"أسواق الأكل" في زمن الجوع

يقول الخبر على صفحة إحدى الشبكات الإخبارية على الفيسبوك مدعوماً بالصور: تم افتتاح "شارع الأكل" في حديقة تشرين بدمشق، وقريبا مثله في اللاذقية، وسيستمر السوق لمدة شهر. انتهى الخبر.

ليس هذا الخبر مثيراً للدهشة، فعلى مدى سنوات الأزمة السورية التي كانت تتفاقم وتتفاقم معها معاناة السوريين اضطرادًا مع عداد الموت الذي صار شاغل المحطات الإعلامية، كان الجوع يكشر عن أنيابه بالتدريج حتى وصل إلى مرحلة العض والنهش والفتك بالسوريين، ولم تندلع شرارة ثورة الجياع بعد، تلك التي تنبأ لها الكثيرون، ومنهم كاتبة هذه السطور، منذ أن بدأت الليرة السورية تنحدر بسقوط مريع والاقتصاد ينهار مدوياً. بل بالعكس من ذلك،

الشعب السوري في غالبيته صار إما تحت خط الفقر أو يلامسه، بينما دخل الفرد أو مرتب العامل لدى الدولة أقل من مائة دولار، بل حوالي الثمانين دولارًا فقط.

تحولت المدن السورية "الآمنة" إلى حد ما، أي تلك التي في منأى عن البراميل والعمليات الحربية الكبيرة، إلى أسواق ارتجالية فوضوية ورمية، وإلى مقاه ومطاعم ومنتجعات ومولات وكل ما يخدم الحياة الاستهلاكية، بطريقة فوضوية سريعة خبيثة تنتهك هوية المدن، وتتعدى على روح الأمكنة، وتستهتر بمعاناة البشر.

الشعب السوري في غالبيته صار إما تحت خط الفقر أو يلامسه، بينما دخل الفرد أو مرتب العامل لدى الدولة أقل من مائة دولار، بل حوالي الثمانين دولارًا فقط، أما كيف يعيش السوريون فهو السؤال الأصعب، جواب سؤال كهذا يلزمه فريق عمل ضخم يرصد الواقع وسلوك الناس وأنماط عيشهم وحركة الأسواق وأوقاتها كي يجيب عنه. سئلت كثيرًا كيف يعيش السوريون وكان السؤال يربكني ويتعبني، إذ يضطرني إلى إجهاد تفكيري وتجميع ما خزنته الذاكرة والصور والمشاهد لأشغل العملية الاستقرائية لدي، لكنني دائما ما كنت أجيب: "يمكن لأن" ثم أبحث عن المبررات المقنعة. فالسوري سكنه الارتياب، الارتياب من كل شيء والارتياب في كل شيء.

أبو محي الدين، وغالبًا هو اسم وهمي، سرد قصته في سوق الأكل الدمشقي، الذي يعتبر تجربة "واعدة" تنتظرها بقية المدن "الناهضة" بزخم من كبوتها والطامحة بالتطور ودخول "الحداثة" من أوسع أبوابها، يقول أبو محي الدين إنه استقل سيارة أجرة مع عائلته المكونة من أربعة أشخاص، دفع للسائق ألف وخمسمائة ليرة من باب مصلى إلى ساحة الأمويين، وفي حديقة تشرين دفع مئتي ليرة رسم دخول على الشخص الواحد، وفي سوق الأكل رسم الدخول خمسمائة عن الشخص، ويستعيدها إذا طلب وجبة من تلك الأكشاك التي تبيع منتجها، أما إذا لم يشتر فتكون تلك الخمسمائة عن الشخص هي ثمن الفرجة على الطعام المعروض وشم روائحه التي تعض البطون. المهم ثمن سندويشة الشاورما "المصابة بالهزال" ألف وخمسمائة، إذا أكل الشخص اثنتين بالكاد يشعر بقليل من الشبع أو أن جوعه قد سكت. يعود أبو محي الدين من تجربته المثيرة هذه وقد دفع أربعة عشر ألف ليرة ثم أكمل طعامه في البيت.

يقول أحد التعليقات: أنت أجدب يا أبا محي الدين بدك تاكل ببلاش من الدولة؟...في شغلة وحيدة بطعميا الدولة ببلاش".

طبعًا تحمل الردود والتعليقات من السخرية المرة ما يكفي لإثارة الروح حتى أقاصي البكاء. شعب مجروح حتى النخاع، سُلب ماضيه وتُسلب حياته ويُسلب مستقبله، الانفجار المدوي الذي يرافق تغيير هوية المدن وهوية الحياة السورية بفجور صارخ يدفع بالأفراد إلى حافة الجنون أو الجنوح. تغيرات سريعة تفرضها لهفة الأموال التي تراكمت في أيدي تجار وسماسرة الحرب، المال الذي جمعوه من فوق جثث السوريين، من بيوتهم التي هجروا منها، من فك أسْرهم من خاطفيهم لقاء فدية مالية، وهم سماسرة الخطف والتشليح. أولئك الأثرياء الجدد الذين انبثقوا من ألسنة اللهب في حربنا مثل مارد الأساطير، لا يحملون أية قيمة أخلاقية، المال غايتهم ودينهم من دون أن يكون لديهم مشاريع مدروسة، أو الحد الأدنى من القواعد الاقتصادية للاستثمار، وفي الوقت نفسه لا يملكون الحد الأدنى من الشعور الوطني أو الوازع الأخلاقي، المال لديهم صار مثل الأفعى سيلدغهم إذا لم يطلقوه، وبماذا يطلقونه؟ في أية مشاريع استثمارية يمكن أن تفيد في دعم الاقتصاد أو التنمية البشرية أو المساهمة في إعادة الإعمار والدفاع عن هوية المدن وروحيتها؟ هذا المال الذي تراكم بطرق لا أخلاقية، بين أيدٍ لا تعرف من المهارات غير عدّ الأموال المتدفقة مع الدماء المسفوحة على تراب الوطن،

الوجبة في الإفطار الرمضاني كانت بخمسة آلاف ليرة، وجبة تعادل خمس مرتب جامعي، فأين العدالة، وأين الحياء؟

وضمائر ملوثة وعقول لا تمتلك الحد الأدنى من الخيال الخلاق، هو مال مخرب ينتهك الحياة في مدننا التي تحولت إلى بازارات مفتوحة على كل أنواع التجارات الرخيصة المدمرة، بينما الشعب يعاني من الفقر والجوع والحاجة، وهناك في بعض المناطق التي هي جزء من سوريا وليست خارج الحدود، درعا وقبلها مدن عديدة صارت تحت وصاية من الوصايات، يهرب سكانها من الموت، مرميين في العراء تقفل الحدود في وجوههم، منتزعين من بيوتهم وأسرّتهم لا سقف يحميهم من الحر القاتل ولا البرد الشرس، يتوسلون حراس الحدود أن يفتحوها في وجوههم، بل منهم من لجأ إلى إسرائيل، فأي ذل لكل سوري أكبر من ذل كهذا؟ من يستطيع أن يلوم هاربًا من الموت مع أطفاله إذا استجار حتى بالشيطان وفتح له الشيطان بابه؟

أسواق للأكل والشعب جائع؟ مطاعم تتكاثر مثل الفطر وتقدم عروض كسر الأسعار، فقط الوجبة في الإفطار الرمضاني كانت بخمسة آلاف ليرة، وجبة تعادل خمس مرتب جامعي، فأين العدالة، وأين الحياء؟ أخطر ما نجم عن هذه الحرب الغاشمة دمار النفس وهزيمتها، انهيار القيم والأخلاق، الذرائعية التي صارت فلسفة حياة، انعدام الحس الإنساني والتعاطف والرحمة. فلمن يراكم السوريون هذا الكم من الغلّ في الصدور؟ ألا يفكرون بأبنائهم؟ كيف سيعيش أبناؤهم مستقبلاً وقد راكموا هذا الكم من التشفي ببعضهم البعض؟ ولمن يُترك ذاك المستقبل؟ في أيدي من؟ كيف سيكون تصحيح كل الأخطاء الجسيمة التي تترسخ في البنيان العمراني والهندسي والنفسي والمجتمعي؟ هل سيترك لجامعي الأموال من مأساة شعبنا، أولئك الغيلان التي لا ترتوي، أن يستلموا المستقبل ويصير أبناؤنا رهينة الحياة التي يؤسسون لها؟ أية فاجعة تلك التي يفجعوننا بها؟ وأية كارثة تتوج كل كوارثنا؟

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم