14 شباط.. بين اغتيال رفيق الحريري ولقمان سليم وتبرئة قاتل لبنان

تاريخ النشر: 14.02.2021 | 19:55 دمشق

آخر تحديث: 14.02.2021 | 20:19 دمشق

إسطنبول ـ تلفزيون سوريا

في الـ11 من أيلول 2018 جددت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري اتهامها لنظام الأسد وحليفه "حزب الله" بارتكاب عملية الاغتيال بحق الحريري قبل 16 عاماً، في مثل هذا اليوم، الـ14 من شباط 2005، بانتظار الحكم النهائي الذي كان من المفترض أن يتم النطق به في مطلع عام 2019.

وذكر الادعاء أمام المحكمة الدولية في لاهاي حينها أن عملية اغتيال الحريري "جرت في أجواء رافضة للوجود السوري في لبنان، وأن نظام الأسد في صلب مؤامرة اغتيال الرئيس رفيق الحريري" مضيفاً أن "الأدلة التي تدين المتهمين باغتيال الحريري دامغة".

كما أن المحامي العام لدى المحكمة الدولية أكّد آنذاك أن "حجم الاتصالات وهواتف المتهمين التي توقفت عن التشغيل في وقت واحد تعكس التخطيط لتنفيذ المخطط، وعلى الرغم من محاولات حجب اتصالات المجرمين إلا أننا تمكنّا من تحليلها".

وخلص المحامي إلى فكرة مفادها أن "لبنان دخل في مرحلة من الظلم والرعب والعنف منذ اغتيال الحريري".

نعم لقد دخل لبنان في نفق مظلم ومخيف بعد اغتيال الرئيس الحريري نتيجة هيمنة "حزب الله" وإيران على الساحة اللبنانية خلال السنوات الـ16 الأخيرة، ولكن إلى ماذا خلصت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في نهاية المطاف؟

حكمٌ بلا محكوم!

في الـ11 من كانون الأول الماضي، أي بعد مضي ما يقرب من 16 عاماً على حادثة اغتيال الحريري، وأكثر من 13 عاماً على موافقة الأمم المتحدة إنشاء المحكمة الخاصة بحادثة الاغتيال (31 أيار 2007)، وقرابة 12 عاماً على انعقاد أولى جلساتها (آذار 2009) التي بلغت 412 جلسة؛ أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حكماً غيابياً بحق المدعو "سليم عياش" أحد أعضاء "حزب الله"، بتهمة قتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

وبرأت المحكمة المتهمين الثلاثة الآخرين (غيابياً أيضاً)، وهم حسن حبيب مرعي، وحسين حسن عنيسي، وأسد حسن صبرا، وقررت أنه لا دليل على أن "قيادة حزب الله" كان لها دور في اغتيال الحريري، وكذلك لا دليل مباشر على ضلوع نظام الأسد في الجريمة.

وبحسب الوثائق التي نشرتها شبكة BBC البريطانية، فإن سليم عيّاش وُلد 1963 في قرية "حاروف" جنوبي لبنان ووالده جميل دخيل عيّاش ووالدته محاسن عيسى سلامة، يحمل الجنسية اللبنانية ويقيم في منطقة الحدث جنوبي العاصمة بيروت.

مَن هو "سليم عيّاش" المُدان الوحيد باغتيال رفيق الحريري؟

وكان سليم جميل عياش قد أدين في آب الماضي، مع الثلاثة الآخرين، بـ "ارتكاب عمل إرهابي فيما يتعلق بمقتل الحريري و21 آخرين"، وجرت محاكمته غيابياً وهو لا يزال طليقاً.

أما التهم التي وجّهت لـ عياش فهي: مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي، وارتكاب عمل إرهابي باستخدام أداة متفجّرة، وقتل رفيق الحريري مع سبق الإصرار والترصد باستعمال مواد متفجّرة، وقتل 21 شخصًا آخرين عمداً باستعمال مواد متفجّرة، ومحاولة قتل 226 شخصًا عمداً باستعمال مواد متفجّرة.

ووفقاً لتلك التهم، حكمت المحكمة بخمس عقوبات سجن مؤبد على عياش (56 عامًا).

ولعل من أكثر الأمور المثيرة للسخرية، يتمثل في ترحيب "حزب الله" ونظام الأسد للنتيجة، كونها برّأتهم، بالرغم من رفض الـ حزب والنظام الاتهامات طيلة المحاكمات، وعدم اعترافهما بالمحكمة، واتهامهما لإسرائيل في ارتكاب جريمة الاغتيال!

اغتيال الرئيس الحريري.. الدوافع والمآلات

عقب موت حافظ الأسد وتسلّم بشار رئاسة النظام في سوريا، منتصف 2000، تعالت الأصوات المطالبة بانسحاب قوات النظام من لبنان من قبل مختلف الأطراف اللبنانية المناهضة لنظام الأسد وأتباعه في لبنان. كما طالبت قوى المعارضة السورية بذلك الانسحاب أيضاً، وخصوصاً بعد الغزو الأميركي للعراق 2003.

وردّاً على ذلك، راح بشار الأسد يعمل على دعم "حزب الله" في لبنان بشكل غير مسبوق، فاق أضعاف ما قدّمه أبوه للحزب منذ تأسيسه في بداية الثمانينيات، وذلك بغرض تمكين دوره السياسي في المجتمع اللبناني إضافة إلى العسكري، ما يعزّز وجود النظام وتحكمه في مفاصل البلد بصورة أقوى من السابق.

لم يتمكن نظام الأسد من بسط سيطرته الكاملة على لبنان، عبر "حزب الله" ورئيسه "حسن نصر الله"، في ظل وجود الشخصية الأقوى في الساحة اللبنانية آنذاك، رئيس الحكومة، رفيق الحريري، صاحب القاعدة الشعبية الأوسع في لبنان، ورجل التوافقات العربية الخليجية والغرب عموماً.

اقرأ أيضاً: مسؤولون لبنانيون يعلقون على قرار المحكمة الخاصة باغتيال الحريري

حينها، لم يكن أمام رئيس النظام سوى تدبير عملية الاغتيال الأقسى في تاريخ لبنان والشرق الأوسط التي ما يزال صداها مدوياً منذ عام 2005 حتى هذا اليوم، لتغدو انعكاساتها السياسية والأمنية والطائفية على لبنان أشدّ مما كانت عليه أيام الحرب الأهلية، فعلى الرغم مما تمخّض عنها من إجبار لنظام الأسد على سحب قواته من لبنان، إلا أنه أحلّ محله أجهزة حزب الله وإيران الطائفية لتصبح القوة المسيطرة والمتحكمة في مصير لبنان من دون منازع.

وفي صبيحة يوم الـ 14 من شباط 2005، زار رفيق الحريري مجلس النواب ثم مقهى "كافيه دي ليتوال" لمدة عشرين دقيقة. غادر المقهى في موكب من ست سيارات واتبع طريقًا ظل سريًا حتى اللحظة الأخيرة.

وبعد ست دقائق ونصف من مغادرة المقهى، مع اقتراب الموكب من فندق سان جورج على الكورنيش، انفجرت شاحنة مفخخة، ودمرت الموكب.

 

hariri1-730x438-1.jpg

 

خلّف الانفجار حفرة بعرض ثلاثين قدماً في الكورنيش. قُتل ما مجموعه 22 شخصًا، بينهم الحريري، وأصيب 220 آخرون. واشتعلت النيران في عشرات السيارات، وهدمت عدة مبان.

وأعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام" مسؤوليتها عن الانفجار. والتي لم يسمع عنها من قبل

فاتحة اغتيالات الأسد الابن في لبنان

شكّل اغتيال الحريري العملية الأشد تأثيراً على لبنان من بين عمليات نظام الأسد الابن، وأقذرها، إلا أنها لم تكن الوحيدة؛ إذ طالت الاغتيالات عدداً من السياسيين والإعلاميين اللبنانيين خلال ذلك العام، كـ "جورج حاوي" الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني في الـ21 من حزيران 2005 بوساطة تفجير لاسلكي لقنبلة وضعت تحت مقعده في سيارته في العاصمة بيروت.

كان حاوي قد استقال من رئاسة الحزب الشيوعي سنة 1993، وجعل لنفسه مسافة من النظام السوري، متابعًا مواقفه التي بدأها مع الحركة الوطنية اللبنانية التي كان أحد أركانها مع زعيمها كمال جنبلاط قبل اغتياله على يد نظام الأسد -الأب- أيضاً، عام 1976، ووقف ضد دخول الجيش والأمن السورييْن إلى لبنان في سبعينيات القرن الماضي، بيد أن نظام الأسد الابن لم ينسَ مواقف حاوي وبقي قلقاً منه حتى نفّذ بحقه عملية الاغتيال، ووجه رفاق جورج أصابع الاتهام إلى حزب الله ورئيسه حسن نصر الله

قبل اغتيال حاوي بأيام، في الـ 2 من حزيران 2005 انفجرت سيّارة أخرى في حي الأشرفية البيروتي بعبوة ناسفة زرعت أسفلها، فأودت بحياة الصحافيّ والكاتب اللبناني "سمير قصير" الذي كان ينتقد كل ما كان يعتبره مسيئاً إلى الوطنية والحرية مباشرة بكلمات واضحة تتناول صلب القضايا الساخنة، وتحدى الأجهزة الأمنية والرقابية في مقالاته، ولم يقتصر نشاطه بلبنان، وإنما فتح أمام المثقفين في دول عربية عدة، لا سيما مثقفي المعارضة السورية، باب صفحات "النهار" وملحقها الثقافي.

 وهاجم قصير نظام الأسد من خلال مقالة في صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية متهماً إياه بعرقلة مسيرة السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، وذلك قبيل اغتياله بمدة قصيرة.

وفي الـ12 من كانون الأول 2005، اغتيل الصحافي والنائب "جبران تويني"، رئيس تحرير صحيفة النهار، بتفجير سيارة مفخخة أثناء مرور سيارته، ويعتبر جبران أحد أهمّ الأسماء التي ناهضت عهد الوصاية السورية على لبنان.

أضف إلى ذلك عدداً من محاولات الاغتيال التي لم تنجح، منها على سبيل المثال محاولة اغتيال الوزير والنائب "مروان حمادة" والإعلامية "مي شدياق".

وصولاً إلى لقمان سليم

في الـ4 من شباط الجاري، عاد مسلسل الاغتيالات مجدداً عبر استهداف الناشط والباحث السياسي اللبناني لقمان سليم، المعروف بمعارضته الشديدة لـ حزب الله، حيث عُثر على جثته مقتولاً في سيارته في منطقة العدوسية جنوبي لبنان.

ويدير لقمان سليم، ابن الطائفة الشيعية، منظمة "أمم" للتوثيق الحقوقي، ويعتبر ناشرًا وناشطًا اجتماعيًا وسياسيًا لبنانياً مستقلًا، يعمل في الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان سليم قد أخرج فيلم "تدمر" الذي يتضمن روايات مجموعة من المعتقلين اللبنانيين السابقين خلال الفترة التي قضوها في سجن تدمر أحد أسوأ سجون نظام الأسد سمعةً.

اقرأ أيضاً: اغتيال لقمان سليم.. صوت وطني غرد بلبنان خارج سرب حزب الله

ولعل من أهم الدلائل على قتل حزب الله لـ سليم، البيان الذي حذر فيه لقمان سليم نفسه، من محاولات اغتياله منذ أواخر عام 2019، حيث أصدر بياناً في الـ13 من كانون الأول 2019، حمّل فيه المسؤولية لكل من "حسن نصر الله" و"نبيه برّي" أمين عام "حزب أمل"، تجاه أي مكروه يحدث له أو لعائلته، ومطالباً القوى الأمنية اللبنانية بحمايته، تلك القوى الأمنية التي لم تتمكن من حماية من اغتيلوا قبله، والتي تدار أصلاً من قبل قادة الاغتيال.