"يوم وشوي" الذي فتح الجرح وبدأ زمناً جديداً في الدراما السورية

2026.02.13 | 17:41 دمشق

آخر تحديث: 2026.02.14 | 07:21 دمشق

63365
+A
حجم الخط
-A

قبل أيام من سباق رمضان التجاري الدرامي انتهى عرض مسلسل "يوم وشوي" للمخرج السوري الشاب يمان عنتابلي، عمل درامي قصير يحكي ست حكايات في حكاية واحدة، تعالج ما جرى في سوريا من وجهة نظر واقعية رمزية، تضيء على قضية السوريين من دون أن تغرق في تفاصيلها المباشرة والمعقدة، تاركًا للمشاهد التقاط الرمزيات الكثيرة التي تضمنتها حلقات المسلسل، كان البطل فيها معظم الممثلين والنص والصورة والموسيقا التصويرية.

يقدم عنتابلي رؤية جديدة وشابة وعميقة للشاشة الصغيرة، مستندًا إلى عين سينمائية واضحة، بعد مجموعة من الأفلام القصيرة التي قدمته للمشاهد السوري والعربي، في ظل انحياز معظم صناع الدراما إلى طرف بشار الأسد، قبل أن يركبوا مسار التكويع الذهبي بعد سنوات من الترويج لسردية النظام المخلوع في حربه على الإرهاب، وتقديم دراما "البراميل والكيماوي والقتل تحت التعذيب".

على مدى 15 عامًا، كانت الدراما سلاحًا دمويًا يلاحق السوريين والعرب، ويخرج لهم في رمضاناتهم ليذكرهم بذنوبهم وجرأتهم على المستبد: إن خرجتم مثله في ثورة ستعيشون عيشة السوريين. تعود الدراما لتكذب وتلفق وتسوق للانتصار الكاسح على أولئك الذين رفعوا الصوت وطالبوا بالحرية، مع تسليط ضوء "فلاش" قوي على الفساد ومحاربة الفساد، وكأننا في عام 2001، وليس في 2024. ثم جاء "ردع العدوان" ليردع صناع الدراما عن الترويج لتلك القصص المختلقة، ولكنه فشل في ردعهم عن الاستمرار في المتاجرة بمعاناة الناس.

سأحاول في هذا النص ألا أحرق لكم المسلسل، فقد أجريت مع يمان عنتابلي حوارًا عنه خلال عمليات تصويره وتحضيراته، دون أن أعلم أيًا من تفاصيله ومجرياته، لأنني أود أن أرى العمل مثل بقية المشاهدين. كان الحوار عن يمان أكثر مما هو عن المسلسل، ولكن هنا لا بد من الحديث عما أخرجه لنا.

المميز في "يوم وشوي" أنه من فكرة وكتابة يمان عنتابلي مع ورشة كتابة ساهمت ليكون النص أكثر رشاقة واحترافية، أسوة بما يحصل مع أهم صناع السينما والدراما في العالم، مستفيدًا من خبرة كل شخص يمكن أن يخدم المشروع.

يروي المسلسل أحداث يوم واحد وشوي أيضًا من أيام السوريين، لعله واحد من أصعب أيام تلك العائلة وأقساها، إلا أنه ينتهي بمفاجأة كبيرة جدًا، يعيد فيها سرد التفاصيل من ست وجهات نظر مختلفة، قبل أن تنتهي الحكاية عند الحدث "الماستر" أو الأعظم.

تصدى للعمل كل من يارا صبري وجمال العلي وفرح الدبيات وتيم حناوي، بالإضافة إلى مشاركة استثنائية للطفلين جاد الرجولة وجميل مرعي، وعدد من الممثلين الذين كان لهم دور واضح. بين ألم وطرافة ووجع وسوداوية وأمل وواقعية، كانت تنتقل بنا الكاميرا إلى عوالم نعرفها بدقة ونعرف كل تفاصيلها، رغم اكتفائه بالإشارة والمرور عليها دون إطالة.

أهم ما فيه

أهم ما في المسلسل أنه لم يكن مباشرًا، بمعنى أنه لا يحمل كلمات "الإجرام والقتل والتعذيب والصراخ والغضب والخوف والاعتقال والإصابات والملاحقة والتهجير والنزوح"، لكن كل ذلك يظهر في العيون والوجوه، يظهر في النص الذي يقدم وثيقة جميلة للغاية عن أكثر أيام السوريين إيلامًا، في سردية ظنوا أنها ماتت لولا النصر الذي تحقق بعد سنوات طويلة من التضحيات، تُوِّجت بعملية ردع العدوان وسقوط النظام.

عن أداء الممثلين، يمكن القول إنه يفوز بشكل جميل، ويبدو أن المخرج قد تمكن من اختيار "الكاست" بشكل مميز وذكي. فجمال العلي، المعروف بنكاته ونهفاته والمحسوب على ممثلي الكوميديا في سوريا، كان بطلًا تراجيديًا رهيبًا مقنعًا، قادرًا أن يكون السوري المسن الذي أفقده النظام قوته وشجاعته وملامحه، وانصاع لمخاوفه على أسرته الصغيرة التي يتحمل فيها المسؤولية وعيون المجتمع.

يارا صبري، التي عادت إلى الدراما السورية في "يوم وشوي" مؤمنة بقدرة يمان على تقديم منتج مهم، فيارا التي غابت عن الدراما السورية طيلة سنوات قتل السوريين، عادت من بوابة المسلسل القصير لتترك أثرًا طويلًا في أداء يضاف إلى رصيدها الطويل وإمكانياتها الواضحة لأن تمثل الأم السورية الشجاعة التي تواجه وتشجع وتحتمل وتكابر، ثم إذا حان وقت محنتها لم تظهرها، وبقيت مصرة على أنها الجبل الذي لن يتخلى عن الجميع مهما حصل وكيفما حصل.

الطفلان جاد وجميل، براءة وتساؤلات وتحديات حملها الطفل السوري في يومياته على مدار 14 عامًا، مشاعر صادقة وأداء ذكي ومعبر، أخرج منهما يمان أفضل ما عندهما، وقدما مشاهد مركبة قد لا يستطيعها من عاش في المهنة سنوات.

تيم حناوي أخذنا مع مجموعة الممثلين المحترفين الذين معه إلى بلدان اللجوء، واستعدنا معهم تفاصيل وآلام وتحديات اللاجئ السوري ومخاوفه وصعوباته، وكيف كان محاصرًا نفسيًا فيما تركه في سوريا من أوجاع وذكريات وأهل، وبما يخص مستقبله المجهول والمهدد كل يوم، مع تعريجة لا تُنسى على أشخاص (نعرفهم شخصيًا) كانوا يسرقون آمال الناس ويخدعونهم في دوراتهم وورشاتهم، سواء على الواقع أو في السوشال ميديا، وكيف يُجبر اللاجئ على العمل في أي شيء لأجل لقمة الخبز، وإن كان متعلمًا ونبيهًا، ولكن لم يحالفه الحظ.

أما فرح الدبيات، فقد كانت البطلة الأساسية التي يصب كل شيء عندها، فيما تحملته من ضغوط نفسية وذهنية وهموم، ككل سيدة سورية واجهت كل شيء واستمرت وصبرت، وكانت قوية بما يكفي لتكون الأب والأم والأخت والزوجة والسند، تعمل نهارًا وتربي ليلًا وتسعى بينهما. جرح غائر، أو سوريا المصغرة.

لأول مرة لا أرى الحجاب مقحمًا في الدراما السورية، بل تعبيرًا واقعيًا عن العائلة السورية البسيطة، ليس المقصود مسلمين أو غير مسلمين، أو طوائف أو مذاهب، بل تعبير عن أكثرية السوريين الذين عاشوا أسوأ وأصعب وأقسى الأيام والليالي والساعات تحت حكم النظام المخلوع، بكل تفاصيل الرعب والقلق والحرمان والجنون.

أكثر من "يوم وشوي"

سيأخذنا "يوم وشوي" إلى ذكرياتنا الطويلة، وستسقط الدموع تلقائيًا، ليس عاطفيًا هذه المرة، وليس لأن القصة تستحق، بل لأنها تذكرك بشيء عشته، وبلحظة مرت معك.

نقل يمان ورق "يوم وشوي" إلى الصورة عبر كاميرا متأثرة بأساليب كلاسيكية وجديدة في الإخراج، حيث لا يبدو يمان مقلدًا بل مؤسسًا لنموذج سيُحكى عنه فيما بعد، تأثرٌ مرتبط بالسينما الإيرانية والأوروبية الجادة التي سبق أن خضنا عنها أحاديث عديدة، تلك الأفلام التي تحمل فكرة وقضية، لا تبحث عن الأرباح والحركة والسرعة والانفعالات، بقدر ما تركز على الكلمة والموقف والحدث.

كيف لمخرج شاب ليس لديه تجربة درامية طويلة، أو لم يعمل مخرجًا منفذًا أو مساعدًا لأحد المخرجين المشهورين، أن يقدم مسلسلًا لشركة إنتاج وتقبل الفكرة؟ لذلك دخل في مغامرة الإنتاج الشخصي، وأقنع الممثلين بذلك، إلى أن تبنت منصة "العربي بلس" المسلسل في نهايات إنتاجه، وقبلت أن تشتري حقوق عرضه، منقذةً المشروع.

ستبقى شهادتي مجروحة بيمان، بحكم الصداقة والمعرفة الشخصية والتجارب المشتركة، ولكن ما كتبته أعتقد أنه مراجعة منصفة. قد تكون التجربة مكتملة بالنسبة لي، وتفوز بـ 10 من 10. فقد أعجبني اختيار البيت والمكان والألوان والإضاءة والتصوير الواقعي لحال السوريين والبرد وبدايات الربيع وشقائق النعمان، والتكسي وبيت اللجوء ولقطة الطيور في الجامع الأموي وركوب السرفيس والترميز في العملة وتفاصيل اليوميات ودمشق وريفها.

وكان "يوم وشوي" دمارًا داخليًا بالنسبة لي، أعادني إلى أيام الثورة السورية الأولى حتى ولو لم يأتِ ذكرها، ورعب طرق الباب لأجل الاعتقال والملاحقة اليومية والمخابئ، والخوف من المرور على الحواجز، وانتظار أخبار المعتقلين، وقصص أمهات الشهداء اللواتي أتمنى لو أستطيع إعادة أولادهن جميعًا، وتلك الأناشيد التي يطلع صوتها في بيوت السوريين في أوقات السحر برمضان، والموسيقى التصويرية المهمة التي قدمها كرم الصليبي، نجل يارا صبري، ومشاهد الختام وتمرير مشهد المذيع الحقيقي الذي أذاع ذلك الخبر العظيم، وأشياء أخرى تخص يمان وحلمه وحلمنا.

صحيح كان مسلسلاً قصيراً، لكن أثره سيبقى أطول من "يوم وشوي" بعقود وشوي، على أقل تقدير. لذلك شاهدوه، وادعوا كل من تعرفونه لمشاهدته والحديث عنه، فهو يستحق.