أنقرة وسيناريوهات المواجهة الأميركية الإيرانية

رغم خطوة التراجع عن الاتفاق النووي واتهام القيادة الإيرانية بدعم الإرهاب ورعايته، وُصف القرار المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب عسكريا من سوريا بأنه يعكس حالة التخبط الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة وخصوصا حيال إيران.

وأخذ على ترامب الإقدام على خطوة هامة من هذا النوع دون التشاور مع أقرب أعوانه من سياسيين وعسكريين، وأنه قدّم لطهران على طبق من فضة فرصة ربط سوريا والعراق بخط جغرافي استراتيجي تتحكم بإدارته ويصل إلى سواحل المتوسط السورية. لكن الذي لن يغفر للرئيس الأميركي من قبل العديد من حلفائه في الداخل والخارج على ما يبدو، هو الإعلان عن قراره هذا في أعقاب اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

هل فعلا أراد ترامب هنا إقناع أنقرة بالتخلي عن قرار القيام بعمليتها العسكرية الواسعة في شمال سوريا ضد "وحدات حماية الشعب" المحسوبة على حزب العمال الكردستاني أم هو أراد من خلال ذلك استرداد دعم وثقة الحليف التركي الذي ابتعد عن واشنطن في العامين الأخيرين واقترب أكثر فأكثر من الروس والإيرانيين؟

التقارب الأخير بين أنقرة وواشنطن قد لا ينعكس سلبا بمثل هذه السهولة والسرعة على مسار العلاقات التركية الروسية لكنه سيطال شئنا أم أبينا مستقبل العلاقات التركية الإيرانية. بقدر ما سيحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جني ثمار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات من سوريا، بقدر ما سيسعى الرئيس الإيراني حسن روحاني لإبقاء بلاده أمام طاولة الملفات الإقليمية وفي مقدمتها الملف السوري.

التقارب الأخير بين أنقرة وواشنطن قد لا ينعكس سلبا بمثل هذه السهولة والسرعة على مسار العلاقات التركية الروسية لكنه سيطال شئنا أم أبينا مستقبل العلاقات التركية الإيرانية

لم تعبأ أنقرة كثيرا بإعلان الرئيس ترامب قبل أشهر من أمام منصة الأمم المتحدة سعيه لإنشاء تحالف أمني إقليمي لمواجهة طهران وسياساتها في المنطقة، وهي على العكس من ذلك أعلنت تمسكها بعلاقاتها التجارية والسياسية مع الجار الإيراني الذي تحتاجه في استيراد الغاز واستقبال آلاف السياح الوافدين من هناك، لكن الموقف التركي هذا كان قبل إعلان ترامب عن قرار سحب الجنود الأميركيين من سوريا لصالح القوات العسكرية التركية واستعداد واشنطن لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع أنقرة باتجاه المصالحة والتطبيع. ملف إيران سيكون له الثقل الأكبر في الحوار التركي الأميركي الجديد طالما أن البدائل الأخرى مثل التقارب الإيراني الخليجي أو التفاهم الإيراني الإسرائيلي الذي قد يرضي واشنطن ليس بين الاحتمالات المطروحة في هذه الآونة.

راهنت طهران على أن تنجح في إقناع موسكو بإطلاق يدها في سوريا كما فعلت مع واشنطن في العراق قبل سنوات وهي نجحت في ذلك إلى حد كبير. لكن قرار ترامب الأخير بالتحضير للمواجهة المباشرة مع إيران وسط تفاهمات إقليمية واسعة والتحرك نحو إرضاء أنقرة عبر منحها ما تريده في أكثر من ملف ثنائي وإقليمي يقلق القيادة الإيرانية اليوم. أنقرة تعرف جيدا أنها إذا ما "تغنّجت" أكثر من ذلك فقد يكون الثمن تحريك أحجار رقعة الشطرنج في المنطقة باتجاه سيناريو المواجهة التركية الإيرانية المباشرة في سوريا والعراق وهو ما يريده اليوم العديد من الدول العربية والغربية قبل أن نتحدث عن الرغبة الإسرائيلية.

تتكشف اليوم خبايا الصورة أكثر فأكثر حول أسباب قرار الرئيس الأميركي سحب القوات من سوريا. هو لا يريد أن تكون هذه الوحدات القليلة العدد والضعيفة الإمكانيات تحت رحمة الهجمات الإيرانية واستهداف حلفائها المحليين عندما تبدأ العمليات. ترامب يريد تجميع القوات وتوفير الحماية الأمنية الكاملة لها حيث تكون بعيدة عن مرمى النيران الإيرانية.

أنقرة تعرف أولا أن تمسّك طهران بتشجيع قوات النظام السوري على التحرك باتجاه مدينة منبج، مناورة سياسية وعسكرية إيرانية بأنها سترد في أي مكان يهدد مصالح أنقرة ويطيح بالانفتاح التركي الأميركي. لكنها تعرف أيضا أنها ملزمة عاجلا أم آجلا برد التحية الأميركية وقبولها لهذا الكم الكبير من الهدايا. وهي في المحصلة تدرك تماما أن واشنطن ستواصل الضغط المتزايد على إيران لمحاصرتها وتضييق الخناق عليها، لكنها أيضا ستضغط أكثر فأكثر على أنقرة لحرمانها لعب الورقة الإيرانية ضدها.

لكن أنقرة تعرف أيضا أنها ملزمة عاجلا أم آجلا برد التحية الأميركية وقبولها لهذا الكم الكبير من الهدايا

ترامب منح عبر مناورته السياسية الأخيرة الأتراك فرصة التحرك بشكل أوسع في الملف السوري خصوصا في موضوع قطع الطريق على قيام كيان كردي على الحدود التركية الجنوبية ودعوة تركيا الاستعداد للعب دور إقليمي أكبر. فهو بقدر ما أطلق يد إسرائيل لتواصل غاراتها ضد المواقع العسكرية الحساسة التابعة لإيران والنظام في العمق السوري على مسمع ومرأى الروس، يريد أن يمنح أنقرة فرصة مماثلة لتتخلص من القيود الإيرانية والروسية في سوريا واستردادها غربيا. فهل تعطيه أنقرة ما يريد؟

النقطة الغامضة حتى الآن هي معرفة ردة الفعل الروسية وإلى من ستنحاز موسكو قريبا؟ هل ستقبل بما تقوله أنقرة حول احتمال حدوث التفاهمات الإيرانية من جانب واحد مع النظام في سوريا على حساب الطرفين؟ وهل ستقتنع بما يطرحه الأتراك من طاولة حوار وتنسيق ثلاثي تجمعهما مع الطرف الأميركي لمناقشة تسويات أوسع في سوريا والمنطقة لا مكان لإيران وبشار الأسد فيها أم لا؟ ترامب يسعى في هذه المرحلة للمصالحة مع أنقرة وكسب ودها عبر إقناعها أنها ستربح أكثر وبكثير مما ستقدمه طهران لها خصوصا إذا ما نجحا في إقناع موسكو بدعم هذا المخطط. فهل تقبل تركيا بذلك؟

العقبة التي تعترض طريق أنقرة، قد تكون تجاهل القيادة التركية لحقيقة أن أي انفتاح متزايد في سياسة تركيا الإيرانية سيهدد علاقاتها بالغرب والكثير من الدول العربية والإسلامية التي راهنت على أنقرة ومواقفها الصارمة ضد طهران وسياساتها الإقليمية. لكن العقبة الأكبر والأخطر والتي قد تدعمها واشنطن إذا ما شعرت أن الأتراك يترددون ويتلكؤون في الاستجابة لما يريده ترامب، سيكون تحريك السيناريو البديل لمحاربة النفوذ التركي نفسه في سوريا عبر دمج وحدات الناتو العربي وتوفير مصالحته مع النظام والاستفادة من الغطاء الإسرائيلي الجاهز دائما لتقديم خدمات من هذا النوع ضد تركيا المتمسكة بحماية مصالح إيران الإقليمية.

قرار الانسحاب الأميركي يقدّم ترامب على أنه قرار الانسحاب من سوريا والمنطقة وترك حليفه الكردي وإسرائيل في مواجهة إيران وتركيا وروسيا. ولكن الرد الأول للرئيس الأميركي على من يقول أنه تفرد وأخطأ وتجاهل المؤسسات الأميركية هو نجاحه كما يبدو في ترك العلاقات التركية الإيرانية أمام امتحان حقيقي عبر القنبلة الجاهزة للانفجار التي رماها في قلب الساحة السورية من خلال مناورته الأخيرة.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم