واشنطن بوست: كيف يمكن للأزمة الأوكرانية أن تزيد طين الحرب السورية بلة؟

تاريخ النشر: 26.05.2022 | 10:02 دمشق

واشنطن بوست - ترجمة: ربى خدام الجامع

تحولت الحرب التي شنها فلاديمير بوتين على أوكرانيا، والأخبار التي تتحدث عن الخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الروسية، إلى اختبار للقوة العسكرية التي تتمتع بها موسكو برأي كثير من المحللين. إلا أن ما يعرف بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، والتي بدأت في 24 شباط الماضي، أنهكت قدرة روسيا على تحقيق أهدافها في مناطق النزاع سواء في سوريا أو في شمال أفريقيا.

يعكس الخطاب الذي ألقاه بوتين في عيد النصر الموافق لـ 9 من أيار، والتصريحات الأخيرة الصادرة عن مجلس الدوما الروسي بأنه من غير المرجح لروسيا أن تبدأ عملية تعبئة عسكرية عامة لسد النقص في تعداد الجنود لديها، بالرغم من أن بعض المحللين يعتقدون بأن المؤسسات العسكرية الروسية منهمكة في عمليات التجنيد السرية وقد وصلت إلى مرحلة التخطيط لحملة تعبئة سرية.

ومن المحتمل أن تصدر وزارة الدفاع الروسية أمراً بوقف التحرك بالنسبة لإعادة انتشار مجنديها، وهذا ما سيحرم 130 ألف مجند حالياً من إنهاء خدمتهم العسكرية الإلزامية في وقت لاحق خلال هذا العام. إلا أن روسيا قد تحاول سحب المجندين ليخضعوا لمستويات جاهزية أعلى من المعتاد، أو قد تطبق عملية تجنيد وسحب خارج الدورة. إلا أن كلا الخيارين قد يقوض تأكيدات بوتين المتكررة للشعب الروسي بأن العمليات في أوكرانيا تجري وفق مخطط محدد، ولذلك من غير المرجح إطلاق أي عملية حالياً.

ولكن ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للنزاعات التي تخوضها روسيا في أماكن أخرى؟ وكذلك بالنسبة للآلاف من الجنود والمرتزقة الروس الذين تم نشرهم للقيام بتلك المهام؟ يقدر أن هنالك ألف مرتزق سوري وروسي سبق أن تم نشرهم في ليبيا قد رحلوا عن شمال أفريقيا، إذ يبدو أن السعي وراء تحقيق "الانتصار" في أوكرانيا- بصرف النظر عن التعريف الذي يختاره بوتين لوصف الحالة- أمر مؤكد إلى حد بعيد، وهذا ما سيتسبب بسحب القوات الروسية الموجودة في سوريا في المستقبل القريب.

يبدو أن موسكو تعتقد أن بوسعها سحب قواتها من سوريا من دون المخاطرة بالهدف الرئيسي الذي تسعى روسيا لتحقيقه هناك، ألا وهو ضمان بقاء بشار الأسد في السلطة. ولهذا يرى بعضهم في الحد من الدور الروسي الداعم لنظام الأسد تطوراً إيجابياً، إلا أن تقييمنا وجد بأن تلك التحولات يمكن أن تتسبب بظهور تهديدات كبيرة تتمثل بتجدد القتال إلى جانب تصعيد حالة التوتر بين إسرائيل وإيران.

هل ستلعب إيران دوراً أكبر في سوريا؟

في حال قررت موسكو سحب جزء كبير من قواتها، عندئذ سيعتمد نظام الأسد بشكل أكبر على إيران وعلى الحرس الثوري الإيراني وذلك لإبقاء سيطرته على المناطق المتنازع عليها في السابق، ولمواصلة قتاله للمعارضة السورية.

إلا أن العلاقة بين موسكو وطهران طوال الحرب السورية شابها الكثير من العداء، إذ تصارع الطرفان في معظم الأحيان على السيطرة التكتيكية في بعض المناطق، كما اختلفا على عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، وكذلك حول السياسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. بيد أن ذلك لم يمنع كلا البلدين من التنسيق فيما بينهما عند الضرورة، كما لم يمنعهما من اقتطاع مساحات خاصة بعمليات كل منهما في مواضع أخرى. ولذلك كانت إيران من بين دول قليلة عبرت عن دعمها وتضامنها مع الحملة الروسية على أوكرانيا، كما حذت حذو روسيا في انتقادها لتوسع حلف شمال الأطلسي، ما يوحي باحتمال تمتين العلاقات بين البلدين.

وطالما بقي الهدف النهائي المتمثل بإبقاء نظام الأسد بعيداً عن أي تهديد، عندئذ قد توافق روسيا على تسليم الحرس الثوري الإيراني أو أي من الجماعات التي تدعمها إيران زمام القتال التكتيكي في بعض المناطق. ولهذا يبدو أمر طلب الدعم من إيران هو السبب المرجح لزيارة الأسد لإيران في مطلع شهر أيار ولعقد اجتماعات مع آية الله علي خامنئي، المرشد الروحي الأعلى لإيران، وكذلك مع الرئيس إبراهيم رئيسي، إذ تشير بعض الأخبار إلى أن القوات الإيرانية قد تم نشرها قبل مدة لتملأ الفراغ الذي خلفته القوات الروسية بعد توجهها اليوم إلى أوكرانيا.

كيف سترد إسرائيل في سوريا؟

إلا أن زيادة أعداد الميليشيات الإيرانية وأنشطتها في سوريا قد تجذب المزيد من الغارات الإسرائيلية التي لا بد وأن تستهدف الأراضي السورية. وذلك لأن إيران ترى في الانسحاب الروسي، حتى لو كان جزئياً، فرصة لترسيخ وجودها في سوريا ولتحقيق أهدافها الإقليمية البعيدة.

ولكن من غير المرجح أن يرى قادة إسرائيل في الميليشيات الإيرانية بديلاً مؤهلاً عن القوات الروسية التي رحلت، كما أنه من غير المحتمل أن يرحبوا بالمزيد من التجاوزات الإيرانية. إذ سبق لإسرائيل أن شنت المئات من الغارات على الميليشيات الإيرانية وعلى عناصر حزب الله المدعومين إيرانياً في سوريا طوال العقد الماضي الذي امتدت الحرب السورية خلاله. لذا فإن أي زيادة في عدد الميليشيات تهدد بتصعيد النزاع في حال ردت إسرائيل على ذلك التغيير في أعداد القوات بزيادة جهودها وتصعيد غاراتها التي تستهدف الميليشيات.

احتمال تجدد القتال شمالي وجنوبي سوريا

قد يترتب على ذلك زيادة في مستوى القتال، لا سيما في المناطق التي وفر فيها الوجود الروسي شيئاً من "الاستقرار". فقد وقعت حالات قتال بين القوات الموالية للأسد وقوات المعارضة في درعا جنوبي سوريا، في صيف عام 2021، إذ عادت تلك المنطقة لسيطرة النظام في عام 2018، إلا أنها كشفت عن حالة مقاومة مدنية وعسكرية فعلية لحكم الأسد منذ ذلك الحين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن روسيا لعبت دور الوسيط في عامي 2018 و2021، لذا فإن انحسار الوجود الروسي في عام 2022 قد يؤدي إلى عودة المقاومة المسلحة إلى الظهور.

لقد ساهم الجيش الروسي في وقف إطلاق النار في الشمال السوري في بعض الأحيان، إذ في عام 2020 مثلاً، استطاعت موسكو أن تفاوض على بنود عمليات عسكرية وعلى هدنات لوقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، وبين تركيا والميليشيات المدعومة من قبلها، وبين القوات الكردية المتمركزة بالقرب من إدلب وفي الشمال السوري.

بيد أن الالتزام بإحدى تلك الهدن لوقف إطلاق النار لم يتطلب أكثر من الحد الأدنى من القوات الروسية، ولهذا فإنه من غير المرجح أن تنسحب تلك القوات بشكل كامل من تلك المناطق، ولكن في حال قامت روسيا بسحب قواتها بشكل كامل، فلا بد وأن يعقب ذلك فترة سيشتد فيها القتال كثيراً.

قد لا يكون لدى إيران أي دافع دبلوماسي لإطالة أمد تلك الاتفاقيات، كما قد تعود استراتيجية نظام الأسد للظهور، وهي استراتيجية قائمة على ضمان الاستسلام الكامل من خلال العنف العشوائي، وذلك في ظل غياب المفاوضات الروسية. ثم إن المعارضة السورية في الشمال قد يشجعها غياب روسيا على انتهاز تلك الفرصة لاستعادة السيطرة على بعض المناطق.

خلق حالة توازن بين سوريا وأوكرانيا

إن أوكرانيا أهم من سوريا بميزان الأولويات الاستراتيجية لدى روسيا، ولكن في ظل غياب عملية تعبئة عسكرية عامة واسعة النطاق، وهذا الأمر غير مرجح حالياً، قد تضطر موسكو، حتى تحل معضلة نقص الجنود اليوم، إلى سحب مقاتليها من سوريا لتحقق أهدافاً تحتل درجة أعلى على سلم أولوياتها في أوكرانيا. وهذا قد يهدد بتصعيد النزاع في سوريا وبزعزعة استقرار الوضع الراهن الذي ما يزال متقلقلاً.

لقد استثمرت روسيا بشكل كبير في سوريا بكل تأكيد، ولهذا من غير المحتمل أن تقوم بسحب كامل جنودها من هذا النزاع في المستقبل القريب. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الوجود الروسي وتوسعه المستمر في سوريا يعتمد بشكل كبير على الاحتمالات التي لم تعد مؤكدة بنظر موسكو لتحقيق النجاح في أوكرانيا.

المصدر: واشنطن بوست

 

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار