"يونان السوري" نصف قرن في بطن الحوت

تاريخ النشر: 22.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 06:27 دمشق

كانت الطفلة التي رأيتها على الشاشة تتحدث من غوطة دمشق وتبكي. للمفارقة، لم يكن بكاؤها فقط فزعاً من صوت قذائف راجمات الصواريخ، أو من البراميل "الذكية" للطيران التي تصل إلى كل مكان وأية إحداثيات، لكنها كانت تبكي لأنها أمضت شهراً كاملاً في بطن الملجأ، في العتمة ووسط رعب يطاول الجميع كباراً وصغاراً. كان رعبا خاصا يطل من عينيها وهي تبتهل في صلوات طفولية خاصة علّها تنجو وأصدقاءها من رطوبة هذا الملجأ المعتم، وتخرج إلى الهواء لتعيد اكتشاف ضوء الشمس.

لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ مكث "يونان" في بطن الحوت. وأسطورة يونان -بحسب العديد من البحوث والدراسات- تمثل حالة الموت ومن ثم الانبعاث.

خلال سبع سنوات قام حُوتنا السوري، وعكس كل السجايا الطيبة للحيتان، بقصف السوريين وبيوتهم، بل وأكثر من ذلك استدعى كل حيتان عالمه الأسود لتشاركه المقتلة.

وبحسب "سِفْر يونان" في العهد القديم فإن القصة تمثيلٌ للخلاص من الماضي وصولاً إلى حياة جديدة من خلال وجودٍ مختلف وأفضل حالاً.

يا لحسن الظروف والمقادير التي أحاطت بحالة "يونان" مع الحوت. ثلاثة أيام فقط، ثم عاد إلى الحياة!

حُوتُنا السوري ابتلع سوريتنا خمسين عاماً وابتلعنا معها. أجل، خمسون عاماً ونظام الأسد يحبس سوريا والسوريين في غيابَةِ جوفه المعتم. أمام حوتنا هذا، سيبدو حوت يونان كائناً لطيفاً أراد أن يقدم أمثولته ويمضي. أنجز مهمته ثم قذف يونان من جوفه إلى برِّ "نينوى" بعد صلاة قصيرة وعاجلة. خلال سبع سنوات قام حُوتنا السوري، وعكس كل السجايا الطيبة للحيتان، بقصف السوريين وبيوتهم، بل وأكثر من ذلك استدعى كل حيتان عالمه الأسود لتشاركه المقتلة.

ألف يونانٍ-طفل صلّى للخلاص منذ مجزرة الحولة، ألف يونان- أبٍ صلّى وهو يرى أطفاله يختلجون من كيماوي آب 2013، وصولاً إلى الصلوات أمام غمام الموت بقصف السوخوي على جنة الشام-غوطتها. مئات آلاف السوريين عبروا البحار هرباً من الحوت السوري وكان أن ابتلع البحر الآلاف منهم. عشرات الآلاف غابوا ولم يعرف أحد عن مصيرهم ولا في أي موت هم. مئات الآلاف يتوزعون الخيام في أربعة جهات الأرض، ومئات الآلاف قضوا تحت القذائف والصواريخ والبراميل. كانت أربعين سنةً، وفوقها جاءتنا عِجافُ الأسد الابن السبع، وما زلنا نمضي من أسطورة إلى أخرى.

التاريخ لا يعيد نفسه بالطبع، لكن هل تفعل الأساطير؟ يبدو أنها تفعل، وبصورة أقسى من الحكاية الأصل. حسناً، وبعد تدمير كل شيء، الأخلاق والعمران والبشر،

وما كاد السوريون يخمشون بطن الحوت بصيحاتهم. حتى فتحت كل حيتان العالم نيرانها عليهم

من سيجبر حوت السوريين على قذفهم من جوفه المعتم إلى برّ الشام؟ من سيفعل؟ ليس من باب فرط التشاؤم أن أجيب: لا أحد.

جاءت ثورة السوريين لتستعيد سوريا من بطن نظام الفساد والديكتاتورية والإجرام والموت، لتكون بلداً لأبنائها يعيشون فيه كباقي أهل الأرض ليس إلّا. وما كاد السوريون يخمشون بطن الحوت بصيحاتهم. حتى فتحت كل حيتان العالم نيرانها عليهم. حتى دلافين بلاد الحرية بصورتها اللطيفة لم تكن أمينة لتلك الصورة في الحالة السورية، فأغمضت عيونها ومضت تستعرض بحركاتٍ لم تسعد جمهور السيرك.

تحكي أم اسكندنافية لطفلها قبل النوم: كان ياما كان، في قديم الزمان.. وقع الحداد "إيلمارينان" في حب أميرة خارقة الجمال، وعندما طلبها للزواج أرادت اختبار قوته وقدراته، فطلبت منه أن يصطاد سمكة كبيرة، لتوافق على الزواج منه. الحداد الشجاع المستعجل الوصول إلى حبيبته، مضى من ساعته إلى البحر، ولكن لسوء حظه، السمكة التي قابلها كانت أكبر مما توقَّع، وبدلاً من أن يتمكن منها، كان أن ابتلعته. لما وصل الحداد العاشق إلى جوف السمكة، راح ينتفض بقوة وهو يحاول الخروج والخلاص من هذا المصير الذي أوصله إليه طلب أميرته. حركة الحداد وضربه في جوف السمكة أنهكها، فحاولت إخراجه لكنها لم تستطع. بعد حين، وبقوة ضرباته، فتح الحداد القوي ثقباً في جوف السمكة. ولما رأى منه بعض النور، قام بتمزيقه أكثر حتى تمكن من الخروج إلى الماء. ماتت السمكة، وتزوج الحداد من أميرته.

حسناً، ونحن؟ ألم يكن من المناسب لو أن هذه الأسطورة اللطيفة أو ما يشبهها كانت من نصيبنا؟ ألم يكن لطفاً من التاريخ والأساطير والأقدار لو سارت حكايتنا على نسجها؟ اللعنة. لماذا كان على السوريين أن يدفعوا من دمهم وأعمارهم للحوت وللغولة ولباقي ضواري الأرض، وهم يبحثون عن النور؟ إنها أسطورة جديدة.