icon
التغطية الحية

واشنطن بوست: طوابير الخبز في سوريا تحرم الأطفال من مدارسهم

2020.12.28 | 15:33 دمشق

86030971000000_169_1024.jpg
واشنطن بوست- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

في كل صباح يستيقظ أبو محمد مع ولديه لأداء صلاة الفجر في دمشق، ثم يتوجه الجميع إلى المخبز، حيث ينتظرون لمدة ثلاث ساعات على أقل تقدير، الأمر الذي يجعلهم بالكاد يصلون إلى العمل أو المدرسة في الوقت المحدد للدوام حسب وصف أبي محمد. وأصبح الفتيان في أغلب الأحيان يتغيبان عن الحصص الأولى في المدرسة، بل إنهما أحياناً يتغيبان عن الدوام طوال اليوم.

فقد أخبرنا أبو محمد في مقابلة أجريناها معه على الهاتف وقال: "في أحد الأيام بقيت واقفاً لمدة سبع ساعات، وفي اليوم التالي وقفت لثماني ساعات، فشعرت بأن عملي بدأ يتضرر نتيجة لذلك، فأنا بحاجة لأن أعمل ولأن أعيش".

وأبو محمد هذا الذي رفض الكشف عن اسمه الكامل مخافة تعرضه لمضايقات من قبل أفرع الأمن هو واحد من بين أعداد تتزايد بسرعة من السوريين الذين يشقون ويتعبون وهم واقفون ينتظرون دورهم في الطوابير التي لا تنتهي.

ولعل أزمة الخبز أكثر ما يعكس الانهيار الاقتصادي لسوريا بصورته المؤلمة، بعدما تم خفض كمية الخبز المدعوم الذي يمكن لمعظم السوريين شراؤه بنسبة النصف بل حتى أكثر من النصف. إلى جانب تضاعف أسعار المواد المدعومة منذ شهر تشرين الأول، بالرغم من الوعود الرسمية في الربيع الماضي بأن ارتفاع سعر الخبز "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه.

أعلى من السعر الرسمي بعشرة أضعاف

وأبو محمد عامل في مصنع لديه ثلاثة أبناء، وقد أخبرنا أنه يحتاج ما بين ثلاث إلى أربع ربطات خبز يومياً، حيث يقوم بشراء ربطتي خبز قاس من النوع الرديء الذي تؤمنه مخابز الدولة، ويمثل ذلك حصته الكاملة حسب نظام الدعم المتبع في سوريا. لكنه ينتظر في طابور أمام مخابز القطاع الخاص للحصول على بضعة أرغفة أخرى من خبز ذي جودة أعلى. وإذا كان بحاجة ماسة لتلك الكمية ولم يعد بوسعه الحصول على تلك الأرغفة، عندها يدفع مبلغاً أعلى من السعر الرسمي بعشرة أضعاف أي ما يعادل 50 سنتاً وذلك لشراء أرغفة ذات جودة متدنية ممن وصفهم بتجار الأزمة في السوق السوداء.

قد تكون حالة الحرمان أسوأ بكثير خارج المدن الكبرى، إذ يقول أحد أهالي مدينة طرطوس الساحلية في مقابلة أجريت معه عبر فيسبوك: "لم يعد لدى الفقير الذي يعيش في القرية أي غاز ولا حطب، كما لم يعد لديه خبز، ولهذا بات يصنع خبزه بنفسه".

اقرأ أيضا : بالأرقام.. سبب أزمة الخبز في سوريا

يذكر أن السوريين يتناولون الخبز مع كل وجباتهم تقريباً، حيث يتم تقسيم الخبز إلى لقيمات صغيرة تحمل بين إصبعين وتستخدم تلك اللقيمات لغرف اللبنة والزيتون لطعام الإفطار، كما تستخدم تلك اللقيمات لتحمل الخضروات المحشية على الغداء وللف الشاورما التي تطلب من المطاعم لتناول وجبة عشاء متأخرة.

وتقليدياً، يبدو هذا النوع من الخبز أكبر وأرق بكثير من خبز البيتا الموجود في الولايات المتحدة الذي يباع في ربطات تشتمل على نحو سبع قطع مغلفة في أكياس بلاستيكية شفافة. ومؤخراً، بدأ السوريون يشتكون من صغر حجم الأرغفة الموجودة في تلك الربطات.

