أنا سوداني من الجزائر و"هذه هويتي"

مظاهرة في العاصمة الجزائرية تطالب بإسقاط نظام بوتفليقة (رويترز)

كمواطن كردي مجرّد من الجنسيّة والحقوق المدنيّة، ليس لجرمٍ ارتكبته سوى أن الله خلقني كرديّاً، ومن جهة أخرى، كمواطن سوري، فتح عينيه على نظام البعث - الأسد، وشعارات؛ "بالروح بالدم نفديك يا حافظ"، و"قائدنا إلى الأبد.. الأمين حافظ الأسد"، وعاش الظلم القومي والوطني والإنساني المركّب، وسط تلك الحال؛ أيّ حجرٍ يرميه طفل أو شاب أو فتاة باتجاه أيّ نظام استبدادي وقمعي، كنتُ وما زلتُ اعتبرهُ حجري الذي أرميه باتجاه نظام الأسد.

لذا، حين اندلعتِ الثورة التونسيّة، مقولة "هرمنا في انتظار تلك اللحظة التاريخيّة" كان لسان حالي وحال وكل مواطن سوري يريد أن يتنسّم القليل من هواء الحرية والكرامة في دولة البعث - الأسد - الشبّيحة.

فالاستبداد والفساد والإفقار الذي أتت به الأنظمة العسكريّة في مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر والسودان، كان أضعاف ما كان موجوداً على زمن الأنظمة التي سبقتها

ومع جرعة الفرح تلك، كانت تتملّكني الغيرة والحسد من التوانسة والمصريين، وهم يثورون على طاغوتين من سلاسة العسكر والأمن الذين حكما بلدين جميلين لأكثر من ثلاث عقود، وأن الثورة كان ينبغي أو يفترض أن تندلع في الشام قبل تونس ومصر، باعتبار أن نسب القمع والفساد والفقر والإذلال الموجودة في سوريا، أضعاف ما كان موجوداً في تونس ومصر.

ومع ذلك، اعتبرتُ نفسي وقتذاك؛ مصري من تونس، واعتبرتُ الثورة في هذين البلدين ثورةً على نظام البعث - الأسد في سوريا أيضاً.

العسكر الذين انقلبوا على الأنظمة الملكيّة، وأعلنوا عن أنفسهم أنهم لسان حال الشعب، والتعبير الأصدق عن مصالحه، وبناة الديمقراطيّة والاشتراكيّة والعدالة الاجتماعيّة، أثبتت السنوات أن كل تلك الشعارات كانت محض زيف وادعاء ورياء.

فالاستبداد والفساد والإفقار الذي أتت به الأنظمة العسكريّة في مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر والسودان، كان أضعاف ما كان موجوداً على زمن الأنظمة التي سبقتها.

النظام الجزائري، نظام الحزب الواحد؛ "جبهة التحرير" الواجهة السياسيّة للعسكر، كان وما زال يتوارى هذا النظام خلف نفس الشعارات إبان الحقبة الاستعماريّة الفرنسيّة، وما بعدها. هذا النظام، كان من الهشاشة أنه ما إن حاول الانفتاح على الديمقراطيّة مطلع التسعينات، أوشك الإسلاميون الإطاحة به، عبر صناديق الاقتراع. ونجح في سحق التمرّد والعصيان الإسلامي المسلّح حينذاك، كما نجح هذا النظام في تجنيب الجزائر تأثيرات وارتدادات موجة الثورات الشعبيّة الأخيرة.

ولكن، لم يدم ذلك طويلاً، نتيجة الترهّل والتكلّس والاهتراء الذي أصاب النظام الجزائري الذي كان يعتبر "جثّة" عبدالعزيز بوتفليقة، صمّام أمان له، وجرى التمديد لها في الحكم، عبر قبول ترشّحها لولاية خامسة، وإذ به بهذه "الجثّة" القنبلة التي انفجرت به. ذلك أن الشعب رفض أن تكون الجزائر ذلك الكرسي المتحرّك الذي يحمل الزعيم - الجثّة. وصحيحٌ أن الكثير من القوى والشخصيّات الجزائريّة التي شاركت في الحراك الثوري الذي خلع عبدالعزيز بوتفليقة كانت مع نظام بشار الأسد، ضدّ ثورة الشعب السوري، لكن الصحيح أيضاً، أن ثورة الشعب الجزائري، فضحت زيف ودجل ليس فقط حزب جبهة التحرير، وعسكر هذه الجبهة، والأحزاب الكرتونية الدائرة في فلك النظام، والعديد من الشخصيات اليساريّة التي دعمت نظام الأسد. وهذا السبب كافٍ، لأن أعتبرَ نفسي جزائريّاً من سوريا. ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ لا أعرف لماذا يبقي الحزب الحاكم وصف "التحرير" في اسمه؟! جبهة تجرير الجزائر ممن؟ ومن ماذا؟!

في السودان، النظام العسكري - الإسلامي - الإخواني، نجح في تجنيب نفسه والسودان التأثر بالانتفاضات والثورات المذكورة، وبل نجح النظام الإسلامي السوداني في فتح طريق إمداد لنظام الأسد، ولم يحرّك "إخوان السودان" ساكناً، وهم يرون كيف يدّمر نظام الأسد سوريا، ويبيد الشعب السوري، في حين أن "إخوان سوريا" كانوا يعتبرون أنفسهم "طليعة" الثورة السوريّة، وقادتها! وعليه، ليس غريباً ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي عن حزن وكآبة بعض قيادات الإخوان المسلمين السوريين على خلع عمر البشير من قبل ثورة الشعب السوداني!

ومن المؤسف القول: إن الإطاحة بنظام بوتفليقة أو البشير أو حسني مبارك أو صدام حسين أو القذافي...، لا يكون بإزاحة رأس، ووضع رأس جديد للنظام.

والحقّ أن حسن الترابي الذي كان يعتبر نفسه "خميني" السودان وأفريقيا، أو "حسن البنا" الثاني، هو نفسه كان أبرز ضحايا النظام الإسلامي الإخواني العسكري الانقلابي الذي حكم وما زال يحكم السودان. حاول الترابي تكرار تجربة حسن الهضيبي الذي تواصل مع جمال عبدالناصر ورفاقه بهدف جعل انقلابهم على الملك فاروق إسلاميّاً - إخوانيّاً، بحيث يصبح الانقلابيون العسكر تحت إمرة المرشد، ويكون نظام الحكم في مصر، نظام حكم المرشد، ففشلت الجماعة والهضيبي في مسعاهما، بينما نجح الترابي على امتداد عقدين أو يزيد في جعل السودان تحت إمرة وجزمات العسكر - الإخوان.

لكن عمر البشير الذي أتى به الإخوان للحكم ودعموه، فشل الترابي في قلب نظامه مجدداً، وإحلال بديل إخواني عنه. نظام عمر البشير الذي كان أحد أشكال حكم الإخوان المسلمين، حتى قبل أن يصل الإخوان للحكم في تركيا (2002)، أو تونس ومصر (2011-2013)، أثبتت السنوات فشل نظام حكم "المرشد" في تونس وتونس والسودان..، بنفس القدر الذي أثبتت فيه التجارب فشل نظام حكم العسكر. وغالب الظنّ أن الدور قادم على تركيا وإيران، طال الزمنُ أو قَصُر.

العري والسقوط المدوّي؛ الآيديولوجي والسياسي الذي تعيشه حركات وأنظمة اليسار والعسكر في العالم العربي، لا يوازيهما ويضاهيهما شيء، سواء العري والسقوط المدوّي الذي تتمرّغ فيه حركات الإسلام السياسي، وفي مقدّمتها؛ جماعة الإخوان المسلمين، واشتقاقاتها. ولا يعود أصل وفصل هذا العري والسقوط إلى الثورة التونسيّة، وما تبعها من ثورات في مصر، ليبيا، سوريا واليمن، ثم الجزائر والسودان وحسب، بل يعود إلى عقود من سنوات حكم العسكر في مصر، العراق، سوريا، السودان، الجزائر، ليبيا، تونس، اليمن. وأثبتت التجارب فشل المشاريع الآيديولوجيّة العقائديّة الإخوانيّة واليساريّة التي استندت إلى العسكر.

ومن المؤسف القول: إن الإطاحة بنظام بوتفليقة أو البشير أو حسني مبارك أو صدام حسين أو القذافي...، لا يكون بإزاحة رأس، ووضع رأس جديد للنظام. وبالتالي، قطف ثمار الثورة في تونس أو مصر أو ليبيا أو السودان...، لن يكون بشكل أوتوماتيكي، وربما يلزم ذلك عقوداً من السنوات. ولحين استقرار المنطقة، سيبقى الصراع قائماً ومحتدماً بين فلول اليسار العفن، وفلول الإسلام السياسي الجهادي التكفيري العفن، على مذبح السلطة في منطقتنا. ووسط هذا الصراع بين عفونتين؛ عسكريّة يساريّة - قوميّة وإسلاميّة جهاديّة إخوانيّة، ستسقط أقنعة عن المزيد من الأقنعة التي "أقنعتنا" ذات يوم بأنها دعاة حريّة وحداثة ومدنية وديمقراطيّة في الفكر والثقافة والفن والإبداع والسياسة.

ولأن الشعب في الجزائر والسودان أجبر النظامين الحاكمين على تغيير رأسيهما مكرهين مجبرين، فأنا سوداني من الجزائر، وسوري ما زال يطمح إلى الحريّة والكرامة في سوريا، وفي كل مكان.

 

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم