أيضاً.. صناعة الألبسة السورية تموت

معمل لـ تصنيع الملابس الجاهزة في سوريا (أرشيف - إنترنت)
ماجد حلاق - دمشق/ تلفزيون سوريا

أكثر من عشرة مصانع ألبسة تغلق يوميا في سوريا، حسب ما أعلنه سامر محمد الدبس رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها خلال اجتماع للفعاليات الاقتصادية مع رئيس حكومة النظام عماد خميس، كاشفا عجز الألبسة المحلية عن المنافسة بسبب تكاليف إنتاجها المرتفعة وانخفاض جودتها في ظل انتشار الألبسة ذات المنشأ الصيني والتركي المهربة، بالإضافة إلى إغراق السوق بالبالة.

واعتبر الدبس أن التراخيص الإدارية التي "تحتاج إلى معجزة  لتحقيقها" على رأس العراقيل الصناعية مضيفا إليها  مشاكل اقتصادية ومن أهمها ارتفاع سعر المازوت الصناعي إلى 295 ليرة سورية.

وتمتاز الألبسة السورية الحالية بارتفاع أسعارها وانخفاض جودتها خلافا لتاريخها العريق، وتقدر احتياجات العائلة المكونة من خمسة أشخاص بـ17 ألف ليرة شهريا كحد أدنى من أجل اللباس باعتباره من ضمن الحاجيات الأساسية الخمس الضرورية للإنسان مع الغذاء والصحة والتعليم والسكن.

ارتفاع الأسعار يدفع المواطن السوري بقدرته الشرائية المنخفضة إلى الابتعاد عن المنتج الجديد عموما

ارتفاع الأسعار يدفع المواطن السوري بقدرته الشرائية المنخفضة إلى الابتعاد عن المنتج الجديد عموما، وفي حال اضطراره فإنه يبحث عن البدائل الأجنبية المهربة ذات الجودة الأعلى والسعر الأقل ، ويعود ارتفاع أسعار اللباس السوري باعتراف  كل من البائع والمنتج إلى أسباب متنوعة من أهمها القيم  الضريبية المضافة على الصناعة بكل مراحلها.

وفيما ربط سامر الزيات عضو غرفة صناعة دمشق وريفها تحسن الاستثمار الصناعي بالعملية التصديرية، كشف أن ارتفاع تكاليف الشحن ازدادت إلى مئة ضعف عن السابق فبعد أن كان الكيلو يكلف 15 ليرة بات يكلف الآن 1500 ليرة سورية، ويحاول العديد من الصناعيين مع انحسار رقعة المعارك، العودة إلى ممارسة المهنة، لكنهم يصطدمون بالواقع المرير الذي يفرضه النظام على صناعتهم، والقيود التي تحد من إمكانيتهم وتجعل عملهم خاسرا، فما قيمة المنتَج الذي لا يجد مستهلكا محليا قادرا على شرائه ولا يجد سوقا خارجيا للتصدير؟.

بانهيار هذه الصناعة فإن عشرات الألوف من العاملين في هذا القطاع مهددون بالبطالة بشكل كامل، باعتبار أن الورش الصغيرة والمتوسطة هي النمط الصناعي السائد في هذا المجال، وكانت مصانع الألبسة في دمشق قد تلقت ضربة قاصمة بسبب نقل منشآتها من القابون إلى عدرا الصناعية بسبب الكلفة المترتبة على عملية انتقالها، ومن جهة ثانية لعدم صلاحية مياه عدرا الكبريتية للنسيج، كما بين سامر الزيات، ويذكر أنه من أصل 750 صناعيا في القابون لم يتقدم سوى اثنين لنقل منشآتهم إلى عدرا، مما دفع برئيس وزراء النظام من جديد للحديث عن تأهيل المنطقة الصناعية في القابون بعد اجتماع ضمه مع الصناعيين.

يحتدم منذ العام الماضي التجاذب بين صناعيي حلب الرافضين لاعتبار القماش مادة أولية ويطالبون بحظر استيراده

ويحتدم منذ العام الماضي التجاذب بين صناعيي حلب الرافضين لاعتبار القماش مادة أولية ويطالبون بحظر استيراده حماية لمنتجاتهم، معتبرين أن الخيط هو المادة الأولية، وبين صناعيي دمشق الذين يرون ضرورة استيراد القماش من الخارج لانعدام معايير الجودة في القماش الوطني الحالي، وفي ظل هذا الاحتدام يهيمن على قرارات وزارة الصناعة التخبط والارتجال الذي يمنع إقلاع هذا القطاع.

 

المستهلك
تبتعد معظم شرائح الشعب السوري، المعروف بميله تاريخيا إلى الأناقة، عن المحال التجارية التي تبيع الألبسة الجديدة لارتفاع أسعارها بما يفوق قدرتهم الشرائية، يقول سليم الموظف في البريد: "منذ سنوات لم أشتر قطعة ملابس واحدة من محلات الألبسة الجاهزة، دخلي أنا وزوجتي لا يحتمل تلك المغامرة بوجود أربعة أولاد وعجز عن تأمين الطعام المناسب، فقط نشتري الألبسة الداخلية الشعبية والجوارب الرخيصة، والباقي من البالة بالتأكيد، وأولادنا باتوا لا يعرفون بهجة اللباس الجديد."، ويقتصر زبائن المحلات التجارية على شريحة ضيقة جدا، فالبنطال الشعبي يعادل ربع الراتب، والجاكيت العادي يعادل نصف الراتب، أما المحلات الفاخرة  فلها زبائنها الخاصون وأرقامها الفلكية.

 

البالة هي الحل
انتشرت أسواق البالة ومحلاتها في سوريا كالفطر في السنوات الماضية، وأينما ذهبت تصادفك العشرات منها، وساعد على انتشارها اعتبارها مصدر اللباس الرئيسي للسوريين بسبب أسعارها، وصار من المألوف تزاحم النسوة حول البسطات التي تحتل الأرصفة،  ورغم ارتفاع أسعارها قياسا إلى السابق لكنها ما زالت مقبولة سعريا بالنسبة لمعظم الشعب السوري حيث تجد الشرائح الفقيرة ما تحتاجه من لباس ضمن قدراتها الشرائية، ولا تدخل البالة إلى سوريا بالطرق الرسمية باعتبارها ممنوعة من الاستيراد، وحاول النظام التضييق على تجارة البالة إرضاء لتجار الألبسة والأسواق الرئيسية الذين يشتكون الركود، غير أن إجراءاتهم بقيت محدودة نسبيا لانعدام البدائل الواقعية.

وبين البالة والألبسة الجديدة يدفع المواطن مزيدا من الأثمان لسياسات النظام الاقتصادية التي تنتهج عقلية أمراء الحرب، وتخنق الصناعة والإنتاج، بوصفها استمرارا للحرب على الشعب السوري، ولكن بوسائل اقتصادية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم