19 عاماً على تحرير جنوب لبنان: ذهب الاحتلال وجاءت الهيمنة

19 عاماً على تحرير جنوب لبنان: ذهب الاحتلال وجاءت الهيمنة

الصورة
من احتفالات التحرير في أيار 2000 (أرشيف - فرانس برس/ getty)
26 أيار 2019

يوسف بزي

كاتب وشاعر وصحافي لبناني.

تحلّ اليوم ذكرى تحرير ما كان يسمى "الشريط الحدودي" في جنوب لبنان (25 أيار 2000). فقبل 19 عاماً، قررت إسرائيل الانسحاب من دون مفاوضات، أي بلا قيد أو شرط، من المناطق التي كانت تحتلها في لبنان، معلنة تنفيذها القرار الأممي 425.

وكان مجلس الأمن قد أصدر ذاك القرار، إثر الاجتياح الإسرائيلي الأول في آذار 1978، وتوغله مسافة 40 كيلومتراً حتى حدود المجرى الجنوبي لنهر الليطاني، طارداً "الفدائيين" الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين بعيداً عن الحدود، بذريعة وقف عمليات التسلل إلى داخل إسرائيل كما عمليات قصف المستوطنات القريبة.

وكان هذا الاجتياح متداخلاً ومتضافراً مع إرادة إسرائيلية في المساهمة بمسار "الحرب الأهلية" اللبنانية، وهي المبتدئة عملياً في العام 1976 بدعم ميليشيات "جبهة اللبنانية" (اليمين المسيحي، اصطلاحاً). وكانت المنطقة الجنوبية التي احتلتها آنذاك، قد شهدت في سياق الحرب الأهلية معارك قرى وبلدات ومواجهات دامية بين منظمات فلسطينية ولبنانية يسارية وعروبية وإسلامية من جهة، ومنظمات لبنانية مسيحية وسرايا من الجيش اللبناني من جهة أخرى. فكان هذا الاجتياح أشبه بـ"نجدة" للآخيرين، الذين سرعان ما سيألفون ما سيدعى لاحقاً "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة الضابط اللبناني سعد حداد، برعاية ودعم وتدريب وتسليح وأمرة الإسرائيليين.

وكان أهل الجنوب بأكثريتهم الشيعية، كما أبناء الجيش اللبناني، تنازعهم عداوة معلنة لإسرائيل ونقمة مكبوتة من الاستباحة المسلحة الفلسطينية لقراهم وحياتهم اليومية كما من أعمالهم العسكرية العبثية التي تستجلب انتقاماً إسرائيلياً مدمراً منذ العام 1969 (اتفاق القاهرة المشؤوم، الذي قضى بحرية "العمل الفدائي" وتخلي لبنان عن سيادته على الحدود). وكان يحدوهم أمل قديم وخائب أن تحتضنهم الدولة المركزية، التي لطالما أهملتهم وتركتهم في حرمان تنموي مديد. وعلى هذا التنازع والحيرة والخيبة، انضم بعض أولئك الشيعة أيضاً إلى "جيش العملاء".

على هذا النحو استتب لإسرائيل السيطرة على تلك المنطقة. وفي ذاك الوقت، كانت قوات النظام الأسدي قد دخلت لبنان عام 1976، وفق الاتفاق الشهير بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر، بما يضمن احتواء منظمة التحرير الفلسطينية و"الحركة الوطنية اللبنانية" وكسرهما عسكرياً، تحت شعار "حماية المسيحيين" و"فرض السلام" و"مساعدة الدولة اللبنانية على بسط الأمن والاستقرار"، وبتعهد عدم تجاوز الخط الأحمر الذي وضعه الإسرائيليون عند مصب نهر الأولي على التخوم الشمالية لمدينة صيدا.

ظلت مفاعيل اتفاق كيسنجر - الأسد سارية حتى فجر السادس من حزيران 1982. كانت الحرب الباردة في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان في أوجها، وكانت إسرائيل قد أنجزت اتفاقية كامب ديفيد مع مصر وانسحبت من سيناء، كما كان العراق ودول الخليج العربي في ذروة الحرب الشرسة مع إيران. كل الظروف كانت مواتية للقضاء على منظمة التحرير وإضعاف الأسد وإلحاق هزيمة معنوية وسياسية بالاتحاد السوفياتي، ومساعدة اليمين المسيحي اللبناني (بقيادة بشير الجميّل) على استعادة الحكم والإمساك بالدولة اللبنانية، تمهيداً لـ"تصفية القضية الفلسطينية"، ولفرض مفاوضات سلام مع الأسد شبيهة بمفاوضات السادات، وعقد معاهدة سلام مع لبنان وعودته إلى صلته التقليدية بالغرب وإلحاقه بفلك حلف شمال الأطلسي.

اندفعت ألوية الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. وخلال خمسة أيام كانت قد ألقت هزيمة مريعة بالجيش السوري

في ذاك اليوم الصيفي اندفعت ألوية الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. وخلال خمسة أيام كانت قد ألقت هزيمة مريعة بالجيش السوري، طيراناً ومدرعات ومشاة. كما تهاوت خطوط الدفاع الفلسطينية – اللبنانية على نحو مخز. في أقل من أسبوع كان الجيش الإسرائيلي قد بدأ بحصار بيروت. وفقط فيها استطاع المحاصرون الصمود لمدة شهرين ونصف الشهر، قبل أن يتم الاتفاق برعاية أميركية أوروبية على ترحيل المنظمات الفلسطينية وتوزعها على عدد من الدول العربية، وعلى إلقاء المنظمات اللبنانية لسلاحها. فيما بقي الجيش السوري محصور الانتشار ما بين وسط البقاع وشماله بالإضافة إلى سيطرته على المناطق الشمالية من لبنان (عكار وطرابلس).

لم يُكتب للسيناريو الإسرائيلي – الأطلسي النجاح، فقد رد الاتحاد السوفياتي بتعويض الأسد كل خسائره وشجعه أيضاً على إعادة تسليح المنظمات اليسارية والعروبية والإسلامية اللبنانية، بالإضافة إلى احتضان الأسد المنظمة الإسلامية الشيعية التي أسسها الحرس الثوري الإيراني في بعلبك (النواة الأولى لـ"حزب الله). والأهم، هو وقوع حدثين حاسمين: بدافع رفض أن تكون نهاية الحرب الأهلية بانتصار "اليمين المسيحي"، كما بدافع رفض الهزيمة والاحتلال الإسرائيلي، انطلقت في 16 من أيلول 1982 "رسمياً" أعمال المقاومة بسلسلة عمليات عسكرية ضد دوريات ومواقع الجيش الإسرائيلي في بيروت الغربية، أجبرته على الانسحاب سريعاً منها. وقبل ذلك بيومين فقط كان حبيب الشرتوني قد اغتال الرئيس المنتخب بشير الجميل في عملية تفجير خطط لها ببراعة الجهاز السري للحزب السوري القومي الاجتماعي بالشراكة مع جهاز المخابرات السورية (ويقال بمساعدة سوفياتية). وعلى الأثر، قامت ميليشيا "القوات اللبنانية" بقيادة إيلي حبيقة، وميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا انتقاماً لمقتل الجميّل، تحت أنظار ومراقبة وتشجيع أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي.

بعد ذلك، قام التنظيم الشيعي الوليد بسلسلة عمليات "انتحارية" استهدفت المقر الرئيسي للقوات الأميركية بالقرب من مطار بيروت ومقر القوات الفرنسية، ثم مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة صور، وبعدها تفجير السفارة الأميركية. كما توسعت عمليات المقاومة، التي بدأ يصلها المدد من دمشق مروراً بالبقاع، لتشمل عملياتها معظم المناطق التي يحتلها الإسرائيليون. وفي الوقت نفسه، واستئنافاً للحرب الأهلية ستبدأ الصدامات الدموية بين الدروز والمسيحيين في جبل لبنان، تحت شعار مزدوج "طرد الاحتلال الإسرائيلي وكسر حلفائه المسيحيين". وأيضاً، وفي خضم هذه الفوضى الناشبة، سيتسلل ياسر عرفات مع بعض قواته عائداً إلى مدينة طرابلس وجوارها، ومحاولاً إعادة تنظيم ما بقي من قوات له في البقاع، لتبدأ حرب خاصة بين الأسد وعرفات لا تقل ضراوة عن الحروب الأخرى.

تحت وقع كل هذا، سينسحب الإسرائيليون من الجبل ومن محيط بيروت، وستنسحب كل القوات الأطلسية بعد فشلها بكبح الاندفاعة العسكرية الآتية من البقاع والتي ستجتاح الجبل وصولاً إلى قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وتمنعها عن التورط في حرب باتت أهلية، خصوصاً بعد اكتشافها ضعف الجيش اللبناني الحليف والميليشيا المسيحية أيضاً. كما ستنهار "مفاوضات السلام" بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، ويسقط اتفاق 17 من أيار 1983.

