وقائع خيالية في قصة واقعية سورية

تاريخ النشر: 01.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 27.04.2018 | 11:06 دمشق

في مكان ما، ووسط أنقاض منطقة غير محددة في سورية، يجتمع شابان، ينتمي الأول إلى فئة الناجين من أقارب المقتولين، بينما ينتمي الثاني إلى الناجين من أقارب المقتولين في الجهة الأخرى.

اللقاء جرى مصادفة، ولكن الشجار الذي حدث في بدايته، كان طبيعيا ومتوقعاً، إذ تبادل الاثنان الاتهامات، واعتقد كل منهما أنه ينتصر على الآخر، حيث يحشره في زاوية سرديته الحادة؛

الأول كان يتخد موقع المقتولين فيتهم عائلة مقابله وأقاربه وطائفته ومجموعته العرقية بأنهم حفنة من القتلة والمجرمين الذين فتكوا بالأبرياء وقاموا بالتطهير العرقي والتهجير واستدعاء الأجنبي!

أما الثاني فكان يقر بالكثير من الاتهامات التي يكيلها الأول له ولمن ينتمي إليهم، ولكنه كان يجد ويطرح الأسباب الموجبة التي جعلت كل ما حدث أمراً طبيعياً، فالثورة تطيفت وتسلحت، وصارت جزءاً من مؤامرة كبرى، وبدلاً من أن تخدم مصالح من قامت لأجلهم صارت تخدم أجندات الدول التي مدت أياديها وأجهزة استخباراتها فيها، ولهذا كان لابد من أن يتم بذل كل الإمكانيات لمقاومتها، حتى وإن تم قتل البيئات الحاضنة للمسلحين، واستدعيت قوات دول حليفة لتحتل البلد.

حدة المواجهة بين الاثنين، لم تكن غريبة على أحد، فهي تمثيل مصغر عما حدث وجرى خلال سبع سنوات، من الحروب والهجمات المتبادلة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا لم يكن متوقعاً أن تؤدي إلى نهاية مختلفة!

توصل المتواجهان إلى نتيجة تقول بأنهما كانا ضحايا لآخرين

ولكن شيئاً مختلفاً حدث هذه المرة، فقد توصل المتواجهان إلى نتيجة تقول بأنهما كانا ضحايا لآخرين، قرروا استغلال الأزمة الحاصلة في البلد، من أجل إنفاذ مصالحهم ولو على حساب السوريين ذاتهم.

التوافق على النتيجة، و كذلك التشبث بالتوافق، كان في تلك اللحظة أشبه بطوق نجاة لكليهما، بعد أن وجدا نفسيهما يعيدان سيرة الكارثة السورية كلها، ولهذا ذهبا أعلى فأعلى في البناء على التوافق الحاصل بينهما. فتولدت بينهما استنتاجات لافتة؛ لقد كنا سوية ضحية لصراع المصالح الإقليمية والدولية! لم ينظر أحد إلى ضرورة وقف إهراق الدم السوري! بل إن الصراع كان يشتعل ويتسع على حساب هذا الدم، وعلى حساب مئات آلاف الضحايا، من جهتي الصراع!

لقد دفع السوريون من حياتهم ومصيرهم وبلدهم ثمن حروب الآخرين، ولهذا يجب أن يدفع هؤلاء ضريبة عما قاموا بفعله في سوريا!

كان الأول ورغم مظاهر ضعفه التي لا تخفى على أحد قد نوى في قرارة نفسه أن ينتقم، ووضع قائمة طويلة من الأهداف، تبدأ بأولئك الذين دعموا قتلة عائلته، وتمر على أولئك الذين صمتوا وساهموا عبر تجاهلهم للمأساة في دعم المجرمين، وتصل في النهاية إلى القتلة أنفسهم أو من بقي من سلالاتهم!

أما الثاني فقد رتب لنفسه حرباً انتقامية، بدأها نظام أسلافه حينما استهدفوا البيئات الحاضنة، وسيكملها هو حين سيتوجه إلى مهاجمة الداعمين، وكذلك كل من روّج لفكرة الثورة، وكل من دعم الفصائل المسلحة، من الفئات المحلية وصولاً إلى الجهات الدولية!

تبادل الاثنان الأفكار عن الانتقامات العتيدة، فعاودا الاختلاف، وبدا أنهما سيخسران التوافق السابق، وكان لابد من إيجاد مخرج ما يسمح بحل العقدة الناشئة؛ كيف يمكن جعل المستفيدين من الحرب السورية يدفعون الثمن، دون أن يؤدي هذا التوجه إلى إعادة سيناريو الحرب المدمرة؟

يمكن تأجيل المواجهة عبر شطب الهدف القريب، والبدء من الهدف الثاني البعيد، كانت التماعة الفكرة مغرية لكليهما، فقررا أن يفعلا ذلك، سيبدأان بالانتقام من خلال القوى الإقليمية ومن بعدها القوى الدولية، وربما غيّرا بعض تفاصيل الخطة قليلاً، ولكن سيمضي الأمر ضمن هذا المسار عموماً!

كان هذا اللقاء خيالياً، إذ لا يمكن تصور حدوثه في أي وقت، ولكنه في السياق غير الواقعي و المنطقي الذي حكم تفاصيل الصراع في سوريا، بات حدوثه وإن من بوابة الفنتازيا ممكناً ومنطقياً، ولهذا لن يستغرب أحد ظهور منظمة سرية تهدد وتعمل على قتل كل المتورطين في سوريا، ولا تستثني من أهدافها قادة الدول وعائلاتهم!

ولكن دوامة العنف التي هدد اللقاء بها، كانت تنطوي على أخطار إضافية، إذ كيف يمكن للعنف أن ينتهي بعد أن بات هو الأداة الوحيدة التي يمكن الانتقام من خلالها؟ وكذلك وبالنظر إلى مسألة الشطب المؤقت للعدو المحلي من قائمة الأهداف، فإن هذا الأمر سيأتي وقت مراجعته، و العودة عنه، عاجلاً أم آجلاً، ولهذا لا يمكن الركون إلى التوافق الآني من أجل بناء علاقة سلمية دائمة! وكذلك يفترض اللقاء أن المُنتقم منهم سيكونون بلا أفعال مضادة، وأنهم لن يقاوموا الحركة الثأرية، وهذا غير منطقي أو واقعي..!

قررا العودة إلى مواجهة السردية بالسردية، والمواجهة حتى النهاية

فكر الاثنان بالنتائج المحتملة وغير المحتملة لفكرة الانتقام المغرية، ولكنهما لم يصلا لنتائج ترضي النزعة الثأرية العارمة التي اجتاحتهما منذ أن تواجها للمرة الأولى في هذا المكان. لهذا قررا التوقف عن التفكير والتخطيط للأمر، وبدلاً من هذا قررا العودة إلى مواجهة السردية بالسردية، والمواجهة حتى النهاية، وفي حال التعب يمكن لكل منهما تزجية الوقت بتأمل خراب المكان، واستعادة تاريخه، وكأنه يشاهد صوراً في ألبوم عتيق غطت صوره طبقات سميكة من الغبار!

كلمات مفتاحية