"يا طير سلم لي عا سوريا"

تاريخ النشر: 12.04.2018 | 14:04 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 07:50 دمشق

"أحمد الله أنني غنيت في زمن كان فيه الفن أدبًا". هكذا كان يقول الراحل معن دندشي عندما كان يستمع إلى المحطات والأغاني التي تبثها، ويستعيد في باله أغانيه، بعدما أعجزه المرض وأقعده فوق كرسي بعجلات.

إنما ليست هذه الجملة المنسوبة إليه ما أريد الحديث عنها، بالرغم من أهميتها وأهمية الفن كرافعة فكرية وثقافية واجتماعية مثلما هو مرآة الواقع في كل عصر، بل تداعيات الذاكرة، وضغط الراهن وقلقه ووجعه والمجهول الذي ننزلق إليه بقوة جبارة وتسارع قاتل، نحن السوريين، حيث لم تعد بلادنا كالبلاد.

أحسد معن دندشي، الفنان السوري حتى النخاع، مثلما أحسد كل من مات قبل أن يشهد الجلجلة السورية. توفي قبل الحراك الشعبي السوري بأسابيع، في 25/1/2011 فهل كان سيتمنى رحمةً لروحه أكبر من هذه الرحمة؟ أن يغيب عن هذه الدنيا وما زالت سورية في خاطره تلك التي غنى لها "يا طير سلم لي عا سوريا"؟

"يا طير سلملي ع سوريا، ع قلب ودعته بأراضيا"، ربما هذه الأغنية من أكثر الأغاني التي تفطر القلب كلما سمعها سوري هرب من جحيم سوريا ولم يبقَ لديه غير رائحة الموت عالقة على جلده تطغى على روائح الحياة التي رصفها في عمر أمضاه فوق أرضٍ كان يظنها وطنه.

كل ذلك أدى إلى البحث عن ملاذات بديلة، مناطقية، قبلية، عشائرية، إثنية، طائفية، مذهبية، إلخ.

بل صارت تنهيدة بديلة رددتها الأجيال بكل فئاتها خلال سنوات الزلزلة، منهم من لم يسمع بمعن دندشي بل استمع إلى الأغنية بصوت المطرب حسام جنيد، لكنها تبقى نقطة فاصلة مهمة لا يمكن المرور بها من دون توقف عند مدلولها وصداها في واقع اليوم، الأغنية التي رسمت خارطة قلبية لسوريا لا تشبه الخرائط الهندسية التي صارت تعرض على الأنترنت وفي مواقع التواصل وفي نشرات الأخبار على الفضائيات التي صارت سوريا شغلها الشاغل والأهم منذ أكثر من سبع سنوات، الخرائط التي تعرض أحيانًا بنوايا غير بريئة كي تعوّد الذاكرة البصرية على سوريا وقد قضم منها أجزاء، بدأت بخريطة منزوع منها لواء اسكندرون. كما أفرزت الأزمة السورية نماذج لا تعد من الخرائط متكئة على علم الجغرافيا بقديمه وحديثه، بذريعة تحليل الحدث والوقوف على الصراع السياسي والعسكري في سوريا وتلوين مناطق النفوذ بألوان، في الحقيقة رجراجة من حيث ثباتها الجغرافي، فهي تتبع مسير سيل الدم السوري.

قبل هذه السنوات العاصفة كان الشعب السوري يجتمع على محبة الوطن حتى لو كان سقف وعيه لم يرقَ إلى الفهم الحقيقي للوطن والدولة، لكن وجود كيان غاصب بجواره يحتل جزءًا عزيزًا من الأمة، فلسطين، جعل المشاعر تتوحد على معاداته، وبالتالي على تضخيم الشعور القومي والوطني، لكن ما حدث من هزائم متلاحقة كان أكبرها هزيمة يونيو/ حزيران 1967، والشعور العارم بالإحباط المطرد بالتوازي مع اشتداد قمع وتعسف الأنظمة السياسية وكبت الحريات وشل الإرادة وإقصاء الشعب عن المشاركة في تقرير مصيره والتعبير عن رغباته والعمل على إنجازها، كل ذلك أدى إلى البحث عن ملاذات بديلة، مناطقية، قبلية، عشائرية، إثنية، طائفية، مذهبية، إلخ.

والكارثة الأكبر، والقلق الأكبر، أن الواقع الراهن ليس المآل النهائي، فما خفي أعظم والمصير صار في رسم المجهول.

ترافق مع الانكفاء على الذات والانشغال عن كون العدو الإسرائيلي هو المهدد القائم للوجود، في الوقت الذي كان فيه كل فريق من الشعب يضمر في نفسه أسئلة أخرى ونفورًا تجاه آخرين من شركائه في الوطن بعد أن صارت الشعارات المفروضة بالقوة التي تنادي بالوحدة والقومية والعروبة والاشتراكية والعدالة الاجتماعية وغيرها طبولاً تصدع سمع ووجدان الشعب. حتى جاء الزلزال الكبير وعمل ما عمل في الوجدان الجمعي السوري، بعدما خرج ليطالب بحقوقه ويدافع عن كرامته المنتهكة فكانت القوة وكان العنف والعنف المضاد، وكان ما نشهده اليوم من استباحة لدماء الشعب، كل الشعب، وتهجير قسري ودمار للقرى والمدن وتبديد للطاقات الشبابية، وفي الآخر، بعد التقسيم الاجتماعي، بتكريس الخلافات البينية وإضرام الصدور بنار الثأرية، يجري التقسيم الواقعي بفرض مناطق نفوذ لتصبح سوريا ميدانًا يرفرف في سمائه كثير من الرايات. والكارثة الأكبر، والقلق الأكبر، أن الواقع الراهن ليس المآل النهائي، فما خفي أعظم والمصير صار في رسم المجهول، فهل سيكون هناك من يغني لسوريا بلدة بلدة ومدينة مدينة، بل وحجرًا حجرًا مثلما غنى معن دندشي؟ أم سيغني كل فريق من أبناء سوريا على سورياه الخاصة، على منطقته ومنطقة عشيرته أو طائفته التي صارت ملاذه الأخير بعد أن ضاقت سوريا بالفعل وصارت خريطتها تقضم من كل الجهات؟ والمؤلم أكثر أن التهديدات الأمريكية الأخيرة بضرب سوريا بعد حادثة الكيماوي انقسم الشعب حولها بين مهلل ومستنكر، والمؤلم أكثر أن منطق النكاية بالآخر الذي صار العدو المفترض يزيد من حدة الموقف تجاه الضربة المحتملة، مثلما انقسم قبل ذلك الشعب تجاه تدخل روسيا وإيران وتركيا في الحرب السورية.

مؤلم ألاّ يستطيع ابن حلب أن يغني ويشدو الحنين إلى اللاذقية، أو ابن عفرين إلى إدلب، أو ابن درعا إلى دمشق، أو ابن الرقة ودير الزور إلى طرطوس وغيرها وغيرهم. هذا هو حال سوريا بعد معن دندشي الفنان الشعبي الذي أغنى التراث الغنائي السوري بأعمال وثقت تنوع سوريا الثقافي ليس بغنائه للمناطق والبلدات والأمكنة، بل للأزياء والعادات والتقاليد واللهجات، فاستحق ميتة لائقة بصفاء روحه وانتمائه الإنساني النبيل، ميتة رحيمة قبل أن يُفجع بموت ما غنى له "سوريا" التي كانت.

كلمات مفتاحية