وفيات إيران الغامضة.. من طبقات النووي الحساسة إلى منصات الصواريخ والمسيرات

وفيات إيران الغامضة.. من طبقات النووي الحساسة إلى منصات الصواريخ والمسيرات

merlin_207431538_46945114-1a40-4233-b445-3ee80322467a-superjumbo.jpg
شهدت إيران خلال أسبوعين 4 وفيات شملت ضابطين في "فيلق القدس" واثنين من خبراء الجو - فضاء - NYT

تاريخ النشر: 06.06.2022 | 07:04 دمشق

آخر تحديث: 06.06.2022 | 17:04 دمشق

إسطنبول - ضياء قدور

على مدار أقل من أسبوعين، تصاعدت وتيرة الوفيات الغامضة في مستويات المناصب العسكرية التابعة للوحدات السرية في فيلق القدس، وخبراء الصناعات العسكرية الحساسة في جميع أرجاء إيران بشكل غير مسبوق.

إيران: أربع وفيات غامضة في أسبوعين

شهدت إيران خلال 13 يوماً، أربع وفيات غامضة شملت ضابطين عاملين في الوحدات السرية لـ "فيلق القدس"، هما صياد خدايي وإسماعيل زاده، واثنين من نخب الخبراء الخريجين من أقوى الجامعات العملية الإيرانية، وهما إحسان قدبيغي وأيوب انتظاري.

وكان من اللافت أن جميع حالات الوفيات الغامضة لم تكن تتعلق بالملف النووي الإيراني، الذي شغلت قضاياه المثيرة للجدل، خاصة عمليات الاغتيال التي طالت علماءه الإيرانيين، وسائل الإعلام العربية والعالمية لأكثر من 12 عشر عاماً متواصلاً.

"حادث" أودى بحياة إحسان قدبيغي

بعد ثلاثة أيام فقط من اغتيال العقيد في الحرس الثوري الإيراني، حسن صياد خدايي، الذي وصفته وسائل الإعلام الإيرانية بأنه كان أحد المقاتلين في سوريا ومعاون مدير قسم البحث والتطوير التكنولوجي بهيئة الصناعات الدفاعية في إيران، أعلنت بعض المواقع الإيرانية عن وفاة المهندس وخريج جامعة شريف، إحسان قد بيغي.

ووفق بيان نشرته وزارة الدفاع الإيرانية، في 25 أيار الماضي، توفي المهندس إحسان قدبيغي، وأصيب أحد زملائه خلال "حادثة" وقعت في إحدى الوحدات البحثية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، من دون ذكر مزيد من التفاصيل حول طبيعة هذه الحادثة.

وتشير المصادر الإيرانية المفتوحة التي رصدها موقع "تلفزيون سوريا" إلى سيرة ذاتية حافلة للمهندس قدبيغي المنتمي لمدينة آراك، حيث كان من أوائل الطلاب المتفوقين في امتحانات الدراسة الثانوية، ثم اتجه لدخول أقوى الجامعات العملية الإيرانية "جامعة شريف التكنولوجية" في العام 2012 باختصاص الهندسة الميكانيكية.

وتشير نعوة وزارة الدفاع له بأنه كان يعمل في أحد الكيانات البحثية، أو ما يشبه البحوث العملية، التابعة لها.

ونظراً لخبرته في تخصص الهندسة الميكانيكية، يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك في فك رموز هذه الشخصية المجهولة إعلامياً، من خلال الإشارة لما كُتب على صفحته على "فيس بوك" حول طبيعة عمله، حيث تشير الصفحة إلى أن المهندس قدبيغي كان محترفاً يقوم بإعداد المعدات وصيانتها في عملية "CNC operator"، منذ تحديثها آخر مرة في العام 2016.

صورة 1.jpg

 

ومن الممكن أن تكون قد تمت ترقيته بعد ذلك إلى مدير خط إنتاج لعملية ما، مثل المسيرات أو الصواريخ أو أي معدات عسكرية أخرى.

وعلى الرغم من أن ردود الأفعال الرسمية الإيرانية حول وفاته كانت خالية من أي إشارة لعملية اغتيال، إلا أننا أمام حالة وفاة غامضة حدثت لشخصية متفوقة علمياً تعمل في أحد الأقسام البحثية والعلمية في وزارة الدفاع الإيرانية كموظف منتدب مدني أو متطوع عسكري، وخسارته لن تكون أمراً عابراً أو عرضياً.

إسماعيل زاده.. هل تمت تصفيته؟

بعد ثمانية أيام على مقتل قدبيغي، تحدثت أنباء، الخميس الماضي 2 حزيران، عن وفاة غامضة أخرى لأحد أعضاء الهيكل العسكري السري لـ "فيلق القدس".

ووفق موقع "إيران إنترناشونال"، توفي العقيد علي إسماعيل زاده، أحد قادة الوحدة 840 في "فيلق القدس"، وأحد الزملاء المقربين من العقيد الأول المقتول، صياد خدايي، بشكل مريب، بعد سقوطه من سطح منزله في منطقة جهان نماي كرج.

وقال الموقع نقلاً عن مصادر من داخل إيران أن مسؤولي "الحرس الثوري" قالوا لأسرة علي إسماعيل زاده إنه أنهى حياته بسبب مشكلات نفسية ناجمة عن انفصاله عن زوجته، وتركوا رسالة بخصوص ذلك.

ويؤكد الموقع أن حادثة الانتحار تلك لم تكن سوى حادثة مصطنعة، وأن مخابرات "الحرس الثوري" هي من اغتالت العقيد إسماعيل زاده، الذي اتًهم بتسريب معلومات لأجهزة استخبارات أجنبية، بعد أن كانت تبحث عن أدلة ومعلومات حول ملابسات قضية اغتيال صياد خدايي.

في أعقاب انتشار هذه المعلومات، نفت وكالة الأنباء الحكومية "ايرنا"، نقلاً عن مصدر وصفته بالمطلع على حادثة الاغتيال تلك المعلومات، مؤكدة أن الوفاة كانت نتيجة "حادث" في مكان إقامته، من دون أن تقدم مزيداً من التفاصيل حول هذا "الحادث".

وأكد موقع "صابرين نيوز"، المقرّب من "فيلق القدس"، أن عملية اغتيال العقيد إسماعيل زاده غير مؤكدة، وسبب وفاته غير معروف حتى الآن.

هل اغتالت إسرائيل أيوب انتظاري؟

بعد يومين فقط على وفاة العقيد إسماعيل زاده، تداولت منصات إيرانية غير رسمية بدايةً نبأ مقتل المهندس الإيراني أيوب انتظاري ضمن ظروف غامضة، السبت 4 حزيران، لتقوم بعدها المنصات الإسرائيلية، خاصة الاستخباراتية منها، بنشر معلومات مفصلة عن الحادثة.

ووفق المصادر الإيرانية المفتوحة التي كانت أول من نشرت هذه المعلومات، فقد توفي خبير الجو فضاء الإيراني، وخريج جامعة "شريف للتكنولوجيا"، المهندس أيوب انتظاري، مؤكدةً أن السبب المعلن للوفاة هو "حالة تسمم".

بعد ذلك بعدة ساعات، نشرت منصة "انتيلي تايمز" الإسرائيلية معلومات تفيد بأن الدكتور أيوب انتظاري كان أستاذاً رئيسياً في التصميم الإنشائي لتوربينات صناعة الطيران، بما في ذلك على الأرجح محركات نفاثة من الجيل الرابع.

وأكدت المنصة أن انتظاري متخصص أيضاً في اختبار "الصدمة الحرارية" للشفرات والأقراص، وهي اختبار لتحديد قدرة العبوة أو أجزاء الطائرة أو المعدات العسكرية أو الأجهزة الإلكترونية مثل أجهزة الطرد المركزي الغازية على تحمل التغيرات الحرارية الشديدة.

وعلى الرغم من عدم اعتراف السلطات الإيرانية بوقوع عملية اغتيال بحق انتظاري،  فإن القضية أصبحت أكثر إثارة وغرابة بعد أن سلم ديوان الحاكم العام بمحافظة يزد وثيقة لأسرة انتظاري تؤكد "استشهاده".

صورة 3.jpg

وتعليقاً على ذلك، قالت السلطات القضائية إن انتظاري كان موظفاً عادياً في شركة صناعية وإنه "مات نتيجة مرض"، لم تحدده.

وفي وقت لاحق، قال مكتب المدعي العام إن "وصف انتظاري بالشهيد كان خطأ من مكتب العلاقات العامة، وتم تصحيحه.

خصائص مشتركة تزيح قليلاً عتمة الغموض

وفق المعلومات التي جمعها موقع "تلفزيون سوريا"، كان القاسم المشترك بين الحالات الأربع أنها جميعها غير متعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، بالإضافة لوجود علاقة مباشرة أو غير مباشرة لكل من خدايي وانتظاري وقدبيغي ببرنامج الجو - فضاء الإيراني (الصواريخ والمسيرات).

حيث حصل كل من انتظاري وقدبيغي على شهادة دكتوراه في الهندسات المتعلقة بهذا البرنامج من جامعة شريف، بالإضافة لوجود معلومات تشير لارتباط نشاطات العقيد خدايي بمواضيع تتعلق بالبحث والتطوير التكنولوجي الخاص بالصناعات الدفاعية الإيرانية.

ورغم أن خلفية العقيد إسماعيل زاده غير معروفة تماماً، فإن معظم الشخصيات أعلاه ارتبطت بشكل أو بآخر ببرنامج المسيرات الإيرانية، الذي شهد خلال السنوات الماضية قفزة في مجال التطوير والتوسع والانتشار العملياتي.

وبعيداً عن الحديث عن الحفر الأمنية في هياكل أجهزة الاستخبارات الإيرانية، يبدو أن نهج حالات الوفاة الغامضة يتوسع بعيدا عن ساحة القضايا النووية نحو المراتب العسكرية السرية الأدنى.

وهذا الاتجاه _إن تأكدت حالات الاغتيال_ يسعى لاستبعاد الخبراء والضباط المشاركين على المستوى التشغيلي في النقاشات الدفاعية والنووية الإيرانية، بهدف إلحاق ضرر في المشاريع النووية والصاروخية السرية، كما أن تصاعد وتيرة الوفيات الغامضة على نطاق واسع يمكن أن تكون له آثار بعيدة المدى على هذه المشاريع في نهاية المطاف.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار