أدونيس وبيروت.. أدونيس وبس!

ربما هي روح المراهق أو الطفل الذي ما زال حياً في داخله، يعشق الأضواء، يموت غيظاً إذا فقد الناس اهتمامهم به كطفل معجزة اعتاد على تلقي امتداح ذويه مهما بلغت تفاهة إنجازاته. هذه له لا عليه، فالشاعر التسعيني الذي ما زالت وسائل الإعلام والمنتديات والمنابر تحتفي به، من حين لآخر، يستعيد أحلى أيام طفولته المملوءة بالمعجزات كتعلم الحبو والوقوف والمشي ونطق كلمتي "بابا" و"ماما" بدايةً لدخول عالم الكلام الذي سيمتهنه، لاحقاً، فيصبح الشاعر المرشح الدائم لجائزة نوبل، والمفكر المتمرد على "الثابت" لمصلحة "المتحول"، والمتدخل في شؤون السياسة وملابساتها من موقعه المتعالي عليها.

تداولت صفحات فيسبوك، قبل أيام، صورة له وهو يتبادل قبلة مع سفير النظام السوري في لبنان علي عبد الكريم. ومع أن شكل علاقاته بـ "المقامات" السلطوية ليس جديداً في مسالكه المعروفة، غلبني فضولي لأعرف المناسبة، فعرفت أنها تكريم جرى له في الجامعة الأنطونية في بيروت في إطار فعالية "اسم علم" التي تنظم كل سنة مرة. لفت اسم الفعالية هذا نظري، قبل كل شيء، إلى هذه المفارقة الخاصة بالشاعر، أي اسمه - العلم (أدونيس) الذي اختاره لنفسه بديلاً عن الاسم الذي وجده ملتصقاً به كجلده، ولم يكن له رأي في اختياره (علي أحمد سعيد أسبر) كحال الناس جميعاً. ليس لنا أن نتوقع من شخص يحمل من التقدير الذاتي ما يحمله أدونيس أن يخضع لقسمته من اسمه، بل كان عليه أن يصنع بنفسه اسماً يليق بذلك التقدير، فيصنع ذاته وقدره أيضاً.

"تكريم الشاعر السوري الكبير أدونيس في الجامعة الأنطونية في بيروت، باحتفالية مميزة شارك فيها العديد من الوجوه

تحول الكثير من البلدان العربية إلى ثكنات عسكرية، وتدمر البعض منها، وأدت الحروب إلى تدمير بعض المعالم والمتاحف والأيقونات الثقافية التاريخية، بسبب حب السلطة والتفرد بها

السياسية والثقافية والأكاديمية على رأسهم رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون ممثلاً بمستشاره رفيق شلالا، رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني، السفير السوري علي عبد الكريم، الشاعر هنري زغيب، الشاعر طلال حيدر، الشاعر حبيب يونس وعدد من الشخصيات" هذا ما جاء في الخبر في أحد المواقع الإلكترونية اللبنانية.

"في كلمة ألقاها بالمناسبة، تحدث أدونيس عن خوفه مما يحدث، حيث تحول الكثير من البلدان العربية إلى ثكنات عسكرية، وتدمر البعض منها، وأدت الحروب إلى تدمير بعض المعالم والمتاحف والأيقونات الثقافية التاريخية، بسبب حب السلطة والتفرد بها. وأكد في نهاية كلمته على دور الشاعر في خروج المنطقة من هذه المحنة، وكذلك كشف عن بارقة أمل تجاه المستقبل الثقافي في المنطقة، مثنياً على دور بيروت التي يعشقها وسيموت فيها بحسب قوله" (من الخبر نفسه – موقع "فن")

لن أتوقف عند تفجع أدونيس على "المعالم والمتاحف والأيقونات الثقافية والتاريخية" التي أدت الحروب إلى تدميرها "بسبب حب السلطة والتفرد بها" فهذه الرهافة الفنية غير مستغربة من الشاعر الذي لا يبدي رهافة إنسانية مماثلة تجاه قتل مليون سوري وتهجير نصف السكان وتشريدهم، فهذا وذاك مما ألفناه من أدونيس. بل استوقفني أكثر بثنائه على "دور بيروت في نهضة ثقافية قادمة يتوقعها لهذه المنطقة" وفق خبر الموقع.

دور ثقافي لبيروت التي هجاها، في العام 2003، من منبر مسرح المدينة، في فضيحة ثقافية أثارت ردود فعل غاضبة من أهم مثقفي لبنان؟ فقد اعتبر أدونيس، في المحاضرة التي ألقاها هناك أن "بيروت ليست مدنية ولا مدينية" تفتقد للجمال المعماري افتقادها إلى هوية مجتمعية، بل هي مجرد أرض بنيت عليها كتل إسمنتية وجوامع وكنائس ودكاكين متجاورة!"

