أطفال اليمن بين الجوع والموت

أطفال نازحون بمحافظة حجة شمال غرب اليمن(رويترز)

كيف أصفُ أطفالَ اليمن ؟ وكيف أشرحُ مصيرَهم ؟

وهل يُجمعُ ماءُ البحرِ في كأسِ ماء ؟ أم هل يُختصر الألمُ في كلماتٍ معدودة ؟

ومقالاتٍ مسرودة وصورٍ منثورة وأفلامٍ منشورة ؟!

وبعد ، ما قصةُ المجاعة في اليمن ؟

آلافُ الأطفال في اليمن ، هل قلتُ "آلاف" !!؟؟ عفوكم سادتي ؛ بل ملايين

الأطفال في اليمن ، مُقبِلون على هاوية الموت يعاركون المرض والجوع ويعاركهم،

ويطلبهم الموت فيدفعونه، لكنَّ المرض إذا فتك بالمريض عصرَه عصراً وسلبَ منه

العافية وأخذ منه الهناء وطرحَ عليه العناء فكأنه على سريرٍ فراشُهُ من الشوك لا

يستقرُ الجنبُ عليها ولا يهنأ.

أطفالٌ امتصَّ الداءُ أجسادَهم وذوّبَ أركانَهم وعطّلَ حياتَهم وعصرهم الجوعُ

عصراً فلم يُبِق منهم لحماً ولا شحماً فالتصقَ الجلدُ بالجلد وذاب اللحمُ وظهرَ العظمُ

وجحظت العينُ وبرزتْ كأنها تحت مجهر..

تذوبُ أجسادُهم يوماً بعد يوم كما تذوبُ الشمعة، وتغورُ أعينُهم من الجوع كما يغورُ

النبعُ الذي جفَّ معينُه ويمشي الموتُ في أعضائهم فيموتون ألفَ مرة قبل أن يصلوا

إلى الموتةِ الأخيرة

تحسبُهم أمواتاً وهم أحياء ثم تحسبهم دمىً فإذا هم بشرٌ يتحركون،

سلبَ من الفتاة أنوثتَها ومن الشاب قوتَه وعنفوانَه ومن الشيخ حكمتَه

غيّرَ المرضُ أشكالَهم وأظهرَ عظامَهم وأسقطَ شعرَهم فتعذرَ عليهم الكلام وصعبت

عليهم الحركة وثَقُلَ عليهم الحال ...

وما بقي إلا أن يموتوا ليصبحوا لقمةً طرية تمضغهم الأرض عندما يُدفنون فيها.

ألا يوجد لهذا الطفل أمٌ يتلظى قلبُها جمراً عليه ؟

تموتُ مرتين قبل الممات، مرةً من جوعها ، ومرةً من تمزقِ قلبِها حزناً على ولدها

الذي يذوي ويذوبُ بين يديها

من المسؤولُ -يا أيها الناس- عن هؤلاء ؟

هذا طفلٌ مات جوعاً -أو كاد- وقد غصَّ بطنُ أرضه التي يعيش عليها بالثروات.

انظر إلى عينيه فالعيونُ إذا تحدثت بلغاتها قالت كلاماً لم يقله بليغ ولم يخطّه قلم

تخبرك هذي العين -وهي صامتةٌ- بألمٍ مطوي تحت قلب هذا الطفل ، ويكأنها تقول :

آهٍ آهٍ ثم آه، لقد أقتلعَتها من قرارة القلب ، من صميم القهر فخرج معها لهبٌ ودخان ،

أسىً وحزن ، لوعةٌ وألم ..

أطفالٌ تتلوى وأمهاتٌ تتأوَّه ، المالٌ معدوم والطعامٌ مفقود والتعليمٌ نائم ، نائم !؟!

كيف قلت (نائم) ؟! أستغفر الله ، بل مات التعليمُ رحمه الله وصار نسياً منسياً  

أصبح ورقُ الشجر -الذي ننبذه ونعافُه- طعامَهم والماءُ الملوث شرابهم وبات عددُ

اليمنيين المهددين بالموت بسبب الجوح يُقاس بمقياسِ المليون.

ملايين الناس؛ لهم مشاعر ولهم كرامة ورغبات يتطلعون إليها ويتشوقون لأجلها.

سحقَ الجوعُ أجسادَهم ودمّرَ أفئدتَهم وقهر قلوبَ أمهاتهم،

افترشوا التراب متخذين من الحشرات أصدقاءً لهم ومن الغبار عطراً لهم ومن

مخلفاتِ الأشياء أغراضاً لهم

ففي تقرير للأمم المتحدة جاء فيه أن عدد الذين يعانون من الانعدام الحاد في الأمن الغذائي وصل إلى ما يقارب أربعة عشر مليوناً

وتحتاج الأمم المتحدة وشركاؤها إلى ثلاثة مليارات دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية لدعم ملايين المحتاجين بأنحاء اليمن.

ويعاني اليمن من أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج 22 مليون شخص -أي 75% من اليمنيين- إلى نوع من المساعدة الإنسانية أو الحماية.

ملايين الأطفال لو أُوتيَ أحدُهم فصلَ الخطاب وقوة الكلام ثم وقفَ متكلماً لقال لنا

والألمُ يقطرُ من كلماته :

 يا أيها العرب ؛ تُهلكون في كل عام مليارات الدولارات على الحروب والسلاح والقتال ثم تعجزون عن إطعام أطفال دقَ الجوعُ أعناقَهم .

 

لو تحرّكَ كلُ واحدٍ منكم وألقى من كيسِه ليرةً واحدة لغرقَ هؤلاء الأطفال بذلك المال ولَـ تشكلتْ جبالٌ من أموالكم تطاولُ أعنان السماء ..  ولكنْ : هيهات ...

 

كلُ واحدٍ منكم يأتي وحدَه فيدفعُ الباب فلا يندفع فيدعه ويمضي معتقداً أنه وفّى ما

عليه ، ولو دفعتموه جميعاً لانهار انهياراً

 

لو هبّ كلُّ عربي منكم مشمراً عن ساعديه وبذل شيئاً من اختصاصه أو

حرفته أو مهنته لكفيتم هؤلاء ذلةَ العيش وثقلَ المرض وألمَ الحاجة وشدةَ الجوع

 

مع كل ساعةٍ تدقّ وكلِ دقيقة تمرّ ؛ طفلٌ يموت ، وأمٌّ يشتعلُ قلبُها ناراً ، وأعصابُها

جمراً ، ونفسُها لهيباً ، وتيارُ الكهرباء يمشي في عروقِها حرقةً وألماً على ولدها

الذي يموتُ جوعاً ومرضاً في بلدٍ لو شققتَ أرضَه ونبشتها لانفجرتْ ينابيعُ

الذهب الأسود والأحمر والأصفر ...

أين تذهبُ ثرواتُ اليمن وخيراتُه ؟

من المسؤول عن هذه الحروب ؟

 

طفل وأمٌ وبنتٌ وشيخٌ وشابٌ لو نظرتَ إليهم لرأيتَ لهم أحوالاً تُبكي المحبَّ ساعةَ

الوصل ، والعروسَ يومَ الزفاف ، والناجحَ يوم إعلان النتائج والعقيمَ الذي رُزق

ولداً والمريضَ الذي شُفيَ من مرض ظنَّ ألا شفاءَ منه

أصخورٌ وحجارةٌ نحن ؟ مالنا لا تحركنا هذه الفواجع ؟ أم أنه أدركنا سباتٌ فصرنا

نمسي ونصبح نائمين لانسمع ولا نرى ولا يهزنا مشهد ربما هزَّ رواسي الجبال..

 

وكلُ ما جرى ويجري في اليمن لا يعادلُ قطرةً واحدة من كأسِ المرارة والألم الذي

شرب منه أهلُ سوريا ..

شارك برأيك

الأكثر تفاعلاً

أشهر الوسوم