أردوغان يدعو إلى "تبريد الحديد المحمّى"

"آن الأوان لتبريد الحديد المحمّى" قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أعقاب تسلم مرشح المعارضة العلمانية أكرم إمام أوغلو رئاسة بلدية إسطنبول بصورة رسمية، وأضاف: "المرحلة التي أمامنا هي مرحلة العناق مع الجميع، مرحلة تحالف تركيا".

أثار هذا التصريح ردود فعل متباينة في الرأي العام التركي، لكونه إشارة من الرجل القوي إلى تغيير مهم في حسابات السلطة، أو ما يسمى بـ"ترتيب البيت الداخلي" للسلطة على ضوء نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة التي غيرت إلى حد كبير موازين القوى السياسية. فأردوغان المعروف بقراءته الجيدة لنتائج الانتخابات بأنواعها، كما ببراعته في التحضير لها والفوز بها، لا يمكنه تجاهل التغيير المنذر بتطورات أكبر لغير مصلحة حزبه، وسيعمل على وقف تدهور شعبية الحزب والسلطة في السنوات الأربع المقبلة قبل عودة الناخبين إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى في العام 2023.

أثار التصريح المذكور استياء شريكه في "تحالف الجمهور" رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي

احتمال انفتاح أردوغان على المعارضة، على ما يوحي تصريحه المذكور، لا يناسب بهجلي الذي يستمد قوته من استمرار التوتر الداخلي

الذي قال: "لا نعرف ما هو المقصود بـ"تحالف تركيا". نحن نعرف "تحالف الجمهور" وسنبقى مخلصين له في مواجهة مخططات أعداء تركيا في الداخل والخارج".

فاحتمال انفتاح أردوغان على المعارضة، على ما يوحي تصريحه المذكور، لا يناسب بهجلي الذي يستمد قوته من استمرار التوتر الداخلي الذي يضع تحالف الجمهور في مواجهة بقية القوى السياسية وما تمثلها من قواعد اجتماعية، وهو ما ساد طوال السنوات السابقة، وحقق حزب الحركة القومية، في مناخ التوتر، تقدماً ملحوظاً في شعبيته ظهر في نتائج الانتخابات المحلية.

وفي تصريح سابق لبهجلي، في إطار تقييمه لنجاح حزبه، قال: "لقد حصلنا على نسبة 18,81% من أصوات الناخبين"! (وذهب بعيداً في تحميل هذا الرقم معنى رمزياً، فقال إنه تاريخ ميلاد مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك: 1881!) هذه النسبة هي رقم قياسي فعلاً في تاريخ هذا الحزب الذي لم يكن يتجاوز، في الانتخابات السابقة بأنواعها، نسباً تتراوح بين 12- 14%. لكن للتصريح معنى آخر موجه لشريكه في التحالف، حزب العدالة والتنمية، كما لاحظ أحد الصحافيين قائلاً: "لقد نال تحالف الجمهور نسبة 53% من أصوات الناخبين. فإذا طرحنا منها نسبة التصويت لحزب الحركة القومية (53 – 19) يكون العدالة والتنمية قد حصل على نحو 34% من أصوات الناخبين، وهي أدنى نسبة يحصل عليها منذ أول انتخابات خاضها في العام 2002.

صحيح أن بهجلي قصد بهذا التصريح إظهار مدى قوة حزبه وحاجة أردوغان إليه، لكن الأخير يدرك أيضاً هذا التوازن الجديد المقلق، ولا بد أنه يفكر في أسباب هذا التدهور وكيفية معالجته استعداداً للمرحلة القادمة، وبخاصة أنها حبلى بالصعوبات والتحديات الداخلية والخارجية، سواء بالنسبة للحزب الحاكم أو بالنسبة لتركيا، أبرزها الصعوبات الاقتصادية التي تنذر بالتحول إلى أزمة كبيرة، والدور التركي في الصراع في سوريا وعليها، ومستقبل العلاقات مع كل من الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، وعلاقات التنافس والخصومة مع قوى إقليمية كبيرة كإيران وإسرائيل والتحالف السعودي – الإماراتي – المصري، والأزمة المتوقعة بشأن منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط بثرواته النفطية.

