icon
التغطية الحية

وزارة الإعلام توقف منصات إعلامية.. إجراء تنظيمي أم تقييد للعمل الصحفي في سوريا؟

2026.03.26 | 14:17 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.26 | 14:18 دمشق

مبنى وزارة الإعلام بالعاصمة دمشق (سانا)
مبنى وزارة الإعلام بالعاصمة دمشق (سانا)
دمشق ـ حنين عمران
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أثار قرار منع ثلاث منصات إعلامية في سوريا جدلاً حول تنظيم العمل الإعلامي وتقييد الحريات، حيث استند إلى عدم حصولها على تراخيص، مما دفع وزارة الإعلام لدعوة المؤسسات لتجديد تراخيصها.
- المحامي المعتصم الكيلاني يرى أن الترخيص لا يتعارض مع الدستور، لكن ربطه بالمنع الفوري قد يُفسر كتقييد لحرية الإعلام، ويوصي بإجراءات إدارية لتجنب بيئة قانونية تخويفية.
- تنوعت ردود فعل المنصات بين الاعتراض والتوضيح، حيث أكدت "جسور نيوز" تقديم طلب ترخيص، وأوقفت "الدليل" عملها، بينما لم تنشر "هاشتاغ" بياناً. الوزارة أكدت على ضبط العمل الإعلامي وفق أخلاقيات المهنة.

أثار القرار الأخير المتعلق بمنع ثلاث منصات إعلامية من العمل ضمن الأراضي السورية وملاحقة كل متعاون ومتعاقد معها قضائياً، تساؤلات عديدة عن حدود العمل الإعلامي في سوريا بين التنظيم وتقييد الحريات، ومآلات هذا النوع من القرارات في المستقبل.

القرار الذي صدر، يوم أمس الأربعاء، عن إدارة الشؤون الصحفية والتراخيص في وزارة الإعلام كان مخصصاً لثلاث جهات إعلامية: منصة "الدليل"، منصة "جسور نيوز"، موقع ومنصة "هاشتاغ". القرار استند إلى التعميم رقم /18/ والتعميم رقم /57/ لعام 2025، وورد فيه أن سبب المنع هو "عدم حصول هذه المنصات على ترخيص أصولي من مديرية الشؤون الصحفية". ودعت الوزارة جميع المؤسسات والمنصات والمواقع الإعلامية إلى المبادرة بطلب تراخيص جديدة واستكمال ما لم يُستكمل منها.

قيود جديدة أم تنظيم مهنة؟

أيّد عدد من الإعلامين والناشطين القرار الآنف الذكر معتبرين أنه ضرورة للحدّ من التجاوزات المهنية والقانونية والأخلاقية، بينما رأى فيه آخرون تمهيداً لعملية تقييد الحريات وإقصاء الصوت المخالف، ولا سيما أنّه نصّ على ملاحقة المتعاقدين أو المتعاونين مع الجهات غير المرخصة أو غير المرغوب بها.

في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، أوضحت الإعلامية أحلام طبرة أن هذا النوع من القرارات يحمل مخاوف كبيرة، ولا سيما أنه قد يؤسس لاحقاً لحالة من "تكميم الأفواه" ويمهّد الطريق لسياسة "الكيل بمكيالين" عند مزاولة العمل الصحفي في سوريا.

وأكدت طبرة أنها تمانع قرارات إغلاق المنصات أو المؤسسات حتى تلك التي لا تُعجبها أو تختلف معها، تقول طبرة "لا يمكن الحدّ من الإعلام الجديد اليوم ولا إسكات صوته، في السابق مُنعت قنوات من العمل في مناطق النظام البائد وفي الشمال السوري المحرر أيضاً، لكنها استمرت في العمل رغم المنع والتضييق والملاحقة وهذا ما يجب إدراكه كحقيقة ثابتة؛ فالصحفي لا يُجبر على السكوت".

من جانبه، نوّه رئيس تحرير صحيفة "الثورة السورية" نور الدين إسماعيل إلى ضرورة المحافظة على السقف المرتفع للحريات الصحفية والتعبير عن الرأي كمكتسب من مكتسبات الثورة السورية، لكن من دون الانزلاق إلى خطاب الكراهية والتضليل، يقول إسماعيل  "بما أن القرار مرتبط بتحقيق الترخيص فقط فهو وفق رأيي يسهم في تنظيم العمل الإعلامي ولا يقيده، ولا بد من إدراك أن هناك خيطاً دقيقاً بين حرية العمل الصحفي والعشوائية فيه؛ فالأول يسهم في بناء دولة قوية متماسكة والثاني يهدمها".

أما الصحفي زين الرفاعي فأكد على ضرورة القرارات التي تنظم العمل الإعلامي في سوريا مشيراً إلى أن الترخيص الذي تفرضه وزارة الإعلام هو أداة إجرائية ناظمة ولازمة في عدد كبيرة من دول العالم، لكن ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار هو شروط هذا الترخيص وطريقة إلزام المؤسسات به.

ويقول الرفاعي لموقع تلفزيون سوريا "يتعلق الأمر ببيئة العمل الإعلامي، فإذا خلت هذه البيئة من الوضوح والعدل والثقة سيظهر أي إجراء تنظيمي وكأنه وسيلة تضييق جديدة، لا بد من وجود شفافية في شروط ومعايير هذه التراخيص، وقبل كل شيء فصل التقييم السياسي عن إجراءات تنظيم العمل الإعلامي حتى لا يصير التصريح والترخيص مبررين للإقصاء والمنع".

إشكالية قانونية أم رقابة ضرورية؟

أوضح المحامي المعتصم الكيلاني أن المادة 13 من الإعلان الدستوري المؤقّت تكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام، إلا أنها تجيز في الوقت ذاته تنظيم المهنة واشتراط الترخيص، وبالتالي فإن مبدأ الترخيص بحدّ ذاته لا يُعد مخالفة دستورية، منوهاً إلى أن إشكالية القرار الأخير تكمن في كونه يربط التنظيم بالمنع الفوري للنشاط الإعلامي مع التهديد بالملاحقة القضائية.

يقول الكيلاني لموقع تلفزيون سوريا "بهذه الطريقة يتحول الإجراء الإداري التنظيمي إلى أداة عقابية، وهو ما قد يُفسَّر كتقييد غير متناسب مع حرية الإعلام ومخالف لروح النص الدستوري".

الكيلاني: إشكالية القرار الأخير تكمن في كونه يربط إجراءات التنظيم بالمنع الفوري للنشاط الإعلامي مع التهديد بالملاحقة القضائية  

في حين أكد الدكتور عادل خليان المختص بالقانون الجنائي الدولي، أن القرار لا يتعارض مع مبدأ الحرية الإعلامية بل يطالب المؤسسات بتصحيح وضعها القانوني من خلال تحصيل التراخيص اللازمة.

يقول خليان لموقع تلفزيون سوريا "الملاحقة القضائية في هذا القرار ليست بسبب الرأي السياسي بل بسبب العمل من دون ترخيص، وامتناع بعض المؤسسات عن إجراءات الترخيص يثير تساؤلات حول أهدافها وسياستها التحريرية ومصادر تمويلها".

وأشار خليان إلى أن الملاحقة القضائية التي فرضتها وزارة الإعلام في قرارها على المتعاونين والمتعاقدين مع المؤسسات الممنوعة له "تبرير قانوني قوي" بحسب توصيفه، لكونه يستند إلى مبدأ "المساهمة الجرمية" أو المشاركة في مخالفة القوانين النافذة.

وأضاف قائلاً: "ممارسة مهنة من دون ترخيص هو مخالفة قانونية وكل مَن يسهم في تشغيل كيان غير قانوني سواء بالتمويل أو الإدارة أو العمل التقني والميداني، يعتبر شريكاً في هذه المخالفة وفق القوانين النافذة".

بينما رفض المعتصم الكيلاني توسيع المسؤولية القانونية لتشمل الموظفين والمتعاونين وتهديدهم بالملاحقة القضائية مع وجوب حصر هذه المسؤولية بالمؤسسات نفسها، يقول الكيلاني لموقع تلفزيون سوريا "إن غموض معنى “التعاون” قد يؤدي إلى توسيع نطاق الملاحقة بشكل غير محدد مما يخلق بيئة قانونية تخويفية تؤثر على حرية العمل الإعلامي وتدفع بالصحفيين والمتعاونين إلى الامتناع عن العمل بسبب الرقابة الذاتية".

وأوصى الكيلاني بالاكتفاء في المرحلة الأولى بإجراءات إدارية (تنبيه - إنذار) بدلاً من التهديد بالملاحقة القضائية ودون أن تتحول هذه القرارات ضمنياً إلى وسيلة ردع تؤثر على الأصوات الناقدة أو المعارضة.

اعتراض المنصات الممنوعة

في منشورات لها على صفحتها الشخصية، أوضحت رئيسة تحرير منصة "جسور نيوز" هديل عويس، أن منصتهم تقدمّت بطلب ترخيص "وفق الأصول القانونية" كما أن لديهم "تصريحات" تُجدد شهرياً، ويراجع مراسلو المنصة وزارة الإعلام بشكل دوري، مشيرةً إلى نشر القرار بهذا الشكل "يُعدّ تشهيراً بوسيلة إعلامية تعمل بشكل قانوني، ويعرض المراسلين لمشكلات ومخاطر ميدانية".

ثم ذكرت في منشورٍ آخر لها وبعد تواصلها مع المعنيين في وزارة الإعلام أنه لا وجود لأي إشكال خاص بالمنصة غير قضية التراخيص وأن المسألة إجرائية ستعالج باستكمال منح الترخيص الرسمي.

بيان جسور نيوز (فيسبوك)
بيان جسور نيوز (فيسبوك)

أما منصة "الدليل" فأصدرت بياناً نُشر على صفحتها في فيسبوك، بإيقاف عمل فريقها الموجود داخل الأراضي السورية بالكامل "ريثما تتم تسوية الأمور القانونية مع الوزارة" كما ورد في البيان، مع تأكيد البيان على أن عدم مبادرتهم لتحصيل الترخيص كان بسبب عدم امتلاكهم مكتباً للموقع الإلكتروني في سوريا وعدم قدرتهم على إيداع مبلغ 1000$ في البنك المركزي كشرط من شروط الترخيص.

بينما لم تنشر منصة "هاشتاغ" بياناً أو اعتراضاً، في الوقت الذي أكد فيه مدير الشؤون الصحفية والتراخيص في وزارة الإعلام عمر حاج أحمد لموقع تلفزيون سوريا أن "هاشتاغ" رفضت التقدم بطلب ترخيص على الرغم من أن الوزارة نفسها طلبت ذلك منهم في عدة جلسات بين الطرفين. كما نوّه إلى أن "الدليل" لم تتقدم أيضاً بطلب ترخيص، في حين لم تستكمل "جسور نيوز" تقديم أوراقها الثبوتية لإتمام عملية الترخيص.

كيف ردّت الوزارة؟

أوضح عمر حاج أحمد خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا بأن الاعتراض على قرار المنع هو حق مكفول في وزارة الإعلام، كما أن الوزارة منحت ثلاث مُهل خلال العام الماضي لجميع المؤسسات والمنصات الإعلامية من أجل التقدم بطلب الترخيص جديد أو تجديد ترخيص سابق أو استكمال إجراءات ترخيص حالي.

وعن أسباب منع المنصات المشمولة بالقرار، قال حاج أحمد "هناك أسباب إضافية أسهمت في منع بعض هذه المنصات مثل: عدم التزامهم بالمعايير المهنية وتبني الخطاب التحريضي والتضليل الإعلامي والتنميط، إلى جانب تجاوزات قام بها بعض المتعاونون معهم بصفة مراسلين وهي تجاوزات مُسجلة لدى وزارة الإعلام وموثقة".

وأكد حاج أحمد أن الفترة القادمة ستشهد قرارات وتعاميم لضبط العمل الإعلامي في عموم سوريا ولتنظيم المهنة وتصويب سلوكيات العاملين في المجال الإعلامي من مختلف المستويات والمسميات الوظيفية، والمؤثرين أيضاً، وذلك بما يتوافق مع أخلاقيات العمل الصحفي وما نصّت عليه مدونة السلوك المهني ومواثيق الشرف.