ليس الخطر في دير الزور هو العائق أمام انتقال الديريين بين ضفتي نهر الفرات، عبر الجسر الخشبي الواصل من الضفة الشرقيّة إلى الضفّة الغربيّة لنهر الفرات، فقد اعتادوا على عبور الخطر منذ تحرير المدينة، إنّما عامل الوقت يشكّل الضغط الأكبر، إذ يحتاج أصحاب مئات السيّارات على الضّفتين إلى أكثر من أربع ساعات لعبور جسر لا يتجاوز طوله 100 متر كحدّ أقصى.
ولطالما ارتبط نهر الفرات بذاكرة أبناء دير الزور الاجتماعيّة والاقتصاديّة والوجدانيّة، وهذا ما انعكس على فلكلورهم لاسيما في الأغاني الخاصّة بوادي الفرات، أو ما يطلق عليها "الأغاني الفراتيّة" كالموليا والماني والعايل، لكن هذا الارتباط الوجداني، وعبور الجسور للعمل أو التجارة أوحتى لصلة الرحم ماعاد بهذه السهولة، إذ يحتاج إلى انتظار دور يمتدّ في بعض الأحيان إلى أكثر من كيلومتر على جانبي النهر.
وفي حين تداولت صفحات التواصل الاجتماعي أخبار عن محاولات إعادة تأهيل بعض الجسور في المحافظة بريفيها الشرقي والغربي، إلا أنّ المدينة مازالت تتكئ على الجسر الخشبي الوحيل الواصل بينها وبين منطقة الحسينيّة في الضفّة المقابلة، حيث يقف شرطيي المرور على طرفي الجسر، يوقف أحدهم السير لتعبر سيّارات الطرف الآخر، ثم تتوقّف لتعبر سيّارات من الطرف الأوّل.
يقول سائق إحدى الشاحنات الصغيرة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه ينتظر منذ نحو أربع ساعات لكن لم يحن دور عبوره حتى الآن، مضيفًا أنّه يعمل في مجال نقل البضائع، ويتكرر هذا المشهد معه يوميًا، ما ينعكس خسائر مادية مباشرة عليه وعلى التجار الذين يتعامل معهم، موضحا أنّه في بعض الأحيان يضطر إلى إلغاء رحلاته أو تأجيلها إلى اليوم التالي، بسبب استحالة عبور الجسر في أوقات الذروة، خاصة في ساعات الصباح والمساء.
ولا يقتصر الازدحام على الشاحنات وحدها، إذ تتكدّس مئات السيارات الخاصة وسيارات الأجرة والدراجات النارية على طرفي الجسر، في مشهد بات غير لافت لأهالي دير الزور، ويؤكد سائقو سيارات أجرة أنّ انتظارهم الطويل يقلّص عدد الرحلات اليومية التي يمكنهم تنفيذها، ما ينعكس على دخلهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة أصلًا، ويتسبّب بارتفاع الأجور لتعويض نقص الدخل ولو جزئيّا.
جسر مؤقت بأعباء دائمة
أُنشئ الجسر الخشبي بعد خروج الجسور الرئيسية في المدينة عن الخدمة، إثر القصف الذي تعرّضت له خلال السنوات الماضية، ليشكّل حلًا إسعافيًا مؤقتًا يربط ضفتي المدينة الشرقية والغربية. غير أنّ هذا الحل المؤقت تحوّل مع مرور الوقت إلى واقع دائم، من دون وجود بدائل عملية أو جدول زمني واضح لإعادة تأهيل الجسور الحيوية التي كانت تشكّل شرايين أساسية لحركة الناس والبضائع.
ويشير المهندس مروان العبد، لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ الجسر الخشبي، بطبيعته الإنشائية الضيقة وقدرته المحدودة على التحمل، لا يمكن أن يستوعب هذا الحجم من الحركة المرورية، خصوصًا مع تزايد عدد السكان وعودة جزء من النشاط التجاري بين ضفتي الفرات، مؤكّدا أنّ تنظيم السير بالتناوب، رغم ضرورته، لا يمكن أن يعالج أصل المشكلة، بل يخفف من فوضاها فقط.
أعباء اقتصادية واجتماعية
لا تتوقف آثار أزمة الجسر عند حدود الازدحام المروري، بل تمتد لتشمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، فكثير من الموظفين والطلاب يضطرون إلى عبور النهر يوميًا للوصول إلى أماكن عملهم أو جامعاتهم، ما يفرض عليهم مغادرة منازلهم قبل ساعات طويلة تفاديًا للتأخير.
تقول الموظّفة لميس العاملة في قطاع الزراعة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّها تسكن في حي القصور، وباتت تخرج من منزلها قبل شروق الشمس، رغم أن مكان عملها لا يبعد أكثر من بضع كيلومترات، خوفًا من أن يفوتها الدوام بسبب الازدحام على الجسر، أو أنّها تضطر إلى ركوب العبّارات النهريّة وهذا أمر بالغ الخطورة نسبة للعدد الكبير الذي تحمله العبّارة.
كما ينعكس هذا الواقع على أسعار السلع، إذ يضطر التجار إلى احتساب تكاليف الوقت والوقود المهدور في أثناء الانتظار، ما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في أسعار بعض المواد الأساسية، خاصة تلك التي تُنقل يوميًا بين الضفتين.
ذاكرة الجسور الغائبة
قبل اندلاع الثورة السوريّة، كانت دير الزور تضم عدة جسور رئيسية تربط بين أحيائها وريفها، وتشكّل شرايين عبور طبيعية للحياة اليومية، وكان جسر السياسية والجسر المعلّق وغيرهما جزءا من المشهد الحضري والذاكرة الجمعية للمدينة، ومع تدمير هذه الجسور، لم تفقد دير الزور بنيتها التحتية فحسب، بل فقدت أيضًا جزءا من هويتها الحضرية، بحسب ما يقول ناشطون ومهتمون بالتراث لموقع تلفزيون سوريا.
ويؤكد هؤلاء أنّ إعادة إعمار الجسور لا تمثّل مطلبًا خدميًا فحسب، بل خطوة أساسية لإعادة الحياة الطبيعية إلى المدينة، وطيّ صفحة من العزلة والانقسام الجغرافي الذي فرضه الواقع الحالي.
يقول الناشط عمر الحبش، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ تدمير جسور دير الزور لم يكن مجرّد خسارة هندسية أو خدمية، بل شكّل قطعًا قسريًا لشرايين المدينة الاجتماعية والاقتصادية، إذ حوّل نهر الفرات من عامل وصلٍ إلى حاجز يومي يفاقم معاناة السكان، ويعرقل تنقّلهم بين ضفتيه، سواء للوصول إلى أعمالهم أو مدارسهم أو مرافقهم الحيوية.
ويضيف أنّ الجسور كانت تمثّل ذاكرة جماعية لأهالي المدينة، وغيابها عمّق شعور العزلة والانقسام، مؤكّدًا أنّ أي مشروع لإعادة إعمار دير الزور لا يمكن أن يكون جديًا أو مكتملًا ما لم يبدأ بإعادة بناء هذه الجسور بوصفها مدخلًا لإعادة ترميم الحياة والهوية معًا.
دير الزور بين الصبر والانتظار
على ضفتي الفرات، تقف السيارات في طوابير طويلة، تتداخل فيها أصوات المحركات مع أحاديث السائقين، وشكاوى العابرين، ونفاد الصبر، ورغم الاعتياد القسري على هذا الواقع، لا يخفي كثيرون أملهم بأن يكون هذا الجسر الخشبي مرحلة عابرة، لا قدرًا دائمًا، فدير الزور، التي لطالما شكّل الفرات قلبها النابض، لا يمكن أن تستعيد عافيتها من دون جسور حقيقية، قادرة على وصل ما انقطع، ليس جغرافيًا فحسب، بل اجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا.
ويبقى عامل الوقت، الذي يشكّل اليوم العبء الأكبر على الديريين، شاهدًا على أزمة تتجاوز جسرًا بطول مئة متر، لتختصر سنوات من الانتظار، وحلمًا مؤجلًا بعودة المدينة إلى إيقاعها الطبيعي، حيث لا يكون عبور النهر رحلة شاقة، بل تفصيلًا يوميًا عاديًا من تفاصيل الحياة.
