أبــــــــو مَدْيـــَن

لم تكن ليلةً وادعة، تلك التي لمحتُ فيها أبو مدين أول مرة، وهو يتأبط بطرفٍ بعضَ أسماله، وبالطرف الآخر بطانية قديمة ووسادة صغيرة، ويقف وسط تزاحم وتدافع شديد للعشرات من السجناء التدمريين، المحكومين بالموت البطيء، وهم يتكوّمون أمام أحد المهاجع. كان باب المهجع لا يزيد عرضه عن ثمانين سنتمتراً، وعلى الجميع أن يقذفوا بأجسادهم بسرعة البرق، تحاشياً لمزيد من لسعات السياط التي تلهب ظهورهم ورؤوسهم من الخلف، إذ يقف الجلادون وهم يشتمون ويصرخون، ويتبارون بين بعضهم البعض، أيّهم سيكون أقدرَ على إعطاب ظهور الكائنات التي بدأت تتجمع فوق بعضها أمام الباب، كما يتراصُّ قطيع من الأغنام حين تداهمه الذئاب.

ما جعل انتباهي يتركز على هذا الرجل دون سواه في تلك اللحظة، هو طول قامته، وعرض منكبيه، حيث كان الأكثر طولاً بين المتدافعين، ما جعله يتلقى الكم الأكبر من الضربات التي تنهمر على ظهره ورقبته وقفا رأسه، والتي ظل يحتملها بصبر، مُنتظراً الفرصة التي تتيح له الدخول كبقية أقرانه من السجناء.

 هذا المشهد قابلٌ للتكرار في حالات عديدة، وربما يومية أحياناً، (التفقد – التنفس – الانتقال من مهجع لآخر – إلخ)، إذْ إن أيّ مواجهة بين السجناء والسجانين فإن اللغة الناظمة لها هي لغة الصفع بالهراوات، المصحوبة بوابل من الشتائم التي كان يبرع، بل يبدع بها عناصر الشرطة العسكرية في سجن تدمر.

بضعة دقائق، ويكون الجميع داخل المهجع، دقائق من الصمت المشوب بالارتياح، أقول: الارتياح الناتج من شعور الجميع بأن إغلاق باب المهجع، يعني ابتعاداً مؤقتاً لسطوة السجان عن أجساد السجناء، ثم تستمر بعد ذلك، طقوس الحياة اليومية، فالبعض يتفقد أثر السياط على جسده، والبعض الآخر يشرع بتوضيب أشيائه ولوازمه، فيما يقف رئيس المهجع خلف الباب متجهاً إلى السجناء، راجياً منهم – من خلال حركاته – التزام الهدوء، تحسّباً من عودةٍ مباغتة لأحد السجانين أو الرقباء. ولا أخفي – في ذلك الحين – فضولاً جارفاً لديّ بالتعرّف على ذلك الرجل الذي تجاوز تخوم الخمسين

هذا الرجل لا يختزل في ذاكرته ووجدانه مسرودات التاريخ كما هي فحسب، بل يحمل الجانب الوظيفي الأهم للتاريخ

من عمره، وهو يتحدث مع زميل له بطريقة جدية لا تخلو من النزق، علمتُ فيما بعد، أنها طريقته المعتادة في الحديث، بينما كانت علائم وجهه شبه مبهمة، أي أنك لا تعلم حين النظر إليه، أيّ شعور يتملّكه، ما يجعلك تجهل ردّة فعله على أيّة مبادرة تقوم بها تجاهه.

أبو مدين، الذي أصبح صديقاً حميماً، إذْ لم تكن هذه الحميمية ناتجة من حاجة فطرية لوجود صديق مُقرّب إلى النفس فحسب، بل هي – بالنسبة إلي وإلى معظم أصدقائه – حاجة وجودية ومعرفية داخل السجن، لعلّ سرّ ذلك – فيما أعتقد – أن هذا الرجل لا يختزل في ذاكرته ووجدانه مسرودات التاريخ كما هي فحسب، بل يحمل الجانب الوظيفي الأهم للتاريخ، أعني التاريخ الذي – إن أحسنتَ استيعابه – فإنه سيسهم في (تحرير إرادتك) على حدّ قول المفكر عبد الله العروي.

إنّ قدرة هذا الصديق على أن صياغة فلسفة تاريخ الأمكنة والأزمنة التي مرّ بها، وبطريقته العفوية التي لم تخضع للمنهجة الأكاديمية، جعلتني أجد عنده ما لا أجده في المرويات أو المقروءات الأخرى، فضلاً عن حيازته لسمات شخصية منغرسة في طبيعته، تجعلك حين تلامسها، تشعر أنك تحاكي الطباع الإنسانية في بكارتها الأنقى. أمّا قناعاته الفكرية والسياسية، فإنك – وإن اختلفت معها – لا شك ستحترمها، لأنها قرينة حالة من الانسجام بين القناعة والسلوك، ذلك أن امتثال صديقي – آنذاك – لهالة الخطاب القومي في صورتها المثالية، جعلت لديه – على الدوام – استعدادا لدفع أثمان مواقف وقناعات، هو يدرك – ضمناً – مثاليتها، ولعل مردّ ذلك، هو الانتماء إلى منظومة قيمية وأخلاقية فيها الكثير من النبل، ولكنها غير قادرة على ضبط واستيعاب التحوّلات الاجتماعية والسياسية بسهولة.

اعتقل أبو مدين عام 1977، من قبل فرع أمن الدولة، وكان عمره في أواسط الثلاثينيات، متزوج، وله طفل واحد، عمره ثلاثة أشهر، حيث مكث في معتقل (كفر سوسة) بدمشق ثلاث سنوات، وفي نيسان من عام 1980، نُقل إلى سجن تدمر العسكري، ويكون بذلك من الدفعات الأولى التي وطأت سجن تدمر في الثمانينيات.

في حزيران من عام 1980، كان أبو مدين شاهد عيان على المجزرة التي نفّذها (رفعت الأسد) في سجن تدمر، والتي أودت بحياة عدد من السجناء الإسلاميين يتراوح عددهم بين (70 – 80) سجيناً. بعد المجزرة بأيام وصلت أنباء – قيل عنها مؤكدة آنذاك – إلى أهل أبو مدين وزوجته وذويه، تفيد بأنه توفي مع من ماتوا في المجزرة، ومنذ ذلك الحين، أصبح صديقي في أذهان مَنْ هم خارج السجن، في عداد مَن طوتهم صحراء تدمر في رمالها.

في تموز من عام 2001، وبعد موت حافظ الأسد، كنّا لم نزل في سجن تدمر، أصدر الوريث بشار الأسد قراراً يقضي بإخلاء سجني (تدمر والمزة)، وتجميع كافة السجناء السياسيين في سجن صيدنايا.

كان يوم (11 – آب – 2011) يوماً تاريخياً عظيماً، إذْ شهد ذلك اليوم مغادرة آخر دفعة من سجناء تدمر، يبلغ عددها ثمانين سجيناً، باتجاه سجن صيدنايا، وبذلك يكون سجن تدمر قد أصبح خالياً من السجناء السياسيين بعد أن ظلّ مكتظاً بهم طيلة ربع قرن.

كنتُ وصديقي من ضمن تلك الدفعة الأخيرة، التي حلّت بها الرحال في سجن صيدنايا، والذي كان – في ذلك الوقت – يحظى بمواصفات فندقية رفيعة المستوى قياساً إلى سجن تدمر.

لم يكن ابتعادي عن صديقي خياراً ذاتياً، إذْ تم إطلاق سراحي في 11 – 11 – 2001، بعد انتهاء مدة الحكم الذي أصدرته بحقي محكمة أمن الدولة (15 سنة)، وظل أبو مدين في السجن، ولكنّ هالته كاملةً

ظل نائياً عن وسائل الإعلام، ومشيحاً عن أي محاولة استعراضية لاستثمار تضحياته أو المتاجرة بها، ولم يسلبه تقدّم سنّه، قدرتَه العالية على الاحتفاظ بكبريائه العفوي، وشهامته التي هي جزء من طبعه

ظلت ترافقني كظلي. وبعد انقضاء يومين لي خارج السجن، وجدتني أتجه باندفاع يغيب عنه الكثير من الوعي، باتجاه الريف الشرقي لمدينة معرّة النعمان، حيث قرية صديقي، لزيارة زوجته وولده، ولعلّي أفتقد اللغة التي تمكّنني من الإفصاح عن مشهد تلك الزيارة، وعن محاولتي العصيبة في إقناع (مدين) الابن الوحيد لصديقي، بأن أباه ما زال حياً.

في عام 2004، أُطلق سراح صديقي، وكان قد قضى في السجن (27) سنةً، عشرون منها في سجن تدمر.

لم يغادر أبو مدين قريته، وظل لصيقاً بمحيطه الاجتماعي ومنزله وأرضه، كما ظل نائياً عن وسائل الإعلام، ومشيحاً عن أي محاولة استعراضية لاستثمار تضحياته أو المتاجرة بها، ولم يسلبه تقدّم سنّه، قدرتَه العالية على الاحتفاظ بكبريائه العفوي، وشهامته التي هي جزء من طبعه.

غداة انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011، وجد الناس أبو مدين وسط مَنْ هم في عداد أحفاده، يقدّم لهم ما بوسعه، ويؤازرهم بكل طاقته، وحين كان يقدّمه الثوار أبناء بلده لأماكن القيادة، تقديراً لتاريخه وعمره ومثابرته، كان يحجم عن ذلك، ويقول لهم بكل عفوية وصدق: الثورة لا تعترف بصغير أو كبير، هي تعترف وتدين فقط، لمن يقدّم لها ويُنجز، أنا أصلح أن أكون خادماً للثورة ولا أصلح أن أكون قائداً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم