icon
التغطية الحية

وجبة واحدة تساوي راتب شهر.. ما سبب الأسعار الخيالية في مطاعم دمشق؟

2025.05.03 | 04:25 دمشق

آخر تحديث: 2025.05.03 | 06:30 دمشق

54
صورة أرشيفية - AFP
دمشق - بسام الرحال
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تتجلى التناقضات الاقتصادية والاجتماعية في دمشق بوضوح، حيث يعاني السكان من صعوبة تأمين احتياجاتهم الأساسية بينما تزدهر المطاعم الفاخرة بأسعار خيالية، مما يعكس الفجوة المتزايدة بين الطبقات الاجتماعية.
- أصحاب المطاعم يبررون الأسعار المرتفعة بارتفاع تكاليف المواد الأولية والكهرباء والضرائب، بينما تحاول وزارة التجارة الداخلية ضبط الأسعار رغم التحديات.
- يشير الخبير الاقتصادي الدكتور حسام ناصر إلى أن ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد على الواردات يؤديان إلى تقلبات الأسعار، داعياً إلى تدخل حكومي لضبط الأسواق ودعم الإنتاج المحلي.

في مدينة أنهكتها سنوات الحرب الطويلة، وأثقل كاهلها التضخم والعقوبات الاقتصادية، تطفو على السطح مشاهد تعكس التناقضات العميقة في حياة السكان. ففي دمشق، حيث يكافح معظم الأهالي لتأمين أبسط احتياجاتهم من غذاء ومأوى، تزدهر في المقابل مطاعم فاخرة تقدم وجبات بأسعار خيالية قد تعادل أو حتى تتجاوز راتب موظف حكومي كامل.

هذا المشهد اللافت لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من واقع يومي يعكس اتساع الفجوة بين مستويات المعيشة، ويطرح مؤشرات مقلقة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها العاصمة السورية.

في بعض شوارع العاصمة، لاسيما في أحياء المالكي وأبو رمانة وكفرسوسة، لا يبدو أن الغلاء يحد من الإقبال على المطاعم والمقاهي. الطاولات ممتلئة، والأطباق متنوعة، والزبائن يعيشون واقعاً يبدو مختلفاً تماماً عن مشاهد الطوابير أمام الأفران أو المحال التجارية الخالية بسبب ضعف القدرة الشرائية.

تتراوح أسعار الأطباق بين 100 و250 ألف ليرة، بينما تتجاوز الفواتير العائلية حاجز المليون ليرة بسهولة. وهي أرقام تمثل صدمة للمواطن العادي، الذي لا يتجاوز دخله الشهري 400 ألف ليرة، في وقت تروّج فيه بعض المطاعم لوجباتها على أنها "تجربة راقية" أو "خدمة خمس نجوم"، متجاهلة أن كثيراً من سكان دمشق لا يجدون ثمن سندويشة فلافل.

ثمن وجبة يعادل معيشة شهر

في ظل اقتصاد غير منضبط، لا توجد تسعيرة رسمية تلزم المطاعم بحد معين، ما جعل السوق مفتوحاً على مصراعيه لتحقيق أرباح مبالغ فيها، في ظل غياب الرقابة التموينية الفاعلة أو اكتفائها بـ"زيارات شكلية".

وسط هذا الواقع، يجد كثير من الزائرين أنفسهم في صدمة أمام فواتير بعض المطاعم. من بينهم عمر الأحمد، شاب من مدينة الأتارب بريف حلب، يروي لموقع تلفزيون سوريا تفاصيل زيارته الأخيرة إلى أحد مطاعم دمشق بدعوة من صديق، حيث فوجئ بقيمة الفاتورة المرتفعة.

قال عمر: "طلبنا وجبتين من الشاورما ونحو كيلوَين من اللحم المشوي (كباب)، إضافة إلى بعض العصائر والحلويات والبوظة. وعند نهاية الوجبة، بلغت قيمة الفاتورة أكثر من ثلاثة ملايين ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 300 دولار أميركي".

وأضاف باستغراب: "بهذا المبلغ أستطيع أن أوفر احتياجاتي الأساسية مع زوجتي وأطفالي الأربعة لمدة شهر كامل في الأتارب، من طعام وشراب ومصاريف معيشة". وأكد أن هذا التفاوت الكبير في كلفة المعيشة بين دمشق وأرياف حلب يكشف عمق الفجوة الاقتصادية بين مختلف مناطق البلاد.

"الطبقة المخملية" تحتكر الموائد

من جهته، قال أحمد راضي، شاب يعمل في أحد مطاعم منطقة الشعلان، لموقع تلفزيون سوريا، إن الإقبال لم يتراجع رغم الأسعار المرتفعة، موضحاً أن زبائن المطعم ينتمون في الغالب إلى "الطبقة المخملية".

وأضاف: "الزبائن من هذه الفئة يفضلون المأكولات البحرية الفاخرة مثل السيفود بأنواعه، رغم أن الفاتورة في بعض الأحيان تتجاوز 11 مليون ليرة، وهو مبلغ ضخم جداً مقارنة بقدرة غالبية السكان".

وأشار إلى أن السمك الرملي يعد من أغلى الأطباق، إذ يصل سعر الكيلو الواحد منه قبل التحضير إلى نحو 750 ألف ليرة، بينما يبلغ سعر القريدس نحو 900 ألف ليرة. ومع ذلك، لا يتردد الزبائن في طلب هذه الأصناف الفاخرة، فهم لا يهتمون كثيراً بكلفة الطعام بقدر اهتمامهم بتجربة المكان.

تبريرات أصحاب المطاعم وتعليق حكومي

يبرر أصحاب المطاعم هذا الغلاء بارتفاع أسعار المواد الأولية، وكلفة الكهرباء والمولدات، والضرائب والرسوم الجمركية، إلى جانب ما يصفونه بـ"متطلبات الجودة والديكور".

سامر الحداد، صاحب أحد المطاعم في منطقة كفرسوسة، قال في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: إن "ارتفاع أسعار الوجبات لا يعود إلى حالة من الطمع كما يعتقد البعض، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم الكلفة الباهظة التي يتحملها أصحاب المطاعم يومياً".

وأضاف الحداد: "ارتفعت أسعار المواد الأولية بشكل كبير بسبب تقلبات سعر الصرف وارتفاع كلفة النقل، كما أن الضرائب والرسوم التي ندفعها تشكل عبئاً إضافياً، إلى جانب الكلفة المرتبطة بتجهيز المكان بديكورات مناسبة تحافظ على مستوى معين من الجودة لجذب الزبائن، وهي استثمارات ضخمة بحد ذاتها".

وأشار إلى أن مشكلة تأمين الكهرباء تشكل تحدياً يومياً، حيث تعتمد معظم المطاعم على تشغيل مولدات كهربائية خاصة بسبب الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، ما يعني مصاريف إضافية لشراء المازوت والصيانة الدورية للمولدات.

وتابع الحداد: "نحن مضطرون لتأمين تجربة مقبولة للزبائن رغم كل هذه المصاعب، وهذا يتطلب كلفة تشغيل مرتفعة جداً لا يمكن تجاهلها، وما يبدو للبعض سعراً مرتفعاً هو في الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من الأعباء التي نعمل يومياً على تجاوزها للاستمرار في العمل".

بدوره، قال مصدر مسؤول في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك: إن "الوزارة تعمل بشكل مكثف على تحديد أسعار عادلة لبعض المواد الأساسية والوجبات الشعبية، بالتنسيق مع اتحادات غرف التجارة والسياحة".

وأوضح المصدر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه لا يمكن فرض تسعيرة ثابتة وموحدة بسبب اختلاف كلفة الإنتاج من مطعم لآخر بحسب الموقع الجغرافي ومستوى الخدمات المقدمة.

وأشار إلى أن الابتكار واحتياجات التجديد في قطاع المطاعم يشكلان أيضاً عائقاً، إذ يسعى أصحاب المطاعم إلى تقديم تجارب جديدة لجذب الزبائن، ما يفرض عليهم استخدام مكونات خاصة أو تجهيزات حديثة تزيد من الكلفة.

وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية، أكد المصدر أن الوزارة تعمل حالياً على وضع آلية لضبط الأسعار من خلال إنشاء مراكز مراقبة ميدانية تتابع كلفة المواد الخام والخدمات بشكل دوري، إضافة إلى تحسين إنتاج المواد المحلية لتخفيف الاعتماد على الواردات، ما سيسهم في تقليل الكلفة.

خبير اقتصادي: الأسواق تحتاج إلى ضبط حكومي

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسام ناصر أن الارتفاع الكبير في أسعار الطعام في دمشق لا يعود فقط إلى ارتفاع كلفة التشغيل، بل يرتبط بأسباب أعمق تتعلق بالبنية الاقتصادية المتداعية.

وأضاف ناصر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "ضعف الإنتاج المحلي وتراجع الزراعة والصناعة بسبب سنوات الحرب والعقوبات، أدى إلى اعتماد شبه كامل على المواد المستوردة، ما جعل الأسعار خاضعة لتقلبات حادة ومضاربة في الأسواق".

وأوضح أن قلة المنافسة واحتكار بعض الموردين للسلع الأساسية ساهما في رفع الأسعار، إذ باتت الأسواق تفتقر إلى التنوع الذي كان يساهم في تحقيق توازن نسبي في الأسعار.

كما أشار إلى أن انخفاض قيمة الليرة أفقد الرواتب قيمتها الشرائية، ما جعل أسعار الوجبات العادية في المطاعم عبئاً لا يُطاق بالنسبة لغالبية السكان.

وأكمل: "اليوم لا نشهد فقط أزمة غلاء، بل أزمة عدالة اقتصادية، تتجلى في اتساع الهوة بين فئات قليلة ما تزال قادرة على الإنفاق، وغالبية ساحقة تعجز عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها".

وحول دور الحكومة، أكد ناصر أن ضبط الأسعار في المطاعم يتطلب إجراءات جدية تبدأ بإعادة تنظيم الأسواق ومراقبة آلية التسعير، عبر تحديد سقوف سعرية عادلة للمواد الأساسية والخدمات المرتبطة بها.

كما دعا إلى دعم الإنتاج المحلي وتسهيل استيراد المواد الغذائية الأساسية بأسعار مدعومة، مؤكداً أن غياب الرقابة الفعلية والإرادة الحقيقية لكبح الفوضى الاقتصادية سيؤدي إلى مزيد من الانفلات السعري.

وختم بالقول: "رغم أن قدرة الحكومة حالياً محدودة، إلا أنها قادرة على تحقيق نتائج نسبية إذا بدأت بتطبيق سياسات ذكية توازن بين حماية المستهلك من جهة، وعدم خنق أصحاب الأعمال من جهة أخرى".