تداخلت الحرب الأهلية مع "المقاومة الوطنية" ضد الاحتلال مع "العودتين" السورية والفلسطينية

تداخلت الحرب الأهلية مع "المقاومة الوطنية" ضد الاحتلال مع "العودتين" السورية والفلسطينية إلى الساحة الفلسطينية، مع ولادة منظمة أيديولوجية – دينية جديدة هي بداية تصدير الثورة الإيرانية الخمينية، لتكون عنواناً جديداً لفصل شديد العنف والقسوة، وتحولاً سياسياً واجتماعياً بالغ العمق والأثر في الجماعة الشيعية اللبنانية المتنامية عدداً ومقدرة ودوراً داخل التركيبة اللبنانية.

في هذه المعمعة، التي ستجدد الحرب الأهلية على نحو طائفي ومذهبي صريح، مكللة بمذابح شاملة وبتطهير سكاني، كما ستجدد أيضاً الصراع الأبدي العرفاتي – الأسدي بدموية شاملة (من معارك البقاع وطرابلس إلى حرب المخيمات لاحقاً)، ما كان ممكناً فصل "المقاومة" عن هذا السياق، بوصفها جزءاً من حرب الاستحواذ على لبنان والصراع عليه. مع ذلك، استطاعت المقاومة في أقل من ثلاث سنوات أن تفرض على الإسرائيليين انسحاباً واسع النطاق باتجاه الجنوب.

كان هذا الانتصار مقلقاً للأسد بقدر ما كان مهيناً للإسرائيليين. فالفصائل الأساسية للمقاومة كانت الأحزاب اليسارية (الحركة الوطنية سابقاً) التي لا تفك علاقاتها لا بعرفات ولا بأنظمة عربية داعمة لها كليبيا والجزائر عدا عن صلة الشيوعيين منهم المباشرة بالسوفيات، بما لا يناسب الأسد رغبته الثابتة بالإمساك بلبنان كما بمنظمة التحرير كما بصون دوره الإقليمي والدولي بوصفه الممسك بكل شيء. لقد باتت ورقة "المقاومة" بالغة الأهمية له.

ابتداء من العام 1985، سيبدأ حافظ الأسد بالتحالف مع إيران ومنظمتها المحلية، في حرب تصفيات متعددة الجبهات داخل لبنان: "العرفاتيين"، البعثيين العراقيين، الأحزاب الناصرية (أهمها "المرابطون")، الأحزاب اليسارية. سيبدأ التباين بين الأسد و"الاشتراكي" القائد الدرزي وليد جنبلاط، في لحظة تشهد انشقاق إيلي حبيقة ("بطل" صبرا وشاتيلا) ودخوله بالفلك الأسدي. وسيتولى ما سيعرف باسم "حزب الله" لاحقاً، اغتيال نخبة سياسيين ومفكرين وقادة عسكريين يساريين، وسيخوض بالتعاون مع "حركة أمل" الشيعية أيضاً، حرباً لتصفية كل المجموعات العسكرية والفصائل التي شكلت "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية". وفي مرحلة لاحقة ستندلع "حرب الأخوة" بين أمل وحزب الله على مدار سنتين ضاريتين، في الوقت نفسه الذي كان "أمل" تُستنزف في "حرب المخيمات" ضد الفلسطينيين، وهي غارقة في معارك نفوذ يومية في شوارع بيروت، بما سينهيها عسكرياً في نهاية الثمانينات.

كان حزب الله يستثمر في هذا كله وينمو ببطء وثبات، ويشتغل على ضفتي السرية والعلنية، ويقوى بالدعم الإيراني الضخم، فيستأثر شيئاً فشيئاً بـ"المقاومة" ويسدد ضربات قاتلة للغرب وللأميركيين، عبر خطف الأجانب والطائرات المدنية والعمليات الخارجية، المتصلة بأجندة إيرانية ستتضح مع "إيران غيت" الشهيرة. كما سيباشر عملاً هائلاً في أدلجة المجتمع الشيعي وإعادة تشكيله فكرياً وشعورياً وسياسياً وتربوياً وطقوسياً، كمجتمع منتظم ومتناغم عقائدياً. وستكون "المقاومة" التي احتكرها هي المصهر الذي يصنع نسغ الجماعة وذاكرتها وروايتها "التأسيسية"، التي لا بد من أن تفرض إعادة نظر جذرية في تركيبة الكيان اللبناني.