فما الذي غير الأحوال وجعل من تلك البقعة القاحلة التي اسمها بيروت موضع تفاؤل الشاعر بدور نهضوي ثقافي ينقذ المنطقة من "الثكنات العسكرية والدمار"؟ أين اختفت الطوائف والمعتزلات التي تنبذ البشر الأفراد الأحرار؟ من أين انبثقت "روح المدينة" من اللا مدينة التي اسمها بيروت؟

ترى هل الجواب في الرئيس ميشيل عون الذي تكرم بإرسال مستشاره رفيق شلالا الذي صرح للإعلام قائلاً: "فخامة الرئيس يتابع كل فكر لبناني وعربي، وكل ما يصدر عن كبار أدبائنا ومفكرينا، وجودي اليوم ممثلاً فخامته، هو رسالة إلى أدونيس وكل المنظمين وكل أهل الثقافة، أن الحداثة لا تقتصر فقط على الأدب، بل تشمل السياسة أيضاً"!

ونعم التصريح! فعلى ذكر السياسة "الحديثة" في بيروت، لا يمكن إلا أن يخطر على البال طفل معجزة آخر، من نوع آخر، يزاول التفاهة بدلاً من الشعر والثقافة، هو الصهر جبران باسيل الذي تخصص، مؤخراً، في التعبير عن عنصريته تجاه اللاجئين السوريين الذين يريد رميهم "في بحر" نظام البراميل والكيماوي. وفي تغريدة مميزة لهذا الباسيل، قبل فترة، رأيناه ينيط بنفسه (بلبنانه بالأحرى) مهمات كبرى تنوء بحملها الدول العظمى مجتمعة، كحل المشكلات في سوريا وليبيا وغيرها من البلدان العربية. يا ترى هل هذه التغريدة هي ما ألهمت الشاعر أدونيس ليضع ثقته في دور نهضوي لبيروت، بعدما كان قد مسح بها الأرض في العام 2003؟

هل أغالي كثيراً إذا ربطت نقمة أدونيس على بيروت، في ذلك التاريخ، بالحالة السياسية التي كانت تتجه

من اللافت مثلاً ألا يقول أدونيس كلمة واحدة عن العنصرية الفالتة في لبنان ضد مواطنيه السوريين من النازحين هرباً من براميل "رئيسه المنتخب"

حثيثاً نحو انتفاضة الاستقلال؟ مقابل ثنائه الحالي عليها في ظل دولة حزب الله برئاسة ميشيل عون الذي "يسعى إلى تحويل لبنان إلى مركز لقاء الثقافات" على ما قال الشاعر حبيب يونس المقرب من عون؟ من اللافت مثلاً ألا يقول أدونيس كلمة واحدة عن العنصرية الفالتة في لبنان ضد مواطنيه السوريين من النازحين هرباً من براميل "رئيسه المنتخب" على ما جاء في رسالته المفتوحة إلى بشار الأسد قبل سنوات. قد يمكنه تبرير هذا التجاهل بذريعة ما، لولا بيان أصدره أبرز مثقفي لبنان، قبل أيام قليلة على الاحتفالية، نددوا فيها بتلك العنصرية. وقد لاقى البيان رواجاً كبيراً في وسائل الإعلام، فلا يمكن لأدونيس أن يزعم جهله به.

أعترف أنني سيّئ النية تجاه أدونيس، فلا يمكنني تمرير أي تصريحات له بالقفز فوق تأويلات غير بعيدة عن "خطه الفكري" إذا جاز التعبير. لكن صفة التمحور حول الذات المتضخمة التي تطغى على كل صفاته، تجعلني أعود دائماً إلى التفسير الأبسط: إذا كرمته بيروت، أو أي مدينة أو جهة أخرى، أثنى عليها، وإذا جحدته كشر عن أنيابه ونهشها.

مرةً سأله أحد الصحافيين عما إذا كان مستعداً لقبول جائزة دولة من بلده سوريا، فأجابه أدونيس قائلاً: "أنا أعتبر نفسي أكبر شخصية سورية على الإطلاق، وإذا قبلت جائزة سورية يجب أن تكون أكبر جائزة تقدم لأي شخصية" وأضاف: "لا أقبل إطلاقاً أي جائزة عادية، سواء من سوريا أو من أي بلد عربي آخر"!

عقيدته الأبسط هي: أدونيس وبس!  

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم