وثيقة الأمن القومي الأميركي وانعكاساتها على الشرق الأوسط وسوريا الجديدة

2025.12.19 | 05:34 دمشق

25555554
+A
حجم الخط
-A

نشر البيت الأبيض النسخة الجديدة من استراتيجية الأمن القومي الأميركي (National Security Strategy) بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2025.

فما هي وثيقة الأمن القومي الأميركية؟
هي تقرير رسمي يصدره البيت الأبيض باسم الرئيس، يشرح فيه كيف ترى الولايات المتحدة نفسها، وما الذي تعتبره تهديدًا، وما هي أولوياتها في السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا. وهي الخريطة الذهنية للإدارة الحاكمة، مكتوبة بلغة سياسية أنيقة تخفي وراءها قرارات قاسية.

تكتسب وثيقة الأمن القومي الأميركي أهمية استثنائية لأنها الإطار العلني الأكثر وضوحًا الذي تُقدّم من خلاله الإدارة الأميركية رؤيتها للعالم، ولأولويات القوة الأميركية، ولطبيعة الدور الذي تريد البلاد أن تلعبه خلال السنوات المقبلة.

وهي وثيقة لا تُكتب للنخب وحدها، بل تُصاغ لكي يطّلع عليها المواطن الأميركي كما يطّلع عليها حلفاء واشنطن وخصومها على السواء، باعتبارها إعلانًا رسميًا للخيارات الكبرى واتجاهًا عامًا للسياسات الخارجية والدفاعية والاقتصادية. فهي ليست نصًا سريًا ولا مناورة لغوية، بل وثيقة مُعلنة بطبيعتها، يُراد لها أن تكون مرجعًا يُقاس عليه الأداء السياسي، وتُقرأ من خلالها حركة الولايات المتحدة في العالم. ولهذا فإن تحليلها يمنح فهمًا دقيقًا للبنية التي تتحرك ضمنها السياسة الأميركية، وللمساحات التي قد تستثمر فيها واشنطن أو تعيد ترتيب علاقاتها ضمنها، ولا سيما في المناطق التي تشهد تحولات عميقة، مثل الشرق الأوسط وسوريا الجديدة.

إن رفع العقوبات أو تعليق مسارها، بما فيها عقوبات «قيصر»، يأتي ضمن هذه الصياغة الجديدة، لا بوصفه امتيازًا، بل كجزء من تحويل السياسة الاقتصادية إلى أداة لإعادة إدماج دولة خرجت سنوات طويلة من النظام الدولي.

تُظهر المراجعة الأخيرة لوثيقة الأمن القومي الأميركي انتقالًا واضحًا في طريقة فهم واشنطن لدورها العالمي؛ فالوثيقة لا تتعامل مع التحديات بوصفها قوائم طوارئ، بل كبنية جديدة لنظام دولي يتشكّل على وقع تنافس القوى الكبرى وتراجع جدوى القوة التقليدية المنفردة. هذا التحول يعيد رسم طريقة حضور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويمنح المنطقة موقعًا وظيفيًا مختلفًا عمّا اعتادته خلال العقدين الماضيين.

يقوم جزء رئيسي من هذا التغيير على إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي نفسه.

لم يعد هذا المفهوم محصورًا بمحاربة الإرهاب أو احتواء الخصوم، بل بات يشمل استقرار الدول الانتقالية ومنعها من التحول إلى بؤر فراغ تستثمر فيها القوى المنافسة، أو تتحول فيها الهشاشة السياسية إلى موجات عدم استقرار عابرة للحدود. هذا التوسّع في تعريف الأمن يجعل الشرق الأوسط مساحة تحتاج إلى إدارة ذكية لا مواجهة مفتوحة، ويمنح مسار التحول في سوريا وزنًا يتجاوز حدود الجغرافيا نفسها.

من هذه الزاوية يمكن قراءة موقع سوريا الجديدة؛ فالتحول السياسي الذي قاد إلى نهاية النظام السابق لم يعد يُنظر إليه أميركيًا بوصفه حدثًا داخليًا، بل كإعادة تموضع لسوريا ضمن بيئة إقليمية مضطربة. واللقاء الذي جمع القيادة الانتقالية مع واشنطن لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة إلى أن سوريا باتت تندرج ضمن تصنيف «الدول القابلة لإعادة البناء»، لا «الأزمات المزمنة».

إن رفع العقوبات أو تعليق مسارها، بما فيها عقوبات «قيصر»، يأتي ضمن هذه الصياغة الجديدة، لا بوصفه امتيازًا، بل كجزء من تحويل السياسة الاقتصادية إلى أداة لإعادة إدماج دولة خرجت سنوات طويلة من النظام الدولي.

لا تذكر وثيقة الأمن القومي سوريا بالاسم، لكنها تمنح ستة مفاتيح تصلح لفهم ما ينتظرها: تعزيز الاستقرار الإقليمي، حماية الممرات التجارية وموارد الطاقة، الحد من انتشار الجماعات المتطرفة، منع التمدد الإيراني، دعم المراحل الانتقالية التي تخضع لإعادة بناء مؤسساتي، وإعادة توزيع الموارد الدفاعية بما يضمن لواشنطن النفوذ بأقل كلفة ممكنة. وعندما توضع هذه المفاتيح فوق المشهد السوري المتشكّل، تصبح الصورة أكثر وضوحًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

لا تبدو وثيقة الأمن القومي مجرد نص سياسي، بل إطار عمل يعيد ترتيب الشرق الأوسط على خرائط جديدة.

على هذا الأساس يمكن تمييز ثلاثة تحولات أساسية:
الأول هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى هندسة الاستقرار؛ فالمرتكز الأميركي لم يعد منع الانهيار فحسب، بل خلق بيئة سياسية وأمنية يمكن البناء عليها. ويعني ذلك عمليًا علاقة مباشرة مع السلطة الانتقالية، وما يترتب عليها من مسؤوليات واضحة في ضبط السلاح، وتنظيم المجال العام، وإعادة تكوين مؤسسات الدولة على أسس قانونية لا سلطوية.

أما التحول الثاني فيتعلق بطبيعة الوجود الأميركي شرق الفرات؛ إذ تُظهر الوثيقة ميلًا واضحًا إلى حضور عسكري محدود، لكنه مدعوم بفاعلية سياسية مستمرة. ولم يعد هذا الوجود مرتبطًا فقط بمنع عودة تنظيم داعش، بل بمنع أي قوة إقليمية من تحويل المنطقة إلى نقطة نفوذ استراتيجي. وهو دور مرن لا يذهب إلى التورط العسكري، لكنه يمنح واشنطن موقعًا يمكّنها من التأثير في توازنات الداخل السوري وفي علاقات سوريا مع جيرانها.

ويتمثل التحول الثالث في الانتقال من الأداة العسكرية إلى الأداة الاقتصادية بوصفها مركز الثقل في النفوذ. فالاقتصاد في الوثيقة ليس بديلًا عن القوة، بل تجسيدًا لنمط جديد من الضغط والتأثير. إن رفع العقوبات، أو إعادة هيكلتها، أو ضخ استثمارات مشروطة بالإصلاح المؤسسي، ليست إجراءات فنية، بل أدوات تستخدمها واشنطن لدمج سوريا في النظام الاقتصادي الدولي بطريقة تجعل الاستقرار السياسي شرطًا لأي انتعاش اقتصادي، وتربط عملية إعادة الإعمار بسقف من الحوكمة لا يمكن تجاوزه.

يرتبط هذا التحول الاقتصادي مباشرة بمسألة العلاقات الإقليمية؛ فواشنطن، وفق رؤيتها الجديدة، تريد شرق أوسط يقوم على شراكات مرنة لا على محاور مغلقة. وهذا يمنح سوريا فرصة نادرة لإعادة صياغة علاقتها مع محيطها المباشر من دون أن تكون ملحقة بأي طرف. فالتوازن بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج لم يعد مجرد تموضع جغرافي، بل شرطًا لإعادة سوريا إلى شبكة الاستقرار الإقليمي. كما أن ضبط التوترات الحدودية وفتح قنوات تعاون اقتصادي وأمني يعيدان دمج سوريا في منظومة الدعم الإقليمي التي تضمن لها حضورًا مستدامًا في المعادلة الجديدة.

ويغدو المشهد أكثر وضوحًا عند ربط كل ذلك بالمنافسة العالمية؛ فالولايات المتحدة حريصة على منع أي خصم من توظيف الفراغ السوري لمصلحته، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو النفوذ السياسي. غير أن هذا الحرص لا يعني إعادة سوريا إلى مرحلة الوصاية الدولية، بل وضعها في مسار دولة تستعيد موقعها ببطء، وتعيد بناء شرعيتها الداخلية عبر مؤسسات قادرة على إدارة التعقيد، لا مجرد التحكم به.

بهذه القراءة، لا تبدو وثيقة الأمن القومي مجرد نص سياسي، بل إطار عمل يعيد ترتيب الشرق الأوسط على خرائط جديدة. وسوريا، بعد التحول السياسي، لم تعد ملفًا يُدار بالعقوبات والعزل، بل بلدًا في طور إعادة التكوين، يملك—إذا أحسن إدارة المرحلة الانتقالية—أن يتحول من ساحة صراع إلى نقطة توازن. وهذا الدور ليس هدية من أحد، بل نتيجة لبنية داخلية تتشكل، وتوازنات خارجية يُعاد صياغتها، ومساحة جيوسياسية تحتاج إلى دولة مستقرة لا إلى ساحة نفوذ مفتوحة.