يوم الأرض

يوم الأرض

يوم الأرض
طفل فلسطيني يلوح بعلم فلسطين بوجه قوات الاحتلال الإسرائيلي(إنترنت)

تاريخ النشر: 30.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 30.03.2019 | 11:36 دمشق

الأرض حكاية جسد أنهكته الحياة فصار تراباً، قبضات الأيدي وهي تعتصر التراب، أعلام البلاد، صوت الصغار، أحلام الكبار، خفقات القلوب، غيوم السماء، أغاني العاشقين من الجليل إلى النقب ومن دمشق إلى حلب، روح التاريخ والحضارة حين تتبدى بالأغنيات والآهات والثياب..

ويوم الأرض الفلسطيني يأتي ليذكرنا، مع أننا لم ننس يوماً، بالإنسان الذي يصرخ في الأرض العربية من محيطها إلى خليجها، من أجل كرامة الأرض من أجل حرية الإنسان.

يذكرنا يوم الأرض بأن ربيع آذار هو الربيع الفلسطيني الذي أزهر وما يزال في حرب قوامها الصمود والحياة أمام جرافة الاحتلال التي تحاول كنس تربة التاريخ لتغير هوية البرتقال، يذكرنا بربيع الغوطة حين عانق زهر اللوز أديم الأرض ليلقي على التراب السلام، حين سال دمع الرمان حزناً على المغادرين بأحلامهم نحو المجهول.

قد يكون الدرس قاسياً ولكنه صحيح ومجرب، أربعون  وستون وسبعون عاماً وشوقاً للتراب وقد يكون أكثر، لم تنه سنوات الاحتلال، ولكنها تذكر القاتل والمحتل، أياً  كانت أدواته، أنه لم يقتل التوق للحرية بل جعل الروح فيها حية تتجدد، يوم الأرض يتجاوز معناه  الحرفي المرسوم على أجندة الأيام ليذكرنا بتغريبة عمر قضيناه نقاوم برودة أرصفة التهجير ونصرخ في وجه الديكتاتوريات، يذكرنا بكل الأراضي المسلوبة والإنسان المقهور.

ماذا يعني أن يبقى يوم الأرض مستيقظاً فينا كزهر الربيع، يعني أن يذهب الطلبة إلى المدارس رغم ألف حاجز، يعني أن نقطف الزيتون برموش العيون، يعني أن تبقى روح القدس تنبض في الأسوار والحجارة والجدار حتى لو رفع "السمسار" ألف صك اعتماد أو عربد مستوطن وهو يتلحف بحراسة المغتصبين، يعني أن الأرض هي روح الإنسان حتى لو عنها رحل، فلا فلسطين ماتت في أعماقنا ولا الغوطة ستموت في أرواحنا.

في كل يوم يحيا يوم الأرض لأن الآثار تحكي عن مسبحة وعابد ودعاء ووجد عاشق يبكي، هي قصة الأرض تحكي عن خضرة الزعتر وعن رائحة النعنع، تحكي حكاية زهر الليمون على بحر يافا، وإشراقة المشمش على سياج الغوطة.

ماذا يعني أن يهدم الاحتلال الإسرائيلي منازل قرية العراقيب في النقب لأكثر من مئة وعشرين مرة ويعود الفلسطينيون من جديد يبنون الأحلام والوطن وليس معهم  سوى الصمود مع بضع عرائش ووتد، يوم الأرض  يحيا ليس فقط لأن إرادة المقاومة عند الإنسان هي الأبقى، بل لأن ظلم الاحتلال لا يجعل الإنسان على ذله يغفى، في كل طريق جنازير دباباته توقظ هوية الناس والتراب، وعند كل حاجز يذكر يهودي "روسي، بولندي، أمريكي..." الفلسطيني بالحضور الذي يملؤه الغياب؛ فترانيم عناة  يغنيها بحر يافا وحيفا وعكا وغزة، رغماً عن "مزامير" جدائلهم، فالأرض هي ظل سنديان الجليل في الشتات يقيم، يشعل الذاكرة،  وحين يستعر الشوق يستجير بالحنين؛ الأرض هي دماء الشبان  تنادي بعد سبعين لجوءاً "حد الموت" باسم فلسطين...

الأرض هي روح الشهيد تقارع بالشجاعة الاحتلال، هي روح الشعب الذي يقاتل وحيداً ولم تعنه بندقية "التنسيق" ولا حتى إدارة ظهر "الرفيق"..

يوم الأرض هو دعوة  لفك كل قيود الذل والإبقاء فقط على قيد وحيد وهو قيد الأمل..

يوم الأرض يعني إحياء الأسطورة الفلسطينية التي لا تنام إلا لتولد من جديد بروح التراب الذي يلم رفاة الشهيد وراء الشهيد، من آخر شهيد إلى أول شهيد اتبع هدى قلبه وقاوم عن شعب بأسره.

يوم الأرض هو درب العاشقين الذي يخطونه منذ سبعين عاماً،  ويرسمونه بخفقتين إحداها جسورة والأخرى تمشي بيقين نحو فلسطين.

يوم الأرض هو فلسطين عندما تشتعل بقلب الشعب المحاصر من مخيم اليرموك إلى معبر رفح.

يوم الأرض هو جرافة الاحتلال تزيل الجدار الذي اتكأ عليه محمد الدرة خوفاً من الذاكرة..

يوم الأرض هو دمعة أمهات الشهداء تزغرد في سرادق العزاء، هو الأمل المرسوم بأغنية، بالثوب المطرز بسنابل القمح، بالحصان الجامح، بشوق عناة وغناء الصيادين..

يوم الأرض هو صراخ الجرحى وإغفاءة الشهداء التي رفعت بدمها علم فلسطين على شاهدة الروح في غزة...

يوم الأرض هو الحنين لوطن زرعناه فينا وسقيناه منا، هو كل فلسطين، هو كل الشهداء الذين مروا وسيمرون في طريقهم إلى يافا وحيفا راجلين، إلى كل قلب في رام الله والناصرة وغزة، يوم الأرض يسقط تقسيمات السياسة لقطاع القلب عن الجسد، وللضفة دون بحر، لخط أخضر يفصل الروح عن الروح بكذبة..

يوم الأرض هو إحياء روح الإنسان عندما أعلنت أن الحرية هي  العنوان.

كلمات مفتاحية