icon
التغطية الحية

وسائل النقل العامة في دمشق.. تكريس لمفهوم الإجبار وتوسيع لدائرة الإذلال اليومية

2026.09.01 | 15:35 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.01 | 15:57 دمشق

باصات النقل "السرافيس" - دمشق (تلفزيون سوريا)
باصات النقل "السرافيس" - دمشق (تلفزيون سوريا)
دمشق ـ حنين عمران
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تعاني وسائل النقل العامة في سوريا من ازدحام شديد وتلاصق بين الركاب، مما يسبب مشاكل في الخصوصية والراحة، خاصة للشابات اللواتي يواجهن مخاطر التحرش والسرقة.
- تعديلات غير مريحة على باصات "السرفيس" لزيادة القدرة الاستيعابية تؤدي إلى تجربة غير مريحة وغير آمنة للركاب، مع إلغاء المسافات بين المقاعد وإضافة مقاعد إضافية.
- يضطر العديد من السوريين لاستخدام وسائل النقل العامة بسبب تكلفتها المنخفضة، رغم التحديات التي تواجههم من ازدحام وتدافع ومواقف محرجة.

لا تراعي وسائل النقل العامة في سوريا كـ "السرافيس" وحافلات النقل الداخلي، حدود المساحة الشخصية أو الخصوصية أو حتى الراحة الجسدية بالحدّ الأدنى، وهي بالنسبة إلى المجبرين علة استقلالها مضاعفة للضغوط النفسية بدلاً من كونها وسيلة نقل تسهّل الحياة اليومية.

يرصد هذا التقرير، الحالات النفسية التي يعيشها السوريون يومياً خلال رحلاتهم وتنقلاتهم القصيرة أو الطويلة باستخدام وسائل النقل العامة داخل دمشق وريفها، بدءاً من تصميم هذه الوسائل واستخدامها خلافاً لما يضمن راحة الركاب وسلامتهم.

إجبار يومي لا مفر منه

تحاصر وسائل النقل أجساد العشرات من الراكبين ضمن مساحات ضيقة وسط تدافع وتلاصق لا مردّ له؛ إذ إن تعرفة الركوب الرخيصة تجعل منها وسيلة حصرية وسط الأحوال المادية الضعيفة لمعظم الأهالي وتدني الدخل، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب في مقتبل العمر.

في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أوضح الشاب علي الخطبا، أنه يضطر يومياً إلى ركوب وسائط النقل من منزله في منطقة الزاهرة الجديدة إلى جامعته في منطقة البرامكة أو إلى مكان عمله في منطقة أبو رمانة، وهي رحلة يومية تكلف قرابة 150 ليرة سورية جديدة، بدلاً من ركوب التكاسي العمومية التي تصل كلفتها إلى 1000 ليرة سورية جديدة أو أكثر.

يقول الخطبا "يبدأ الإزعاج حتى قبل ركوب الباص أو السرفيس، يبدأ من اللحظة التي أخرج فيها من المنزل وأنتظر إيجاد مكان لي في الباص، ومن معاناة التزاحم والتدافع داخله وما يسببه من مواقف محرجة أو مشاجرات أحياناً، فضلاً عن عدم النظافة واحتمال الروائح والحرارة المرتفعة".

عدد يفوق الاستطاعة

لا يكتفي السائق بصعود عدد الركاب المحدد ضمن استطاعة الباص أو "السرفيس"، بل يفوق العدد أحياناً ضعف الاستطاعة بالنسبة إلى باصات النقل الداخلي؛ إذ يصل عدد الواقفين داخل الباص إلى ما يزيد على عدد الجالسين على المقاعد المخصصة.

ويبرر السائق عادةً هذا الأمر، بضرورة نقل أكبر عدد من الناس بدلاً من جعلهم ينتظرون طويلاً في الشارع، وكون الناس تقبل بالصعود بهذه الحالة من دون الجلوس ووسط التزاحم حتى لا تتأخر على أشغالها.

يقول السائق غسان أبو الخير لموقع تلفزيون سوريا "لا يمكننا ترك الناس في الشارع، نأسف من أجلهم لأن لديهم التزامات ولا سيما صباحاً مع خروجهم أفواجاً إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم. أحياناً يشتمنا المواطن إذا لم نقبل الوقوف له بسبب امتلاء الباص، لطالما سمعت الشتيمة بأذني! وهم لا مشكلة لديهم أصلاً، يقول المواطنون لنا "طالعنا وما عليك، نحن نتحمل".

خصوصية غائبة

لا تتوقف معاناة الشابّات عند صعوبة إيجاد مقعد فارغ للجلوس، بل في إيجاد مساحة شخصية أيضاً تتيح لهنّ الارتياح في الوقوف أو الجلوس دون الالتصاق بآخرين، أو حتى استخدام هواتفهنّ المحمولة من دون التعرض لمراقبتهنّ، فضلاً عن مخاوف سرقة شيء من حقائبهن.

تروي محاسن عطية لموقع تلفزيون سوريا، تجربتها السيئة في باصات النقل العامة يومياً، إذ تضطر أحياناً إلى الانتظار وقت إضافي حتى لا تُجبر على الوقوف وسط عشرات الركاب في الباص الكبير، والجلوس في مقاعد جانبية ضمن الباصات الصغيرة "السرفيس". وكانت قد تعرضت سابقاً لمضايقات مقصودة ما سبب لها توتراً في كل مرّة تذهب فيها إلى العمل.

تقول محاسن "لقد تعرّضت لسرقة مبلغ مالي في وقت سابق داخل باص النقل الداخلي ولا أعلم كيف استطاع السارق سحبه من حقيبتي، والأسوأ من ذلك أنني تشاجرت في مرة ثانية مع شخص التصق بي في فعل أقرب إلى التحرش واضطررت إلى الصراخ في وجهه ليبتعد عني. لا بدّ من تخصيص مقاعد أو حتى باصات كاملة للنساء والفتيات فقط حتى نتجنّب هذه الكوارث النفسية كل يوم!".

"مؤشر على مصائب قادمة"

لا تنتهي التجربة السيئة في وسائط النقل العامة عند النزول منها، بل قد تنعكس سلباً بالنسبة إلى البعض على يومهم بأكمله. ويوضح فراس الشبعاني، الطالب في كلية الطب البشري بجامعة دمشق، لموقع تلفزيون سوريا، كيف ينسحب الأثر السلبي لوسائل النقل على يومه كاملاً؛ بسبب الإرهاق النفسي وحالة الإحباط قبل وبعد ركوبها.

ويذكر فراس أن ركوب وسائل النقل العامة هي من أسوأ التجارب التي يمرّ بها قبل بدء يومه الفعلي في الجامعة؛ ولا سيما مع "التشتت" كما يصفه والناتج عن الانتظار الطويل والتزاحم والضجيج، ومع عدم القدرة على ركوب تكسي عمومية أو سيارة خاصة يومياً بسبب صعوبة الوضع المعيشي والتكاليف المتزايدة والتراكمية، يصبح هذا الأثر عاملاً ثابتاً للقلق والضيق.

يقول فراس "بالنسبة إليّ، فإن تعسّر المواصلات في بداية النهار كفيل بأن يكون مؤشراً على يوم سيء وكفيل أيضاً بجعل يومي سيئاً حتى نهايته. فضلاً عن التشتت الكبير والتوتر الذي يصيبني بسبب الحاجة إلى التعامل مع عدد كبير من الناس في مكان ضيق جداً ومزدحم جداً".

سائق بدور الرقيب

لا تقتصر المضايقات في وسائل النقل العامة على الإزعاجات المتعمّدة أو غير المقصودة من الركاب فيما بينهم، بل يشارك السائق في بعض الأحيان في هذه الإزعاجات من خلال الصراخ على راكب لعدم إغلاق الباب أو حتى بسبب إغلاقه بقوة، أو من خلال عدم إعادة ما بقي للراكب من مال بعد اقتطاع تعرفة الركوب، أو بمشكلات يفتعلها مع سائق آخر أو مع الشرطي.

أما محمود عجمية، فلديه تجربة أخرى مع أحد السائقين في باص "دوار شمالي"، ويروي محمود لموقع تلفزيون سوريا، كيف أجبره السائق في مكان يسبق وجهته الأصلية لكونها "في نهاية الخط"؛ إذ يرى السائق أن تعرفة الركوب قليلة مقارنةً بطول المسافة المقطوعة ليجبر الركاب على النزول قبل نهاية المسافة.

يقول محمود "دفعت أجرة النقل للسائق وأخبرته أنني سأنزل في نهاية الخط، نظر إلى في المرآة بازدراء، فلم أكترث ظناً مني بأن النظرة عابرة، ثم تفاجأت حينما طلب مني النزول قبل الوصول إلى وجهتي، وقال لي: ما تؤاخذنا عمو، فيك تنزل هون بعينك الله تمشي شوي! لم أعرف ماذا أقول.. نزلت وفي رأسي ألف سؤال عن هذا الإزعاج اليومي".

مواصفات مُعدلة: إبداع وطني خالص

تُصنَّع المركبات عادةً ضمن مواصفات فنية ومقاييس تضمن تجربة مريحة للركاب ولا سيما بالنسبة لوسائل النقل التي يضطر فيها الراكب إلى قطع مسافات طويلة أو رحلات متكررة ومتواترة. في سوريا، وخلافاً للتوقعات جرى تعديل المواصفات الداخلية لباصات "السرفيس" بما يزيد القدرة الاستيعابية لها وبالتالي جعله مجدياً أكثر من الناحية الاقتصادية.

يشرح المهندس أحمد جاري لموقع تلفزيون سوريا بعض هذه التعديلات، التي تضمنت زيادة مقعد بجانب السائق أو إلغاء المسافة الفاصلة بين المقاعد الخلفية لزيادة مقعد إضافة في كلّ صف، أو حتى إضافة مقاعد جانبي طولياً يحتمل 3 ركّاب، خلافاً لما كانت عليه حين تصنيعها.

يقول "زيادة مقاعد أو إلغاء المسافات بينها تسبب في زيادة حالة التكديس داخل هذه الباصات، وعلى الرغم من كون السائق يكسب بهذه الحالة ركاباً إضافيين إلا أن ذلك سيكون على حساب تجربة الراكب وراحته وخصوصيته".

إلى جانب ذلك، فإنّ باصات النقل العامة تعرضت لاسهتلاك كبير ولا سيما أنها ما تزال تعمل منذ عشرات السنوات من دون إصلاحات أو تعديلات جذرية على محتوياتها أو تنجيداً لمقاعدها؛ الأمر الذي حرم الركاب جلسة مريحة أو آمنة.

يقول المهندس جاري لموقع تلفزيون سوريا "لا بدّ من تعديل أو تغيير هذه الباصات ولا سيما أن بعضها ما يزال يُستعمل منذ التسعينيات. إن مظهر هذه الباصات من الداخل والخارج بحدّ ذاته يوحي بالرثاثة وعدم احترام إنسانية الراكب".