أميركا تدير معركة إيران السورية الأخيرة في إدلب

وضعت السياسة الأميركية، كما تجلت معالمها في رسالة الكونغرس إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الصين وروسيا على رأس قائمة الأخطار التي ينبغي مواجهتها في الوقت الذي تعلن فيه أنها تخوض معركة ضد إيران ونفوذها في المنطقة.

احتلت الحرب الأميركية التجارية مع الصين والصراعات المعلنة وغير المعلنة مع روسيا حول مناطق النفوذ والثروات النفطية في العالم العنوان الأبرز الذي يحكم آليات عمل السياسة الأميركية، بحيث لا تظهر إيران على شاشات هذه السياسة إلا من خلال سلسلة من التصريحات والتغريدات التي يطلقها الرئيس ترمب وإدارته، والتي لم تنتج حتى الساعة أي تصعيد جدي خارج إطار العقوبات الاقتصادية التي تجيد إيران تاريخيا التعامل معها.

تجافي هذه النظرة جملة من الوقائع التي تكشفها آليات عمل السياسة الأميركية في لحظتها الترامبية والقائمة على تلازم المسارات وتوحيدها خدمة لمشروع واحد كلي، ما يعني أنه لا يمكن على الإطلاق فصل الصراع مع الصين وروسيا عن تحجيم إيران والحد من نفوذها، والبحث الدائم عن سياقات تأثير ذات طابع شبكي لكل معركة تخوضها أميركا في الاقتصاد والسياسة والأمن.

هكذا يمكن النظر إلى منطق التعامل الأميركي مع المعركة التي تقوم بها روسيا ونظام الأسد المدعوم بإيران وميليشياتها في إدلب، بوصفه تمهيدا لضرب نفوذ روسيا وإيران وإجبارهما على الخضوع للمعادلة الأميركية للحل، والتي تفرض خروج إيران من سوريا التي تعتبرها استثمارها الرئيسي.

يعلم الجميع أن الوضع في إدلب كان خاضعا قبل التصعيد الذي يجري حاليا لجملة تفاهمات أميركية روسية تركية برعاية أميركية، وليس الانفجار الذي تشهده المنطقة منفصلا عن شروع أميركا بالنظر إلى سوريا كساحة لتحجيم إيران، وبعد أن استشعرت روسيا أنها بصدد أن تفقد السيطرة في الميدان السوري وتخسر ما تملكه من أوراق تفاوضية بهذا الصدد.

وكان لافتا أن الدور التركي في هذه المعركة بدا وكأنه يشتغل على مسارات متناقضة

لايمكن الخروج من كل كل هذا التشابك إلا بحصيلة واحدة تقول إن إيصال السلاح إلى المعارضة السورية في إدلب عبر تركيا، ليس إلا إنفاذا لمسار أميركي يهدف إلى جر الروس إلى مسار تفاوضي

في الوقت نفسه، فقد كانت تركيا قد أعلنت مؤخرا انضمامها إلى قائمة الدول المستجيبة للحظر الأميركي المفروض على استيراد النفط الإيراني، وقامت في الوقت نفسه بمد المعارضة السورية في إدلب بأسلحة ثقيلة، في الوقت الذي تعلن فيه عن شروعها في شراء منظومة صواريخ أس 400 من روسيا، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أميركا التي أعلنت أنها تميل إلى إيقاف برنامج تدريب الطيارين الأتراك على استخدام مقاتلات أف 35 الأميركية.

لايمكن الخروج من كل كل هذا التشابك إلا بحصيلة واحدة تقول إن إيصال السلاح إلى المعارضة السورية في إدلب عبر تركيا، ليس إلا إنفاذا لمسار أميركي يهدف إلى جر الروس إلى مسار تفاوضي.

 بدأت ملامح هذا السياق تتضح، ففي الوقت نفسه الذي تجري فيه المعارك الضارية، يعلن جيمس جيفري الممثل الأميركي الخاص لشؤون سوريا عن محادثات ثنائية جارية بين الأميركيين والروس حول حل الأزمة السورية وفق قرار الأمم المتحدة رقم 2254، الذي ينص على عقد محادثات سلام، ووضع دستور جديد للبلاد، وإجراء انتخابات، كما تم الإعلان عن وضع سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أي بريطانيا، وفرنسا، والصين وروسيا في أجواء هذه المحادثات.

تريد أميركا جر الجميع إلى التفاوض وهم منهكون، وبشكل خاص روسيا التي استثمرت ميدانيا وبشريا بشكل ضخم في الميدان السوري، والتي تنتظر على أحر من الجمر قبض فاتورة هذا الاستثمار، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى تحقيق إنجازات على الأرض تمكنها من انتزاع موقع تفاوضي يتم معه الإفراج عن مليارات إعادة الإعمار.

أميركا من جهتها تربط الموضوع بالنفوذ الإيراني وأمن اسرائيل، ولعل كل المسارات المتزامنة مع مسار التصعيد في إدلب تكشف عن شبكة مترابطة ومتكاملة. ليس من قبيل الصدفة أن يصار إلى فتح تفاوض على ترسيم الحدود البرية والبحرية اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية وفي ظل قبول واضح من حزب الله وأن تنعقد قمتان خليجية وإسلامية بجدول أعمال أمني واقتصادي تحت عنوان محاربة إيران في الوقت الذي تُغرق فيه أميركا الثلاثي الروسي الإيراني الأسدي في مستنقع إدلب، حيث ترد بشكل متتابع الأخبار عن حجم الكلفة الكبيرة الذي يدفعها المهاجمون خصوصا في ظل السماح لتركيا بتسريب أسلحة ثقيلة للمعارضة.

كل ذلك يقول إن معركة إدلب يرجح أن تكون آخر المعارك التي تخوضها إيران في سوريا قبل أن يفتح الباب واسعا أمام مشروع تفاوضي أميركي روسي يشكل، طرد إيران من الميدان السوري عنوانه الأساسي الذي تحرص أميركا على تحويله إلى إطار تنتظم تحته مصالح الجميع، ومن ضمنهم النظام السوري الذي توجه له رسائل واضحة مفادها أن عليه الاختيار بين استمراره وبين تحالفه مع إيران.

شارك برأيك

أشهر الوسوم