45 صحيفة لـ 4 ملايين سوري... كيف كان حال الصحافة بعد الاستقلال؟

تاريخ النشر: 17.04.2019 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 18.04.2019 | 07:42 دمشق

تلفزيون سوريا - سامر قطريب - ماهر وكاع

لم تستطع المدافع الفرنسية التي قصفت أحياء العاصمة دمشق وبرلمانها عام 1945 من إسكات الصحف السورية، التي واجهت عنف سلطات الانتداب الفرنسي بدعوة السوريين إلى المقاومة وتوحيد صفوفهم، وكانت عناوينها جريئة تهاجم جميع ممارسات المندوب السامي. 

لعبت الصحافة السورية قبل الاستقلال دورا رئيسيا في تشكيل الرأي العام وقيادته في سوريا، عزز من ذلك القوانين التي أتاحت حرية التعبير والصحافة بعد دخول القوات العربية إلى دمشق عام 1918 بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، وبرز دور الصحافة لاحقا فترة الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي وصولا إلى الاستقلال.

في عام 1920 بلغ عدد المطبوعات 31 مجلة و 24 جريدة دورية، ووصل إلى أوجه في تاريخ سوريا بعد  الاستقلال في عام 1947، عقب إصدار قانون مطبوعات جديد حمل رقم 35 لعام 1949 الذي رفع الكثير من القيود على حرية إصدار و امتلاك الصحف المستقلة و الحزبية، وتخطى عدد المطبوعات في الخمسينيات 50 مطبوعة متنوعة.

طغى على توجه الصحافة السورية في تلك الفترة الطابع القومي العربي والدعوة إلى الوحدة العربية، وأيدت في افتتاحياتها الحكومة الوطنية والملك فيصل ومقررات المؤتمر الوطني السوري، ولم تظهر في تلك الفترة صحف معارضة لما يدور من أحداث سياسية بعد الاستقلال عن الحكم العثماني.

خرج آخر جندي أجنبي من سوريا في 16 نيسان 1946، ومع إطلالة اليوم التالي رفع شكري القوتلي رئيس الجمهورية، على سارية دار الحكومة علم الاستقلال السوري (علم الثورة السورية حاليا)، وتلا ذلك عرض عسكري في شارع بيروت بدمشق شارك فيه قوات رمزية من بعض الدول العربية.

في العام نفسه صدرت أولى القرار الرئاسية التي تتعلق بحرية الصحافة، وألغى القوتلي قرارا أصدره الجنرال الفرنسي متلهوزر عام 1940 كان يحدد من حجم الصحف اليومية ويخفض من عدد صفحاتها، ثم تبعه بالمرسوم التشريعي رقم 50 الذي تضمن أحكام تنظيمية تتصل بالدستور والحريات وبذلك أعطى الصحف حرية بعد أن كانت مقيدة أثناء الاحتلال الفرنسي على سوريا.

وشهدت تلك الفترة صدور عشرات الصحف في المدن السورية، ويقول شمس الدين الرفاعي مؤلف كتاب تاريخ الصحافة السورية إنه بلغ عدد الصحف اليومية والأسبوعية سنة 1948، نحو 45 دورية، في بلد عدد سكانها 4 ملايين نسمة.

هذا العدد من الصحف لا يعني اقتصار نشاط الصحافة على نهاية الاحتلال الفرنسي، فبعد انتهاء الحقبة العثمانية 1918 وحتى 1947 قرأ سكان دمشق الأخبار في أكثر من 60 صحيفة يومية، صدرت خلال فترات متقطعة، بينما شهدت حلب صدور نحو 47 صحيفة يومية، وحمص 10 صحف، كان 4 منها يصدر بالغة الفرنسية، كما صدرت صحيفة باللغة الأرمنية (يبرد) و3صحف بالغة التركية في الإسكندرونة واللاذقية.

 

الصحف في مرحلة الانتداب الفرنسي

احتلت فرنسا سوريا عام 1920، ودخل جيشها إلى العاصمة دمشق في تموز من العام نفسه، وأنهت الحكم الوطني،  لتبدأ مرحلة الانتداب برئاسة الجنرال غورو أول مفوض سام في سوريا.

عارضت الصحف السورية سياسات الاحتلال الفرنسي وممارساته، فعمل "غورو" على إصدار قوانين تقيد عمل الصحافة وتقمع حرية التعبير، لتدخل سلطات الانتداب في مواجهة مباشرة مع الصحافة التي دعت إلى الاستقلال وإنهاء الانتداب ما أدى إلى إغلاق الكثير من الصحف ومنع توزيعها واعتقال صحفييها.

ومن الموضوعات التي تناولتها الصحافة في تلك الفترة تعزيز حرية الصحافة والحريات الشخصية وتأسيس قضاء حر ومستقل، والعمل على وحدة الأراضي السورية، ومن أشهر الصحف حينها "المقتبس".
 

