«شهبا وش عملو فيكي؟»

فجر الأربعاء الماضي شق صاروخان سماء مدينة حلب ووصلا إلى مركزها، قرب القصر البلدي وفي حي الجميلية. خلفا شهيدين، بينهما امرأة، وعدداً من الجرحى. ضجت الصفحات الحلبية (الغربية) على فيسبوك، بعد انحسار طويل في المتابعة وانشغالها بنشر دعايات غزل البنات والموبايلات ومعاهد اللغات والفروج. وعادت للعزف على وتر أثير لدى سكان مناطق النظام في حلب الذين لم تتأخر استجاباتهم البكائية: إنهم «الإرهابيون» من جديد، ينقضون الهدنة ويقصفون الأبرياء الآمنين، ما ذنب من كانت تعدّ السحور أو من كانوا ينتظرون الأذان في مخيم النيرب في المساء السابق؟!

لم يُقتل أحد في سوريا اليوم سوى هؤلاء. هل قلتم مجزرة في جسر الشغور قبيل الإفطار؟ أين جسر الشغور؟ لم نسمع... ولا نريد أن نسمع... ولا يهمنا الأمر! حلوا مشاكلكم بعيداً عنا. «نحن ما لنا علاقة»!

حلب تتعافى، برأيهم، تستعيد لياليها الرمضانية الرخيّة، بطون ممتلئة وأراكيل ورؤوس تتمايل على وقع أغان تداعب النرجسية الجماعية لسكان المدينة هؤلاء؛ «الشعب الحلبي» الذي يظن أنه نجا من «الحرب» التي مرّت بالجوار حتى «طفاها الله بنوره».

لا يستطيع أحد أن يحدد مسار «نور الله» في الحقيقة، لكن المؤكد أن الجزء الذي أُخمد أطفأه الروس والإيرانيون والنظام، وبالنار لا بالنور، أما الأهم فهو أن «الأزمة» لم تنطفئ، لا بدلالة الصاروخين العشوائيين وما تلاهما من رشقات قذائف فحسب، بل لأن تحولات كبرى في البلدان، كهذه، لا تنتهي بمجرد دفن الرأس في الرمال وترقب سعر الدولار وأخبار طريق خناصر.

لا يستطيع أحد أن يحدد مسار «نور الله» في الحقيقة، لكن المؤكد أن الجزء الذي أُخمد أطفأه الروس والإيرانيون والنظام، وبالنار لا بالنور، أما الأهم فهو أن «الأزمة» لم تنطفئ

لنكن صريحين، وقفت حلب ضد الثورة منذ البداية. لا ينفع هنا تذكر آلاف الثوار والشهداء والمعتقلين، فهؤلاء أول من عرف عسر تحريك المدينة منذ 2011، وعانوا ذلك بين أقاربهم وأصدقائهم، حتى زُجّت الأحياء الشرقية من المدينة في الثورة، منتصف 2012، بدخول الجيش الحر من الريف مستنداً إلى شبكات من القاطنين في حلب من أريافها وأرياف إدلب ومحافظات أخرى. أما في الطرف الآخر، «الغربي»، فقد لعب طلاب وافدون كذلك دوراً مركزياً في احتجاجات المدينة الجامعية وعدد متزايد من الكليات التي منحت الجامعة لقبها الشهير «جامعة الثورة».

لا ينفي هذا دور حلبيين من سكان «الغربية» في الثورة، لكن هؤلاء كانوا «شامات» من فدائيين بأعداد قليلة سرعان ما اضطرت إلى اللجوء إلى الشطر المحرر من المدينة، ثم إلى تركيا أو أوروبا غالباً، دون أن تغيّر في وجه حلب التي بنت موقفها منذ البداية على «الحياد»... ولكن أي حياد؟!!

يصادر الحلبي النمطي حجتك: «نحن أول مين بيعرف أنه هالنظام مجرم»، مستشهداً بأحداث الثمانينات وما صاحبها من قمع واعتقالات. غير أن هذه المعرفة لا تُنتج ضرورة الثورة عليه، بل اليأس من تغييره ومداراة ظلمه والاكتفاء بممارسة الحياة العادية، و«تدبير الراس» عند الوقوع بين براثنه وتحت قواعده لسبب أو لآخر.

لم ينشأ موقف جمهور الثورة من مدينة حلب من فراغ، قبل أن يتولى شطرها الفقير، مضطراً، تبييض الصفحة بأجساد سكانه التي تلقت العدد الأكبر من البراميل في البلاد

هل يشبه هذا الموقف ما يسمى بالرمادية وموقف الأغلبية الصامتة الواقعة بين «طرفي النزاع»؟ حسناً. على الأغلبية الصامتة أن «تصمت» على الأقل، لا أن تنخرط بحماس في المسيرات والظهور التلفزيوني المؤيد للنظام والاحتفالات المروجة لروايته، متسترة بضرورة لا ضوابط لها بسبب بقائها في مناطق سيطرته. على المدينة المحافِظة، والتي تزداد تديناً بفعل عقدة الذنب، أن تعلم أن استهتارها بأمر الدماء أشد من تهاونها في صلاة الأطفال وتسجيلهم في دورات التجويد الصيفية و«تعا سمّع الفاتحة لعمك». عليها أن تعي أن دماءها التي سالت، نتيجة قذائف الحقد، في سنوات انقسام شطريها، ليست دماء زرقاء سرت في عروق شهدائها بشكل خاص، فيما يجري الماء في عروق أبناء درعا وحمص وإدلب... إلخ.

للحياد المدّعى أصول وللضرورة معايير. ولم ينشأ موقف جمهور الثورة من مدينة حلب من فراغ، قبل أن يتولى شطرها الفقير، مضطراً، تبييض الصفحة بأجساد سكانه التي تلقت العدد الأكبر من البراميل في البلاد، وصولاً إلى التهجير في البلدات والقرى.

الحلبيون، كالكثيرين في منطقة «كل مين عقله إله» التي فيها نعيش، يتكلمون أكثر مما يسمعون. لكن عليهم أن يعيروننا آذانهم مرة ليعرفوا أن لا شيء ينتهي دون حل عادل، وأن عبادة القوة ليست ديناً منجياً، وأن المكابرة تعني تماماً «العزة بالإثم»!

 

* مطلع أغنية حلبية ظهرت في سنوات الثورة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم