أنظمة قمعية واحدة.. ذات رسالة خالدة

من فضائل الربيع العربي المستمر منذ ثماني سنوات معرفتنا بوجود ساحات وشوارع بأسماء الحرية والتحرير والثورة.. في كل العواصم العربية تقريبا تلك الساحات التي تحمل هذه المعاني الكبار تقع للأسف في دول لا تعرف هذه القيم، تعرف أنظمة قمعية قهرية متشابهة، تلك الساحات مرّ عليها المحتجون تباعا بتواتر ارتفع فغيّر واستكان قهرا وقمعا وإن انخفض في السنوات الماضية لكن ما لبث أن عاد مجددا بتوهج آخر في الأيام الماضية التي تفجر فيها الغضب في السودان والجزائر على التوالي.

الاحتجاجات المشروعة والحتمية في هذين البلدين على أنظمة الحكم البالية الفاسدة فيهما لا تزال متّقدة تنتظر تحقيق مطالبها بالتغيير، مقدمة في هذه السبيل شهداء ومصابين ومعتقلين، تتشابه البدايات دائما كون مبررات الخروج على الحكم والحاكم موجودة في كلا البلدين، والغريب أن ردود فعل الأنظمة تتشابه حد التطابق فلا عاقل بينهم يريد أن يصدق دورة التاريخ الحتمية التي يراها

هذا الرحيل للنظام ورجاله هو مطلب المحتجين الجزائريين الذين ملؤوا الساحات رفضا لولاية حكم خامسة للبقية الباقية من عبد العزيز بوتفليقة

أمامه واقعا، وعليه ووفقها أن يرحل بأقل الخسائر أو أن يبقى مع مزيد من الخسائر، أما في السودان فما زال البشير يعمل بطريقة جراح التجميل الذي يريد أن يجمّل وجه نظامه، وهذا لن يحصل بل سيزيد الأمور تعقيدا ففرض الطوارئ أو تبديل وزير أو حتى حكومة لن يغير شيئا في وجه نظام قبيح ولن يجمله.. المطلوب رحيل لا عودة عنه.

هذا الرحيل للنظام ورجاله هو مطلب المحتجين الجزائريين الذين ملؤوا الساحات رفضاً لولاية حكم خامسة للبقية الباقية من عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يعد يملك مؤهلات الحكم الأساسية وهنا نتحدث عن السمع والنطق والحركة و..و.. وهذه سابقة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، بعيدا عن أهلية بوتفليقة وأحقية الجزائر بنظام حكم عدل، وحكام عدول خرج في الأيام الماضية تسريب لحديث دار بين مدير حملة بوتفليقة "المقال لاحقا" عبد المالك سلال ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات حول التصدي للاحتجاجات باللجوء إلى الرصاص من قبل قوات الدرك واستخدام الأسلحة لثني المتظاهرين..

ذات الفكر الأسدي وذات الفكر القمعي الذي دمر سوريا وخلف مئات الآلاف من الشهداء وملايين المهجرين وحول البلاد إلى حطام، ذات القناعات التي تتلخص بأن أي احتجاج أو تظاهر لا سبيل لمقابلته إلا بالسلاح والقتل أو الاعتقال والتغيب بالحد الأدنى، هؤلاء الحكام لا يعرفون طريقا آخر لأن أي طريق آخر يعني اقتلاعهم.

الأسوأ بل الأشنع ما قاله علانية رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى في جلسة للبرلمان بأن أي مظاهرات مهما كانت بدايتها ستنتهي بكارثة كالتي حصلت في سوريا، لا يقولها الرجل بصيغة التخويف والتحذير فقط كما دأب على فعله كل الحكام العرب، بل قالها بمنطق العارف مستهزئا من وضيعة المظاهرة التي حملت الورود ليقول بأن "مظاهرات سوريا بدأت بالورود وهاكم نهايتها"، يرمي أويحيى الإدانة على المتظاهرين ويسلبهم حقهم بالتظاهر حتى وإن بالورود وكذلك يتهم السوريين الذين خرجوا طلبا للتغيير والحرية والكرامة بالورود بأنهم هم من دمر سوريا والأنظمة براء، نسأله هنا ماذا لو استجاب نظام الأسد لحملة الورود ماذا لو سمع مطالبهم واستجاب لها ماذا لو قابلهم بغير الرصاص والصواريخ والبراميل والسلاح الكيماوي؟

من حق الجزائريين أن يختاروا رئيسا حقيقيا لبلدهم العظيم، ومن حقهم أن يحافظوا على بلدهم بل من واجبهم

يخرج في مجلس الشعب الجزائري أحد أركان نظام الاستبداد ليقول لممثلي الشعب احذروا المظاهرات وكأنه ينذرهم بأن السيناريو موجود ومعدّ للجزائريين مفاده أن أي تحرك سيلقى المصير السوري

أن يحافظوا عليها، ومن حقهم علينا دعمهم في مطلبهم المشروع وتحذيرهم أيضا بأن السوريين عندما خرجوا قبل ثماني سنوات دون حقهم قال لهم النظام وأركانه وأعوانه "احذروا مآل العشرية السوداء الجزائرية" هذا النظام وأعوانه هم ذاتهم من كان يعد السيناريو الأسود للشعب السوري وطبقوه لاحقا لكن بشكل أشد حلكة وقسوة، والآن بمنتهى الصفاقة يخرج في مجلس الشعب الجزائري أحد أركان نظام الاستبداد ليقول لممثلي الشعب احذروا المظاهرات وكأنه ينذرهم بأن السيناريو موجود ومعدّ للجزائريين مفاده أن أي تحرك سيلقى المصير السوري، وهو ما يفسر التسريب الصوتي لعبد المالك سلال الركن الآخر الذي يوصي بمواجهة المتظاهرين بالرصاص، لأنهم ببساطة لا يرون حقا للشعوب بأن تعبر عن غضبها أو رفضها وما إن تعبر عن ذلك حتى تتهم بأنها تدمر البلاد.

هي أنظمة قمعية واحدة.. ذات رسالة خالدة لا تسمع سوى ما تقول، ولا حق سوى ما تراه حقا، وإنما الحق هو الخروج عليها مهما كانت الفاتورة غالية فاستمرارها في الحكم ستكون فاتورته عشرات السنين الأخرى من القتل والقهر والقمع والاعتقال والتخويف والتجويع والهبوط أكثر وأكثر على سلم تطور الأمم.

شارك برأيك

أشهر الوسوم