارة ترامب، إذْ إن اتفاق الرابع من حزيران 2018 بخصوص مدينة منبج، والذي كانت

لن تسمح واشنطن لتركيا باستهداف حزب الاتحاد الديمقراطي pyd مهما كانت الدوافع والمبررات

تعوّل عليه أنقرة بانسحاب قوات الحماية الكردية إلى شرق الفرات، قد تم الالتفاف عليه، ومن ثم التنصل الأمريكي منه، من خلال ربْط مسألة منبج بوجود قسد بشرقي الفرات، موازاةً مع استمرار الدعم العسكري الأمريكي لقوات قسد، بل يمكن الذهاب إلى أن المواقف الأمريكية حيال مخاوف تركيا خرجت من حيّز التخمين إلى حيّز الجهر وبكل وضوح:

1 – لن تسمح واشنطن لتركيا باستهداف حزب الاتحاد الديمقراطي pyd مهما كانت الدوافع والمبررات.

2 – السعي الأمريكي الحثيث لإشراك قوات سوريا الديمقراطية في العملية السياسية في سوريا، والحرص الأمريكي لتمكين حليفه الكردي من إقامة كيان ذاتي يكفله الدستور القادم لسوريا.

3 – اقتران الوجود الأمريكي على الأرض السورية بمحاربة النفوذ الإيراني، إنما يعني تحوّل الحليف الكردي – كقوة تنفيذية على الأرض - من مسألة راهنة، إلى حالة بعيدة المدى.

وبهذا تكون إدارة ترامب قد تنكّرت لأشدّ المسائل حساسية بالنسبة إلى تركيا.

لا شك أن الأطراف الثلاثة – روسيا – أمريكا – تركيا – كل منهما يملك أن يكون مُعطّلاً لأي مشروع لا يلبي مصالحه، ولكنه لا يستطيع بمفرده أن يُنجز ما يريد، ومع استمرار صراع المصالح الاستراتيجية للدول الثلاث، تتراجع قضية إدلب – كغيرها من المآسي السورية- عن سلّم الاهتمامات لدى الأطراف المتنازعة. فلا المراوحة التركية بين أزماتها الاقتصادية من جهة، والتهديدات الأمريكية من جهة أخرى، قادرة على أن تُحصّن إدلب من الإدمان الروسي – الإيراني على الإجرام، ولا أحد يتوقع أن (اللامبالاة) الأمريكية سوف يوقظها استمرار نزيف الدم السوري كما توقظها مصالحها المباشرة، ويبقى غياب دور وتأثير السوريين – سياسياً وعسكرياً – عن الدوائر التي تقرر مصيرهم هو الجذر الحقيقي للمأساة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم