أسئلة المستقبل في سوريا

تسيطر الجزئيات أو التفاصيل حالياً على أجندة اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين في الساحة السورية. وتضفي الأجندات المتناقضة لهؤلاء الفاعلين بالإضافة إلى الأهداف الغامضة مزيداً من الضبابية والارتباك فيما يتعلق بالتوقعات المتصلة بالمسار المستقبلي للبلاد. قد يبدو الأمر محبطاً لدى كثيرين، لكن سياق الأحداث هذا يفرض على المعارضة السورية -بغض النظر عن التوجه أو الانتماء- أن تشرع في استيعاب المشهد الأكبر أو الأوسع من المعارك الصغيرة التي تخاض.

في المشهد الأكبر، يمكن لنا أن ندّعي بأنّ الصورة تبدو أوضح بالنسبة إلى محور الأسد وداعميه أي إيران وروسيا، وهذا أمر خطير لأنّ هؤلاء يعرفون ما يريدون تماماً وهم يدفعون باتجاه تكييف نشاطهم وانخراطهم في الجزئيات في خدمة التصور العام الخاص بهم. على المقلب الآخر، يوجد مشكلة حقيقية في التعامل مع التوجّه الاستراتيجي أو الهدف البعيد المدى، وهناك مصاعب أيضاً فيما يتعلق بتوظيف التطورات على الصعيد التكتيكي في المسار العام ذلك أنّها لا تعمل في نفس اتجاه الهدف المنشود، أو على الأقل هذا ما توحي به.

وفي هذا السياق، لا يبدو بأنّ لدى المعارضة أجوبة على أسئلة تتعلق بكيفية التحضير لمواجهة المرحلة القادمة التي يسعى فيها البعض إلى الإبقاء على الأسد في السطلة، ولا يوجد كذلك أجوبة على الأسئلة المتعلقة

كيف ستتعامل هذه الأطراف مع الوضع إذا ما بقي الأسد في السلطة؟ ماذا سيكون مصير الجهود التي قامت بها أنقرة خلال العامين الماضيين في الداخل السوري؟ كيف سيصبح شكل العلاقة مع المعارضة؟

بكيفية مواجهة السرطان الإيراني قبل أن يستوطن بشكل دائم في سوريا. وبغض النظر عن النتيجة التي ستؤول إليها نتيجة المعارك الغير التي تخاض هنا أو هناك على الجبهة السياسية أو العسكرية، فإن المشهد العام أو التوجّه الأكبر هو الأهم باعتقادي لأنّه قد يساعد على إبقاء مفهوم الثورة السورية حيّاً وإن بأشكال مختلفة أو يقرر إنهاء مصيرها ودفنها إلى وقت غير معلوم.

هذه المشكلة لا تخصّ المعارضة السورية فقط، وإنما تخصُّ الفاعلين الآخرين المرتبطين بها أيضاً، ولا شك بأنّه سيكون لها تداعيات كذلك على طبيعة عمل هؤلاء من بينهم تركيا والولايات المتّحدة الأمريكية. كيف ستتعامل هذه الأطراف مع الوضع إذا ما بقي الأسد في السلطة؟ ماذا سيكون مصير الجهود التي قامت بها أنقرة خلال العامين الماضيين في الداخل السوري؟ كيف سيصبح شكل العلاقة مع المعارضة؟ والكثير من الأسئلة التي لا يبدو أن هناك أجوبة عليها لدى أي من هذه الأطراف حالياً.

إذا ما بقي الأسد فعلاً، وقرر الجميع أن تكون الانتخابات المقبلة بمثابة الفيصل في تحديد مصيره، فهذا يعني أنّ على المعارضة أن تتحضّر كذلك وهي تعمل في الإطار التكتيكي لأن يكون هذا الاستحقاق بمثابة معركة حاسمة. البعض يرى أن هذا الاستحقاق بعيد وقد لا يحصل أبداً، لكن في جميع الأحوال يبدو أنّ هناك اهتماما بمثل هذه المرحلة من قبل الروس والأمريكيين.

 نجاح الأسد في انتخابات من هذا النوع سيعفي المدافعين عنه من تحمل أعباء

لا يمكن فصل المعارك الحالية عن التصور المستقبلي، وبالتالي يجب النظر في توظيف الانشغال الجزئي في تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو رحيل نظام الأسد

الدفاع عن شرعيته المزعومة من الناحية السياسية، كما أنّه سيقطع الطريق على تحدّيه من قبل الأطراف الأخرى التي تطالب برحيله.

لكن ماذا إذا خسر الأسد هذه الانتخابات؟ هل من الممكن أن يحصل مثل هذا الامر؟ هل المعارضة ستكون مستعدة لخوض هذه المعركة موحدة إن حصلت؟ وما هي انعكاسات هذا الطرح على مصير النفوذ الإيراني في سوريا؟ هل هي مستعدة كذلك للسيناريو الآخر؟ وماذا عن أصدقاء المعارضة السورية؟ ما نقصده من هذه الأسئلة المستفزّة هو أنّه لا يمكن فصل المعارك الحالية عن التصور المستقبلي، وبالتالي يجب النظر في توظيف الانشغال الجزئي في تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو رحيل نظام الأسد، وهذا يعني بالضرورة محاولة الإجابة على هذه الأسئلة بموازاة النشاط الحالي في سوريا وليس عند انتهائه.

ربما يرى البعض أننا نخوض بعيداً هنا في الجانب النظري وفي الفرضيات، لكن إذا لم نطرح هذه الأسئلة الآن، فماذا عسانا أن نناقش؟ لا تزال هناك فرصة لاحتواء ومن ثمّ القضاء على النفوذ الإيراني في سوريا، لكن طالما أنّ رأس الدولة تابعٌ لها والنظام السياسي مواليٌ لها فسيكون من شبه المستحيل تحقيق هذا الأمر. فضلاً عن ذلك، فإن عامل الوقت سيكون حاسماً فيما يتعلق بمكافحة هذا السرطان، فكلما مضى الوقت كلما زادت طهران من استثمارها في عوامل بقائها داخل سوريا.

شارك برأيك

أشهر الوسوم