أمام كل هذه التحديات يريد أردوغان أن "يبرّد الحديد المحمّى" أي الاستقطاب الداخلي الحاد الذي رافق الحملة الانتخابية وتصاعد أكثر بعد إجرائها، بسبب التنازع على نتائج انتخابات إسطنبول التي فاز بها حزب المعارضة الرئيسي المدعوم من أحزاب أخرى إضافة إلى حزبه. وقد بلغ هذا التوتر حداً مقلقاً بتعرض رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو للاعتداء أثناء مراسم جنازة أحد جنود الجيش في القتال مع حزب العمال الكردستاني.

 فهل يقوم بفك تحالفه مع حزب الحركة القومية الذي كان الطرف الرابح في تحالف الجمهور على حساب العدالة والتنمية؟ فالجميع بات يعرف أن كتلة لا يستهان بحجمها من القاعدة التقليدية للحزب الحاكم قد صوتت لصالح حزب الحركة القومية لأنها لا تريد التصويت لأحزاب المعارضة. بكلمات أخرى: ظلت الكتلة الإجمالية المخلصة

تصريح أردوغان حول ما سمّاه "تحالف تركيا" يشير إلى أنه يفكر بفك هذا التحالف الخاسر، وتطوير سياسات تنهي حالة الاستقطاب والتوتر في المجتمع وفي المشهد السياسي

لتحالف السلطة على حالها (52- 53%) كما كانت عليه في كل من الاستفتاء على تغيير الدستور (2017) والانتخابات الرئاسية (2018) وهو ما يشير إلى شعبية أردوغان بالذات أكثر مما إلى شعبية التحالف أو حزب العدالة والتنمية. وقد حدث التغير داخل هذه الكتلة الثابتة، فربح حزب الحركة القومية ما خسره حزب العدالة والتنمية. تصريح أردوغان حول ما سمّاه "تحالف تركيا" يشير إلى أنه يفكر بفك هذا التحالف الخاسر، وتطوير سياسات تنهي حالة الاستقطاب والتوتر في المجتمع وفي المشهد السياسي، وهذا ما يترتب عليه أن يتصرف كرئيس لكل المواطنين ولكل الطيف الاجتماعي والسياسي، بدفع انحيازه الحزبي إلى مرتبة أدنى.

نظرياً أمام أردوغان وحكومته أربع سنوات ونصف في السلطة بالشرعية التي حصل عليها في الانتخابات العامة والرئاسية، حزيران 2018، لكن الصعوبات الاقتصادية المتفاقمة، وتوتر العلاقات مع الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية، وفي مقدمتها أزمة صفقة الصواريخ الروسية، وكذا موضوع شرقي الفرات ووضع محافظة إدلب والضغوط الروسية بشأنها، كل ذلك يتطلب الارتياح من التوترات الداخلية وتأمين دعم شعبي للسياسات الحكومية، من خلال الاعتراف بصعود قوى المعارضة في ميزان القوى الداخلي، والعمل على احتوائها في إطار وطني لا يستبعدها أو يستعديها.

بالمقابل، من شأن سياسة جامعة من هذا النوع أن تحوّل الشريك الحالي (حزب الحركة القومية) إلى خصم معارض.

الخلاصة أن الانتقال إلى النظام الرئاسي قد جمع كل السلطات في يد الرئيس، لكن ديناميات الاجتماع السياسي في تركيا تضعه في وضع مقيد بتوازنات قوى متغيرة لا يمكن تجاهلها. سنرى، في الأيام المقبلة، كيف ستتشكل خيارات أردوغان وحكومته وكيف ينعكس ذلك على السياسات الداخلية والخارجية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم