وزارة الأوقاف بين المرسوم الأمني والطائفية

تاريخ النشر: 30.09.2018 | 23:09 دمشق

 لن تعثر، الآن، على المنشور القاسي الذي انتقد فيه موالون للنظام رئيسهم على فيسبوك منذ أيام. فقد لاحقته أجهزة المخابرات وضغطت على من نسخه أو شاركه على الصفحات العامة أو الشخصية حتى حذفه.

والحق أن المنشور غير مسبوق بالفعل في لهجته الزاجرة، مخاطباً الأسد بألفاظ يُستهجن صدورها عن مؤيديه في العادة، من نوع « الله يرضى عليك فيق وصحصح... الشعب بدو ياك تشوف يلي عم يصير»!

ما يصير، حسب هؤلاء، أن مرسوم تنظيم عمل وزارة الأوقاف الجديد يفتح باب أسلمة البلد الذي قدمت حاضنة النظام في الساحل شبابها على مذبح الحفاظ على «علمانيته»!

ويتابع المنشور الغاضب: «الظاهر حابب حضرتك تصير رئيس الجمهورية العربية الإسلامية السورية... أو ممكن أمير المؤمنين لدولة الخلافة الإسلامية الجديدة!!!!!!

ما مات مليون سوري منشان وزارة الأوقاف تصير الآمر الناهي ببلدي!!!!

ما تشرد عشرة ملايين سوري كرمال يصير عنا ديوان الحسبة وتحطلنا شعار الله أكبر على علمنا وتغير نشيدنا الوطني لـ«طلع البدر علينا»!!!!

ما هتفنالك ودعينالك وغنينالك كرمال آخر الشي تكافئنا بافتتاح معاهد وجامعات وكليات ومدارس إسلامية تفرز جيل إرهابي جديد غير اللي أتحفتنا فيه معاهد الأسد لتحفيظ القرآن وتدمرت سوريا من وراه!!!!!».

سيبدو الكلام بالغ الغرابة على من هو خارج هذه البيئة. غير أنه نتيجة طبيعية، وإن تكن قصوى، لشعور استئصالي تعاظم لديها خلال الشهور الأخيرة، ترافق مع إحساسها بقرب انتهاء «الأزمة» فصارت تبحث عن جذورها، داعية إلى الحذر من وزارة الأوقاف بوصفها وكراً لفتاوى ابن تيمية! وإلى حظر نشاط القبيسيات اللاتي يهدفن إلى السيطرة الناعمة على المجتمع ثم على الدولة! وإلى عدم إنفاق المال لإصلاح الجوامع المدمرة في المناطق التي سيطر عليها النظام. وإن كان لا بد من الترميم فينبغي تحويلها، بعد ذلك، إلى مواقع أثرية أو إلى مدارس أو نوادٍ للثقافة والرياضة والفنون، بدل أن تعاود دورها في إطلاق «الفتنة» التي خرجت منها أصلاً.

أما مناسبة انفجار هذه التوجهات الآن وتحولها إلى موضوع ساخن فهو المرسوم التشريعي رقم 16، بتاريخ 20 أيلول، الذي ينظم عمل الوزارة بشكل جذري. وقد صدر أثناء عطلة ما يسمّى «مجلس الشعب» تجنباً لطرحه للنقاش التفصيلي. إذ لا يستطيع أعضاء المجلس، في هذه الحالة، تناول بنوده مفردة، ويمكنهم، شكلياً، رفضه مجملاً بحشد ثلثي الأصوات ضده، وهو نوع من الخيال العلمي في نظام الأسد بعد نشر المرسوم بتوقيعه.

ويتابع المنشور الغاضب: «الظاهر حابب حضرتك تصير رئيس الجمهورية العربية الإسلامية السورية... أو ممكن أمير المؤمنين لدولة الخلافة الإسلامية الجديدة!!!!!!

الغريب هو أن المرسوم يخلو من كل أوهام المعترضين عليه هؤلاء. بل إنه، على العكس، يكرّس سلطة غير مسبوقة للدولة/الحكومة، ممثلة بوزير الأوقاف، على الشأن الديني الإسلامي، ويقونن كل الممارسات الأمنية في الرقابة على هذا المجال، محوّلاً إياها إلى بنود صريحة وأنظمة عمل معتمدة. فوفق المرسوم يجب على الوزارة «وضع ضوابط العمل الديني» في إطار «محاربة الفكر التكفيري المتطرف» و«إذكاء روح التجانس بين أبناء الوطن» عبر «محاربة التعصب والطائفية». يتولى «المجلس العلمي الفقهي الأعلى» التابع لها مسؤولية «تحديد المؤلفات والتيارات والتوجهات التي تحمل الأفكار المتطرفة والمنحرفة»، ككتب «الوهابية وتنظيم الإخوان وما يماثلها»، ليُصار إلى منعها. كما تحدد الوزارة «المراجع الدينية الموافق عليها» لتُدرَّس في الجوامع من قبل «أرباب الشعائر الدينية» الذين يحظر عليهم «طرح أفكار شخصية»، ويُمنعون من المشاركة في أي مؤتمر أو ندوة، أو حتى السفر إلى خارج البلاد لأي سبب، دون موافقة. أما من يطرح منهم «قضايا من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الوحدة الوطنية أو تحرض على الطائفية أو التفرقة المذهبية... فترفع عنه الصفة الدينية»، فضلاً عن الملاحقة القانونية (والأمنية).

بل يذهب المرسوم أبعد من ذلك في إرادويته التحديثية، محدداً «معايير ومرتكزات وضوابط» الخطاب الديني بعبارات من نوع أنه يجب أن يعتمد «التحليل بدلاً من التلقين» و«التعمق في فهم النصوص» و«نشر روح الانتماء للوطن والدفاع عن ثوابته». كل هذا بموجب مرسوم لن يغفل عن وضع مسألة ترشيح المفتي العام بيد الوزير، وكذلك «الإشراف على الشؤون الدينية النسائية» و«الرقابة على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام»، و«المساهمة في رعاية أسر وأبناء الشهداء بالتنسيق مع وزارتي الدفاع والداخلية»!

«ما الذي يريده المعترضون أكثر من هذا التحكم الكامل؟!»، يتساءل بعض مؤيدي النظام الأشد انضباطاً وثقة «بالقيادة»، حائرين. غير أن المنتقدين ثائري الأعصاب لم يقرأوا المرسوم أصلاً، واكتفوا بما نمى إليهم من «تسريبات» شائعة قالت إنه يضع حجر الأساس لدولة الإخوان المسلمين والسلفية، وإن الوزير الخبيث يريد تمريره للانتقام الخفيّ من «الانتصارات» التي تحققت على «الإرهاب»، كي تربح «المؤامرة» الحرب في النهاية رغم هزيمتها في المعارك على الأرض. وكل هذا ليس بعيداً، بالطبع، عن الأذرع الخفية لعملاء إسرائيل والسعودية من «دواعش الداخل» المنبثين، كسرٍّ معلن، في أعلى مراتب الحكومة!

لا يكتب هذا الكلام جهلاء أو عابرون فقط، بل كتّاب معروفون وأساتذة جامعيون وصنّاع رأي ومشاهير في بعض الوسط الموالي، تحظى منشوراتهم بشعبية واسعة، ويمارسون تأثيراً تحريضياً لا يستر حساسيته الطائفية، صار يدعو إلى إلغاء الوزارة برمتها، وإلى رفض المرسوم مهما كانت العاقبة.

بين الرقابة الرسمية الصارمة وبين الخطاب الهائج «لسرايا الدفاع» المنبعثة على فيسبوك، لن يستطيع جماعة «اعتزال الفتنة» من المشايخ التقليديين في مناطق سيطرة النظام أن ينجوا من آثارها. كيف وهم متطرفون بالجينات ومتهمون استباقياً؟ ولا خيار أمامهم، إذاً، سوى أن يقبعوا، كمشبوهين دائمين، في قفص السلطة، أو أن يكونوا فريسة جمهورها المتعطش إلى نزع الحجاب عن رؤوس النساء في شوارع دمشق من جديد.