أخيراً، رئيس يعتذر من شعبه

هذا ليس بالقليل، بصرف النظر عن مضمون الاعتذار أو ظروفه. ففي لغة الرئيس الجزائري السابق، في رسالتَي استقالته واعتذاره، اعتراف بسيادة الشعب وضآلة شأن خادمه المفترض أمامه، بصرف النظر عن مدى صدق صاحبهما أو اضطراره. بهذا المعنى وضعت الرسالة الأمور في نصابها للمرة الأولى في تاريخ الأنظمة العربية أو تلك المشابهة لها في بلدان أخرى.

صحيح أن بوتفليقة استنكف عن تسمية أخطائه التي وجب الاعتذار عنها، لكنه اعتبر نفسه "إنساناً يخطئ" لا إلهاً منزهاً عن الخطأ كما فعل ويفعل زملاؤه جميعاً. كذلك لا ينتقص من قيمة اعتذاره، الرمزية على أي حال، أن الإرادة الشعبية للجزائريين هي التي أرغمته على الاستقالة. ومن المحتمل جداً أنه لا يعرف حقاً ما إذا كان قد أخطأ بحق أحد من الجزائريين "بلا قصد"! كما كتب في رسالة الاعتذار، الأمر الذي يتساوى فيه مع زملائه من الحكام الذين "يصدَمون" حين يكتشفون وجود شعب حكموه طوال سنوات وعقود، فيقول زين العابدين بن علي، مثلاً، "فهمتكم" فيما يذهب القذافي إلى حد القول الفاجع: "من أنتم؟".

ما يعرفه بوتفليقة، بكل تأكيد، وتجاهله عمداً هو أنه مدّد تمسكه بالسلطة لأربع دورات متتالية، وكأن الجزائر خالية من أي شخص مؤهل لمنصب الرئاسة طوال عشرين عاماً. كان بوسعه أن يعتذر عن ذلك وهو العارف بأن الجزائريين إنما ملؤوا الشوارع رفضاً لنيته (أو نية من يقف وراءه) للاحتفاظ بالمنصب لولاية خامسة، بعدما امتد سكوتهم على ذلك في الدورات السابقة بسبب ذكريات الحرب الدموية التي شنها النظام العسكري على الجزائريين في سنوات التسعينات، خشية منهم من تكرارها، وليس تمسكاً برجل استمرأ المنصب بلا وجه حق، ولم يترك السلطة حتى بعدما ضربه العجز المرضي الذي يمنعه من القيام بأبسط الوظائف الفيزيولوجية، ناهيكم عن وظائف رأس السلطة ومهماته. وكان "عازماً" على الاستمرار في المقعد الرئاسي المتحرك خمس سنوات أخرى لولا الرفض العلني من الشعب.

بالنظر إلى التعاطي السياسي للنظام – إلى الآن – مع انتفاضتهم المجيدة، وامتناعه عن استخدام القوة. فهذا مهم جداً من منظور مستقبل الجزائر، أعني اشتغال السياسة لحل المشكلة الوطنية المتمثلة في سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة

الجزائريون أدرى بـ "الأخطاء" التي ارتكبها رئيسهم السابق المستقيل بحقهم وحق بلدهم، ولهم الحق في محاسبته أو قبول اعتذاره والصفح عنه. هذا ليس من شأننا. قد يتوقف اختيارهم بين هذه البدائل على حسابات عقلانية، بالنظر إلى التعاطي السياسي للنظام – إلى الآن – مع انتفاضتهم المجيدة، وامتناعه عن استخدام القوة. فهذا مهم جداً من منظور مستقبل الجزائر، أعني اشتغال السياسة لحل المشكلة الوطنية المتمثلة في سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة. فمن مصلحة الجزائريين أن يتم التغيير بسلاسة وبلا إراقة الدماء إذا كان ذلك ممكناً.

لا أحد يمكنه أن يعرف كيف ستتطور الأمور وإلى أي نهاية ستنتهي. ما جرى، إلى الآن، يشير إلى مسلك عقلاني لدى كل من السلطة والشعب. الأولى تناور وتسايس، بما في ذلك استقالة بوتفليقة، والثاني يبدي العزم على الاستمرار حتى يتحقق التغيير، ومتمسك بسلمية الحراك. وهو ما يعني أن "الدرس السوري" القاتل قد فعل فعله بصورة إيجابية لدى الطرفين، ولم يكن كما أراد له مقترفوه درساً دموياً للشعوب بأن أي رفض للحكام المؤبدين ثمنه قتل مئات الآلاف وتدمير البلد واستتباعه لمختلف الدول والقوى الغاشمة.

هذا الفهم المتباين للدرس السوري يقوم على معادلة بسيطة: هل الحكام أهم من البلدان أم العكس؟ يكفي بقايا ضئيلة من الشعور بالمسؤولية الوطنية لدى الأنظمة الحاكمة لكي يختاروا السياسة بدلاً من الحرب لتجاوز أزمة حكمهم. في حين أن ما رأيناه في ليبيا واليمن، وبخاصة في سوريا، هو أن النظام يعتبر نفسه أهم من البلد الذي يحكمه، فالمهم أن يبقى هو، حتى لو كان الثمن قطع الغصن الذي يقف عليه، أي البلد الذي يحكمه. وهو ما يقوله بلا لبس الشعار الإجرامي والسوريالي (الأسد أو بلاها هالبلد!).

ما جرى، إلى الآن، يشير إلى مسلك عقلاني لدى كل من السلطة والشعب. الأولى تناور وتسايس، بما في ذلك استقالة بوتفليقة، والثاني يبدي العزم على الاستمرار حتى يتحقق التغيير، ومتمسك بسلمية الحراك. وهو ما يعني أن "الدرس السوري" القاتل قد فعل فعله بصورة إيجابية لدى الطرفين

ليس في رسالة اعتذار بوتفليقة تواضع إنساني، بل ما هو أقرب للتذلل طلباً للصفح، أي النجاة من العقاب. ومع ذلك هو تطور مهم في مسالك تلك المخلوقات يعني، على الأقل، اعترافاً بانتقال العصا من يدهم إلى يد الشعب الذي كانوا يجهلونه ويجهلون وجوده ويعاملونه باحتقار، بما أن مفاهيم كالشرعية أو سيادة الشعب أو غيرها ليست ضمن قاموس مداركهم، بل يفهمون فقط بمنطق القوة والغلبة والقسر والمعاقبة. فهم تغيرات موازين القوة خطوة مهمة، بذاتها، للانتقال من الحرب إلى السياسة. كان من شأن إدراك مماثل لدى زملاء بوتفليقة كالأسد وأشباهه أن يغير مجرى الأحداث فيوفر على البلدان التي ابتلت بهم الدم والدمار.

نتمنى للجزائر أن يستمر الدرس السوري في مفعوله الإيجابي، وبخاصة لدى النظام العسكري الذي يستطيع أن يضحي بامتيازاته، أو قسم منها، لمصلحة مستقبل الجزائر والجزائريين.      

شارك برأيك

أشهر الوسوم