وصمة العمل الفكريّ

تاريخ النشر: 01.07.2021 | 06:29 دمشق

يعد العمل مقياساً لشخصية الإنسان وإثباتاً لوجوده مثلما هو مصدرٌ للرزق، وعلى الرغم من أننا مجتمعات تعلي نوع العمل ومردوده المادي وتخفض من قيمته في حالات كثيرة، فإن أول سؤال قد يتبادر إلى ذهن الواحد منا ماذا يعمل فلان؟

تركز المجتمعات العربية على أنواع عمل معينة فنراهم يفضلون عمل الأطباء والمهندسين مثلاً، في وقت ينظرون فيه بازدراء في كثير من الأحيان إلى من يعمل بأعمال النظافة مثلا أو أي من الأعمال التي لا تلقى تقديراً اجتماعياً.

قد يرتبط ذلك بالملاءة المادية الخاصة بنوع العمل، أو مدى أهميته الاجتماعية أو المكانة التي يحققها لصاحبه، غير أن ذلك كله قد يكون مرده إلى موروث اجتماعي تناقلته الأجيال مثلما تتناقل الإرث الاجتماعي من عادات وتقاليد.

يبدو أن العمل بوصفه قيمة بصرف النظر عن نوعه أمر غير شائع في المجتمعات العربية التي تولي الأهمية لارتفاع الدخل، وضرورة ترافق ذلك مع مكانة اجتماعية عالية قد تختلف من مجتمع إلى آخر، وهذا ما يفسر تصدر بعض رجال الأعمال المشهد الاجتماعي حتى وإن كانوا يحملون تاريخاً عالياً من الفساد المالي والاجتماعي.

بين هذا وذاك لا يبدو للعمل الفكري قيمة تذكر في المحيط العام، ذلك أن المشهد العام قد لا يحسبه عملاً من حيث المبدأ ربما لأنه لا يشكل إنتاجاً ملموساً وقابلاً للقياس بالنسبة إلى المقياس العام.

فالعاملون في مجال الكتابة والأدب أقرب ما يكونون إلى مجموعة من "الدراويش" المنفصلين عن الواقع في نظر كثيرين من المحيط العام، الأمر الذي يجعلهم مستبعدين من المجموعات الاجتماعية العادية، في مقابل وجود فئة أخرى تعتقد أنهم يعانون من الفشل المهني والاجتماعي والأهم من ذلك كله أنهم موصومون بالبطالة والعطالة.

يبدو أن العمل بوصفه قيمة بصرف النظر عن نوعه أمر غير شائع في المجتمعات العربية التي تولي الأهمية لارتفاع الدخل

يقع الأدباء والفنانون في أحوالنا المجتمعية في منطقة وسط غير ملحوظة، وقد يصح القول بأنهم يتخذون منزلة بين منزلين، فلا هم معترف بهم من الشريحة العامة الواسعة ولا هم معترف بهم من نخب المجتمع المادي على أنهم فاعلون في البناء الاجتماعي.

لقد تشكلت لدى الشريحة العامة قناعة بأن الإنسان الذي يعمل في المجالات الفكرية، إنما يمارس العمل الفكري من باب الهواية التي قد يهتم بها في وقت الفراغ وبالتالي لا تعد عملاً منتجاً أو مستحقاً لمقابل مادي ذلك أنها بمثابة الاستمتاع بالرفاهيات، علاوة على أننا مجتمعات اعتقدت حتى وقت طويل أن ما يستحق المقابل المادي هو الجهد العضلي فقط لا غير وأنه وحده يستحق التقدير وإعلاء القيمة الاجتماعية.

من ذلك الباب تكونت فكرة اجتماعية عامة تستنكر إلى حد ما تقاضي العاملين في المجال الإبداعي الفني أو الأدبي أجراً في مقابل أعمالهم ومساهماتهم.

من الطبيعي أن تختلف هذه التفاصيل بين مجتمع وآخر بحسب طبيعة المجتمع ومدى تقدمه الفكري والفني، لذلك نجد أن العمل الإبداعي معترف به في الدول الأوروبية مثل بقية المهن والأعمال الأخرى وقد يأخذ طابعاً دورياً أو مستمراً وقد تمنح الحكومات العاملين في هذا الشأن مِنحَ تفرغ كي تمنع عزوفهم عن متابعة العمل الفكري، بسبب اضطرارهم إلى إيجاد فرصة عمل لتأمين المعيشة.

تتحكم طبيعة المجتمعات وظروفها العامة والخاصة بنظرتها العامة تجاه الأعمال الفكرية أو تلك التي تحتاج جهداً عضلياً، وبما أن المجتمعات العربية تعد من المجتمعات النامية بالمعنى العام، وقد خرجت من الحروب الطاحنة منذ وقت غير بعيد نسبياً، فما زالت بحاجة إلى التأسيس المادي " بناء اقتصاد بنية تحتية ..." أكثر من حاجتها إلى التأسيس الفكري ربما.

ما تزال الفكرة العامة تعتبر أن العمل يجب أن يكون متعباً حتى يستحق مقابلاً مادياً، فينكرون بذلك أحقية المشتغل في حقل الإبداع في تقاضي الأجر وينكرون عليه الجهد العقلي الذي يبذله في سبيل تحقق إنتاج جيد.

من وجهة نظر أخرى قد يبدو المشهد مختلفاً، ففي حال ثبوت حالة اليقين بأن أحداً ما يحقق دخله من مصادر تدفع لأصحاب المهن الإبداعية، فإن ذلك يجعله يفقد احترامه في نظرهم لأنهم قد يرونه مموَّلاً فكرياً وربما يعتقد البعض أنه أصبح كاتباً أو مبدعاً مأجوراً يكتب لمن يدفع له أكثر.

يبدو ذلك نتيجة حتمية لحالة التبعية والاصطفاف التي تعاني منها مجتمعاتنا، غير أنه لا يعبر عن الحقيقة في كثير من الأحيان، فضلا عن أن واقع الحال أثبت في تجارب كثيرة أن المجتمعات لا تنهض بالعمل العضلي وحده وأنها بحاجة إلى أساسات أخرى وأن التعليم وحده ربما لا يكون كافياً لذلك، كما أن المجتمعات بحاجة إلى فتح قنوات ثقافية تساهم في دعم وتعزيز حالة الوعي العامة.

ليس من المعيب أن يتقاضى الكاتب أو الشاعر أو المفكر لقاء عمله خصوصاُ أن ذلك العمل ينضوي على جهد لا يقل عن نظيره من الأعمال غير الفكرية، وإذا كان ذلك يسمى ارتزاقاً في عرف كثيرين، فإن البحث عن مصادر رزق عن طريق العمل أياً كان شكلها لا يشكل مشكلة وإنما تكمن المشكلة في أن يحول ويغير الإنسان في أفكاره ومبادئه وفقاً لمصالح "الجهات المُموِّلة"ـ إذا صح التعبيرـ ويعمل لتحقيق مصالحها ونشر وترويج مبادئها وإن كانت لا تتناسب مع أفكاره. 

كلمات مفتاحية