أصبحت "المقاومة" مشروعاً استراتيجياً إيرانياً – سورياً (حزبلاهياً) لا يمكن التفريط به

على هذا المنوال، أصبحت "المقاومة" مشروعاً استراتيجياً إيرانياً – سورياً (حزبلاهياً)، لا يمكن التفريط به، ليكون حجر الأساس لـ"محور الممانعة" وضمان مصادرة لبنان تماماً لصالح هذا المحور.

عام 1993، وبالترابط بين مجريات مفاوضات السلام المتعددة المسارات، والمنطلقة قبل سنتين في مدريد، وتنامي أعمال "المقاومة الإسلامية" (حزب الله) المؤلمة للجيش الإسرائيلي، ورغبة الإسرائيليين أيضاً بفصل المسار اللبناني عن السوري، اقترحوا الانسحاب من جنوب لبنان على أن ينتشر الجيش اللبناني وحده هناك. تولت فرنسا إبلاغ الحكومة اللبنانية بهذه الفحوى. واستجاب فوراً الرئيسين رفيق الحريري والياس الهراوي للفكرة وأوعزا للجيش اللبناني بالإنطلاق نحو الجنوب. جن جنون السلطة السورية التي أمرت الجيش اللبناني بعدم التحرك، وبدأ حزب الله بقصف شمال إسرائيل وطار عبد الحليم خدام إلى باريس لتعطيل المبادرة. وانتشر شعار "وحدة المسار والمصير" و"لا لاستفراد سوريا أو لبنان" و"وحدة الجنوب والجولان". رد الإسرائيليون باجتياح ناري سمي "تصفية الحساب"، ألحق دماراً هائلاً في لبنان، بلحظة انهماكه بإعادة البناء والإعمار، وسبب تهجيراً واسع النطاق، وسقوط مئات القتلى. ومن يومها تم منع الحديث أو الكتابة عن القرار 425.

هكذا تأجل "التحرير". في العام 1996، حيث مرة أخرى وفي ذروة تأزم المفاوضات السورية الإسرائيلية ورفض الأسد للعروض الأميركية، ومحاولة منه ومن الإيرانيين لضرب المسار الفلسطيني، كانت عمليات التفجير القاتلة تضرب الداخل الإسرائيلي (حركة حماس والجهاد الإسلامي)، فيما يصعّد حزب الله عملياته لتتحول إلى قصف واسع للمستوطنات الشمالية. قرر الإسرائيليون تغيير هذا الواقع، فشنوا حرب "عناقيد الغضب" بمحاولة لكسر حزب الله وتغيير الموقف السوري وإعادة لبنان إلى المفاوضات. أدت الحملة الشعواء إلى المزيد من الدمار في البنية التحتية اللبنانية وخراب واسع النطاق في معظم قرى الجنوب وسقوط مئات القتلى. كان الثمن باهظ الثمن على المجتمع وعلى الاقتصاد وفي الأرواح والممتلكات. انتهت تلك الحملة بما عرف بـ"تفاهم نيسان" (برعاية فرنسية أميركية) اعتُبر مكسباً سياسياً للبنان ولرفيق الحريري شخصياً، لأنه نصّ على تحييد المدنيين بما يحرم الإسرائيليين من سلاح معاقبة السكان وخراب بيوتهم، لكن أيضاً بما يحرم "حزب الله" (والنظام السوري) من سلاح "قصف المستوطنات". وهذا سيكون بداية الحقد الأسدي على الحريري.

في أواخر ربيع العام 2000، وبعد الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ والمحدود من منطقة جزين، بات واضحاً تصميم الإسرائيليين على الانسحاب الكامل، يومها قال الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، إن الإسرائيليين يمارسون حماقة إن انسحبوا لأنهم يضعون المقاومة على حدودها، فيما كان تصريح فاروق الشرع أن "الانسحاب من طرف واحد هو مؤامرة". مؤامرة على وجهين: الرعب من فكرة فصل المسارين، والرعب من استحقاق انسحاب الجيش السوري بعد سقوط ذريعة تأجيله (الذي نصّ عليه اتفاق الطائف عام 1989)، بحجة وجود الاحتلال الإسرائيلي.

حدث الانسحاب يوم 25 أيار عام 2000، وكان التحرير من الاحتلال، لكن وبعد 19 عاماً ما زال لبنان وجنوبه رهين إرادة "محور الممانعة" في لعبة الحرب والحدود المستباحة، رهين الوصاية السورية – الإيرانية (الحزبلاهية)، وها هو الآن "ورقة" كاليمن والعراق وسوريا بيد الحرس الثوري يقامر بمصير شعوب ودول من أجل ديمومة نظام الملالي ومشاريعه النووية.

شارك برأيك