أساتذة اليأس: تشريح العدمية الأوروبية

                                                                                                                                "معرفة الإنسان لا تكفي لاحتقاره" بنجامين كونستان

كونديرا في شارع طه الحيكم

قبل سبعة أعوام كنت أسير في شارع "طه الحكيم" في طنطا، وهو شارع مليء بمحلات وأكشاك الكتب القديمة. وفي أحد الأيام وجدت رواية "الخلود" لميلان كونديرا ففاوضت البائع على سعرها فأصر على أن يكون مرتفعاً لأنها مطبوعة خارج مصر. مضيت بالرواية وكانت بداية تعرفي على ميلان كونديرا. قرأت الرواية وشعرت بشعور مختلف عما قرأته من روايات قبل ذلك، كان بناء الرواية مختلفاً وشجعني ذلك على اقتناء روايته "البطء" التي يحكى فيها قصتيْ حب؛ إحداهما فى القرن الثامن عشر الذى شهد أجواء التحرر والانفتاح، وهى بطيئة وذات طعم مميز، أما الأخرى فتدور فى عصرنا، وهى سريعة وباعثة على السخرية، وكانت الرواية بترجمة طلعت الشايب رحمه الله وإصدار دار شرقيات التي أغلقت مؤخراً. وعلى مدى عام أتيت على بقية ما وقعت عليه من كتب كونديرا مثل "الضحك والنسيان".

ثم قرأت "ثلاثية فن الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار"، وكنت أهرب من الكتب الجامعية لقراءة تحليلاته العميقة فأنهيت الكتاب في أربعة أيام. كنت أستمتع بحديثه عن فلوبير وكافكا وروبرت موزيل. ومفتاح هذا الكتاب ما ذكره كونديرا في مقدمته: "عالم النظريات ليس عالمي، وهذه التأملات تأملات حرفيّ. يتضمن مبدع كل رواية رؤية مضمرة لتاريخ الرواية، فكرة عما هي الرواية، وهذه الفكرة عن ماهية الرواية هي التي تجعلني أتكلم"، وكونديرا يستشهد بعبارة هيرمان بروخ "ما لا يمكن سوى للرواية وحدها أن تكتشفه".

بقيت روايته الأشهر "كائن لا يحتمل خفته"، لم أقرأها. وسافرت من طه الحكيم وبدأت أقرأها في الغربة فشعرت بثقل جاثم على الصدر، كنت ساعتها أحس أن هذه الشحنات العدمية في كتابات كونديرا مزعجة، كنت غاضباً من عجرفته الأسلوبية ومن أسلوبه الأبيض المتقشف الساخر ولم أكن أعرف صياغة رد يشفي غليلي منه إلى أن أتت نانسي هيوستن وقرأت لها "أساتذة اليأس: النزعة العدمية في الأدب الأوروبي" وساعدتني على إيجاد مكان اللدغة.

محاكمة العدمية

لجورج أورويل تعريف للكتب الجيده بأنها تلك التي لم تخبرنا بشيء جديد بقدر ما عبرت عن أفكار كنا نود التعبير عنها وساعدتنا الكتب الجيدة على قولها. تستعرض نانسي هيوستن مسرحية للكاتب النمساوي "توماس بيرنهارد"، في هذه المسرحية يكون البطل فظا وساخطا ومتذمرا وعدميا وغير لطيف البتة، ويسخر من شقيقاته، وتنتهي المسرحية. وتعود الكاتبة إلى المنزل تتأمل في عالم ما بعد المسرحية، حيث سيعود كل واحد من المتفرجين إلى بيته وإلى عالم يحسب فيه للصلات حساب، عالم فيه اللباقة تعبر عن احترام الآخر، عالم لو كان فيه بطل المسرحية الفظ لطرد من البيت بكل خشونة. وهنا تتساءل نانسي هيوستن لماذا أصبنا بفصام الشخصية، ففي حياتنا اليومية

العدمية لا ترى البشر يستحقون أن يسموا أفراداً فهم يشكلون كتلة متجانسة، محكومة بغريزة القطيع، ومبتذلة، وامتثالية وغبية

يحرص كل منا على الآخر، ونتابع الأخبار بقلق، ونفعل كل ما بوسعنا للحفاظ على الصلة مع الآخرين، لكننا كقراء أو متفرجين: نمدح دعاة العدم، ونصغي بلا توقف إلى السخرية من أفعال البشر الدنيئة. وهكذا يحدث تباعد زاد في منذ مطلع القرن الحادي العشرين بين ما نرغب في أن نحياه من (عطاء، وتضامن، وديمقراطية)، وبين ما نرغب في أن نستهلكه كثقافة (انتهاك، وعزلة، وعنف، ويأس، وأفكار عدمية).

من أين تأتي العدمية؟

توضح نانسي هيوستن تطوراً حدث منذ قرنين من الزمان في اتجاهين متضادين ظاهرياً: هما الطوباوية أو المثالية، والاتجاه المضاد له "العدمية". وبين المدرستن، تيار "الخيار هو كذا" وتيار "ما من خيار". ترسم لنا نانسي هيوستن بعض مسلمات الفكر العدمي، وتبدأ بالنخبوية والأنانية، فالعدمية لا ترى البشر يستحقون أن يسموا أفراداً فهم يشكلون كتلة متجانسة، محكومة بغريزة القطيع، ومبتذلة، وامتثالية وغبية. يرى التفكير العدمي البشر يفكرون جميعهم بالطريقة ذاتها ويقومون بالأشياء نفسها، يتزوجون وينجبون فيسخر منهم. ويحيا العدمي بذاته كشخص متوحد، يحتمل عزلته ويدللها ويحميها، ويرفع عقيرته بالشكوى مما تجر عليه الوحدة من آلام.

ترى هيوستن أن التفكير العدمي لديه اشمئزاز من الحضور الأنثوي، فالأم هي من تقذف بنا في الزمن وفي العالم، وهناك الرغبة المتكررة في لوم الولادة، وهناك احتقار الحياة الأرضية والنأي بالنفس عن السياسة، العدميون يودون لو لم يولدوا أبداً.

تبحث نانسي هيوستن عن اللحظة التي ولد فيها الوعي العدمي. متى بدأ الخوف والعزلة والشعور بزوال سحر العالم؟ وتحدد ذلك بالقرن السابع عشر، بعد أن تبدلت النظرة للعالم في أوروبا وولدت الحداثة، وبعد انتقال الوعي من عالم مؤسس على الإلهي والخارج للطبيعة إلى عالم بشري. هكذا أصبحت جريمة الإنسان أنه ولد كما يقول كالديرون، وأصبحت الحياة حكاية يرويها أحمق كما ينسب لماكبث.

ومنذ الثورة الفرنسية 1789 زادت الرغبة في أن يتم إحلال الإنسان محل الإله، لكن الأمور ساءت بفشل ثورة 1848 وشهدنا مع فلوبير وبودلير ولادة العدمية الحديثة، كتب بودلير قصيدة الهاوية التي تلخص تلك الفلسفة، وبدءاً من العام 1880، نجحت فلسفة آرثر شوبنهاور، واستقرت العدمية في الموقع الذي لم تغادره منذ ذلك الحين كأقوى مدرسة فكرية في أوروبا الغربية.

وفي القرن العشرين تسارع زوال سحر العالم، فلقد كشفت العلوم الحديثة نظرية التطور وعلم الجينات وعلم الاجتماع والتحليل النفسي، وكل هذه العلوم أكدت الدور الذي تلعبه قوى لا سيطرة لنا عليها في التكوين النفسي لذواتنا، وكان الأمر صادماً. وتسرد لنا نانسي هيوستن كيف حدث خلل في حياة المواطن الغربي بظهور الحداثة والعيش بفردية في مجتمع ملحد، وتخبرنا أنه حين اهتز الإيمان حملت الرواية الراية في قيادة حياة البشر الروحية، والعامل الحاسم في تربع التيار العدمي في أوروبا تتمثل في صدمة الحرب العالمية الثانية. لقد أدت المجازر إلى العبثية، لقد تم التشكيك في جدارة الأدب في أن يكون إجابة على أسئلة البشر، أو حتى على قدرته على فهم العالم أو العيش فيه، لقد تحولت العدمية من موضة فكرية إلى حقيقة الشرط الإنساني.