الصحف السورية تواجه الاحتلال

اندلعت الثورة السورية الكبرى عام 1925 في جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش، وواجتها سلطات الانتداب بكل وسائل العنف، وانتقدت صحيفة المقتبس في دمشق الممارسات القمعية والعنف الذي مارسه الجيش الفرنسي، ووقفت إلى جانبها في الشمال السوري صحيفة "سوريا الشمالية" ما دفع سلطات الاحتلال إلى إغلاقها عام 1926.

لم تقف ممارسات الاحتلال عند قمع حركات التحرر الوطني بل تعدتها إلى سن القوانين ووضع دستور للبلاد، وانعكس ذلك بشكل مباشر على عمل الصحافة السورية التي توحدت لمواحها سياسة التقسيم والتفرقة التي انتهجتها فرنسا، ومن بين تلك الصحف (فتى العرب والمرصاد والشعب و الاستقلال والأيام).

أقر الانتداب الدستور ثم عمل على إحداث دساتير على أساس مناطقي في "جبل العلويين وجبل الدروز"، وردا على ذلك دعت الصحف إلى إضراب في حزيران من العام 1930، و حقق الإضراب نجاحا وأجبر المفوض السامي الفرنسي على نقل مطالب السوريين إلى الحكومة الفرنسية، وكان الإضراب دليلا على قدرة الصحف السورية تلك الفترة في قيادة الرأي العام السوري وتوحيده والتأثير به.

ورغم التوجه الواحد للصحف السورية المعارض للاحتلال وسياساته، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور صحف كان لها خط سياسي مختلف عن الصحف المذكورة، ويمكن تقسيم الصحف إلى صحف وطنية معارضة للاحتلال الفرنسي مثل (القبس والأيام والمقتبس والنذير الحلبية و وسوريا الشمالية).

وصحف أخرى وصفت بالاعتدال مثل صحيفة (ألف باء) في دمشق وصحيفة (التقدم)في حلب، إضافة لظهور صحف مؤيدة للاحتلال الفرنسي رغم قلتها مثل بريد سوريا والأصداء وصحيفة لاسيري البيروتية باللغة الفرنسية.

 

صحافة تكسر قيود الرقابة

عام 1936 تم توقيع "معاهدة الاستقلال" بين وفد مفاوض سوري وسلطات الاحتلال، ونصت على استقلال سوريا خلال ثلاث سنوات وضم "جبل الدروز وجبل العلويين" إلى الدولة السورية وبدء فترة حكم انتقالي، وتحدثت افتتاحية صحيفة القبس عن الحدث تحت عنوان " مات الانتداب ومات العائشون معه".

إلا أن هذه الفترة شهدت أيضا تقييدا كبيرا ورقابة على الصحافة تحت عنوان "مصلحة الدولة العليا" غداة انقسام فرنسا بين قوات فيشي وقوات فرنسا الحرة.

مماطلة فرنسا بتحقيق مطالب السوريين في الاستقلال أدت إلى اندلاع احتجاجات حاشدة عام 1945، ودارت اشتباكات بين الثوار والقوات الفرنسية، قام خلالها الجيش الفرنسي بقصف دمشق ومقر البرلمان،

ولم تجد الصحف وقتها خيارا غير تكسير قيود الرقابة المفروضة عليها وهاجمت من خلال افتتاحياتها مقالاتها الممارسات والسياسة الفرنسية في سوريا، وكتب الصحفي السوري نجيب الريس(الذي اعتقلته السلطات الفرنسية عام 1922) افتتاحية "القبس" تحت عنوان " انهزموا في بلادهم فجاؤوا يحاولون النصر في بلادنا".

بعد حصول سوريا على استقلالها في 17 من نيسان 1947، بدأت مرحلة أخرى في حياة الصحافة السورية فرضتها التغيرات السياسية على الصعيد الداخلي والدولي، فكانت الانقلابات العسكرية ترسم دورة حياة الصحف حسب توجه الحاكم العسكري، من إغلاق لصحف وفتح أخرى وسن قوانين تقمع حرية الصحافة، إلى أن انتهى زمن الانقلابات العسكرية عام 1954، وبدأ عهد جديد من قمع الحريات العامة والرقابة على عمل الصحافة فترة الوحدة بين سوريا ومصر.

ولاحقا مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، تم التأسيس لنهج خاص لمراقبة الصحافة وتسيسها تحت سيطرة الحكومة وأذرعها الأمنية، وتجلى ذلك في خطاب  وزير الإعلام حينها أحمد اسكندر لـ مجموعة من الصحفيين" أريد ان يكون الإعلام السوري كله مثل فرقة سيمفونية يقودها مايسترو هو وزير الاعلام وكل عازفيها ينظرون الى العصا التي يحملها المايسترو و يعزفون حسب حركتها ".

 

المصادر:  الصحافة السورية بين خلافتين - عبد الله أمين الحلاق

             المركز السوري للإعلام وحرية التعبير 

             تاريخ الصحافة السورية - شمس الدين الرفاعي


 

مقالات مقترحة
"الصحة العالمية": تأخير موعد تسليم لقاحات "كورونا" إلى سوريا
تركيا.. أعلى حصيلة إصابات يومية بكورونا و"الداخلية" تصدر تعميماً
كورونا.. 7 وفيات و104 إصابات جديدة في مناطق "النظام"