"وجه الخير"، كتاب جديد للكاتب والشاعر السوري كمال جمال بِك، صدر حديثاً عن دار "النخبة" للنشر والطباعة والتوزيع. ويتضمّن الكتاب سرديات تنتمي إلى تخوم السيرة الذاتية، وتتماوج بين الشعر والنثر، في لغة شعرية مكثّفة تُلامس تخوم الألم والحنين.
عبر مشاهد نابضة، ينقلنا جمال بك -المقيم في السويد- من باص بلدة سويدية صغيرة إلى تنّور الجدة "زهرة" في الفرات، ومن دهاليز مشفى نفسي في الشمال الأوروبي إلى غرف الولادة في لبنان، وأسئلة الأبوّة والهشاشة والاحتمال.
لا يوثق كتاب "وجه الخير" لحظات فقط، بل يعيد تكوينها بلغة غير مباشرة وتغوص في ما وراء التفاصيل.
في واحدة من السرديات، يقول الكاتب عن لحظة رؤيته لطفله الأول المصاب بمتلازمة داون: "أريده فقط من دون ألم، حتى ولو كان كتلة عجين". وفي صفحات أخرى، يتتبع آثار وجهه الغائب في المرايا، وتفاصيل الانهيار النفسي، وذاكرة الطفولة في "البوكمال"، حيث الأغاني الشعبية والسنابل وغبار الطرقات الأولى.
يرسم الكتاب خريطة عاطفية وإنسانية لشخصية صادقة البوح، من خلال تجربة العيشة في الغربة تبحث فيها عن الضوء حيث يتقاطع الحنين بالجنون والحب بالحقيقة الموجعة.
من أجواء الكتاب
تحت عنوان "المخاض"؛ كتب المؤلف:
في ربع دقيقة أو أقل من عام 2013، رأى وجهه اللاجئ منتفخاً في المرآة الجانبية لباص بلدة سويدية صغيرة.
حاول اللحاق به غير أن حشرجات أنفاسه خذلته.
وفي ما تبقَّى من ملامح، استطال، وتماوج، ثم تضاءل حتى اختفى.
***
في البدء كانت الحبّاباتُ/ الجَدّات يُطوّفن نذورهن شموعاً على جسد الفرات، وفي أحضان حبابتيه زهرة وسلطانة نمت بعد منتصف السّتينات أشجار أغنياته، وعلى جذوعها تسلَّق مردّداً إيقاعهن.
ومع طيبة وعذوبة زهرة التي ولد في بيتها، وتمسَّك بأذيال ثيابها، وعاش طفولته الأولى متدفئا عند تنورها، أشرقت تحت وجهه سنابله وأرغفتها: "هلا بو هلا بو يا الجاي من كتّابو الدواية بإيدو والحبر معبّي ثيابو".
***
"يا عينو عين كدري وجبينو عرض شبري يا إيدو بالقلم تبري ويا نسلو نسل الأمَّار".
***
للعملة وجهان وللحقيقة وجه.
تفقد العملة قيمتها بوجه واحد، وتصير الحقيقة زائفة بوجهين.
وعلى مفارق ستّ جهات الأرض، توزعت وجوه نرده فاختار من حظوظها ما وافق خطوط كفّيه مرات، ولم يستسلم لأهوائها مرات أخرى.
كفّاه بعد منتصف العقد الخامس، ما زالت راحتاهما تسندان وجنتين ينبعث من تضاريسهما سناءٌ من وراء شجر.
بعض الوجوه شمس وبعضها قمر، ولهما في كلّ حين غير معلوم كسوف وخسوف.
كمال جمال بك
- شاعر وإعلامي سوري من مواليد مدينة البوكمال 1964. حاصل على دبلوم في الفلسفة من جامعة دمشق.
- عضو اتحاد الكتَّاب السويديين.
- صدرت له منذ عام 1992 أكثر من عشر مجموعات شعرية، منها: فصول لأحلام الفرات - سنابل الرماد - بعد منتصف القلب - فاتحة التكوين- مرثية الفرات العتيق - جسر الضلوع.. وهذه هويَتي - ذئب المنفى وعصافير الثَّلج - ماري عطر الشرق- لاجئ في المشفى، مع ترجمات إنكليزية وسويدية وفرنسية - كروموسوم الحب 21 قيراط - وردة لخصلة الحب.