نسيان الولادة ورهاب الإنجاب

تشرح لنا نانسي هيوستن كيف أنه في عالم الكتابة والتعبير عن الذات تم نسيان الطفولة. كتب الكثير من الفلاسفة عن ذواتهم ولم يعايشوا مولد طفل وتربيته. وتوضح أنه حتى الكثير من النساء قد كتبن لكن لم يكن مررن بتجربة الحمل والولادة. ترى نانسي هيوستن أن هناك نمطاً تأسس من الكتابة تأثر بكراهية الأطفال. العدمية مصابة برهاب الإنجاب، بل إن سيوران يقول مغتبطاً "لقد ارتكبت كل الجرائم عدا أن أكون أباً". وليس الأمر أن هؤلاء العدميين ليس لهم الحق في الكلام، بل الأمر أنه لا يحق لهم احتكار الحديث عن الحياة البشرية من وجهة نظرهم فقط.

تنظر نانسي هيوستن للعلاقة بين الأنوثة والعدمية، تراها علاقة تضاد وتناقض، فالنساء أقل تأييداً لفلسفة العدم، فجسد المرأة يذكرها في كل لحظة من حياتها بحضور الآخر المحتمل. تشرح نانسي هيوستن جزءاً من أفكارها عن الطفولة وفقد أمها في طفولتها وتجربتها مع أولادها وتجربتها مع الأفكار العدمية وهي تجربة إنسانية غير قابلة للتلخيص وهي تجربة صادقة وإنسانية.

هل الأدب يصف عالماً وردياً؟

تؤكد نانسي هيوستن أنها، وهي تنقد المذهب العدمي في الأدب، لا تدعو بأن الأدب ينبغي أن يكون مرحاً، وبهيجاً، ومفعماً بالأمل، وأنه ليس عليه أن يحدثنا عن الملائكة الطيبين والقطط الحريرية الملمس وأزهار الربيع فقط، ولا أن مهمته تقديم صورة إيجابية أو حتى صورة واقعية للوجود للإنساني، بل على العكس، ترى أن الفن في حد ذاته، وربما الأدب بوجه خاص، هو رفض للعالم القائم، وتعبير

الأدب العدمي حاضر في خريطة الأدب المعاصر، ويحظى بمختلف أشكال الإعجاب والتكريم بل يحصل العديد من أقطابه على جوائز مرموقة مثل نوبل

عن النقصان وقلق الوجود. إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم ويعشقون الحياة عموماً ويرضون عن حياتهم خصوصاً لا يحتاجون أبداً لاختراع عالم مواز عن طريق الكلمات. بل إن نانسي تقول إن بعض القراء يشتكي من رواياتها لأنها قاتمة ومتشائمة أو مثبطة للعزيمة، لكنها توضح أن هذا ليس له علاقة بالروايات التي ترتكز على مسلمات العدمية، التي ذكرناها.

الأدب العدمي حاضر في خريطة الأدب المعاصر، ويحظى بمختلف أشكال الإعجاب والتكريم بل يحصل العديد من أقطابه على جوائز مرموقة مثل نوبل. ما قامت به نانسي هيوستن في كتابها هو استخلاص الرسالة الفلسفية التي يحملها هؤلاء الكتاب، مع محاولة فهم لماذا يمارس هذا الأدب كل هذا السحر وكل تلك السطوة في أوروبا وفي العالم الآن. لعل في حديثها ما ينال من تعجرفه وتكبره. رفوف المكتبات تمتلئ بروايات ميلان كونديرا، وعبارات سيوران تغرق وسائل التواصل الاجتماعي، أما كتب شوبنهاور فما زال هناك من يبحث عنها. وكذلك مسرحيات صموئيل بيكت. بل إن بعضها يتحول لأفلام مثل روايات ألفريدا يلينيك. كل هذا يدعونا لقراءة هذا الكتاب وهو يقدم نقداً وقراءة جديدة لسطوة هذا الأدب بكل ثقله وحمولته.لم أنس قصتي مع كونديرا، لكن إجابات نانسي هيوستن ليست قابلة للتلخيص إنها هناك تتهكم في كتابها على المتهكم الأشهر والساخر العدمي، ترمية وتلدغه بنفس طريقته.

شارك برأيك

أشهر الوسوم