وفي مقابلة مع صحيفة الوطن الموالية للحكومة أجريت في مطلع هذا الشهر، سعى وزير الزراعة في حكومة الأسد حسان قطنا للتخفيف من حالة السخط الشعبي فقال: "لنعد إلى خبز الخبز في بيوتنا بدلاً من انتظار الحكومة".

ولكن مع تضاعف الأسعار، تراجعت الجودة وازدادت الطوابير طولاً بشكل يبعث على السخرية، وأخذ المواطنون الذين لم يجرؤ أي منهم على التعبير عن أي شكوى في الماضي، يخشون أن تكون حكومة بشار الأسد المستبدة تعبر عن نقمتها تجاههم، وقد تنامى ذلك الغضب بعدما قامت صحيفة حزب البعث الحاكم بنقل خبر في مطلع هذا الشهر حول اختفاء 500 طن من القمح عند إفراغ تلك الشحنة من إحدى السفن.

وخلال السنوات الثلاث الماضية كانت سوريا تستورد نسبة سنوية تزيد عن 1.1 مليون طن من القمح بحسب أحد التقارير حول سوريا الذي يقوم برصد وضع اقتصاد البلاد. وكل تلك الواردات تقريباً آتية من روسيا، الداعم الأساسي للأسد، غير أن انتشار فيروس كورونا دفع روسيا للحد من صادرات النفط في مطلع هذا العام وذلك لتحمي عملية توفير هذه المادة في الداخل. وقد ذكر مسؤول في مؤسسة الحبوب السورية خلال هذا الشهر بأن شركات روسية انسحبت من ستة عقود أبرمتها مع سوريا، الأمر الذي خفض نسبة واردات القمح الإجمالية إلى النصف تقريباً.

اقرأ أيضا: بالأرقام.. سبب أزمة الخبز في سوريا

وفي الوقت ذاته، أدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي نجمت عن الحرب وسوء إدارة البلاد والعقوبات الأميركية ووصول ارتدادات الانهيار المالي في الجارة لبنان إلى سوريا إلى تدمير قيمة العملة السورية، الأمر الذي جعل عملية استيراد القمح باهظة التكلفة وأدى إلى خفض نسبة الاستيراد منها، كما عطلت هذه الأزمة من عملية إنتاج تلك المحاصيل وتسويقها.

وتاريخياً، يعتبر القمح أهم المحاصيل التي تنتجها سوريا، إلا أن حالة الاكتفاء الذاتي في هذه الدولة والتي ظلت حجر الزاوية في سياسة البعث على مدار عقود قد قوضتها الحرب وحالة الجفاف.

إذ منذ عام 2011، قامت حرب في هذه الدولة بعد خروج السوريين ضد الأسد. وقد عانت المحافظات الثلاث الغنية بالأراضي الزراعية وهي حلب والرقة والحسكة من القتال الضاري بين الجيش السوري (قوات النظام) الذي تدعمه روسيا والثوار المدعومين من قبل الغرب وكذلك تنظيم الدولة. كما تعرضت الآلات الزراعية للتدمير وأصبحت طرق الشحن غير آمنة، فيما ارتفعت تكاليف الإنتاج.

وفي الوقت الذي ساعدت فيه الهطولات المطرية العالية مع تحسن الوضع الأمني على تضاعف حجم المحصول السنوي خلال العام الفائت بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، إلا أن الإنتاج المحلي الذي بلغ 2.2 مليون طن ظل يقل بنسبة النصف عن متوسط الإنتاج قبل الأزمة.

النظام: قيصر السبب

ولحشد المؤيدين، ألقت حكومة الأسد باللوم على الولايات المتحدة بالنسبة لهذه الأزمة، وذلك عندما أشارت إلى الأثر الذي خلفته العقوبات الاقتصادية الأميركية، والتي أعاقت قدرة سوريا على استيراد قطع الغيار الخاصة بالآلات والمبيدات الحشرية كما عطلت الصفقات المالية وخفضت قيمة العملية السورية وفاقمت من الأزمة الاقتصادية الشاملة في البلاد. فقد تأثرت واردات الوقود بشدة بسبب العقوبات الأميركية، ما أدى إلى وقوف طوابير طويلة من السيارات التي سدت الطرقات وهي تنتظر أمام محطات الوقود، إذ يطول انتظارها في بعض الأحيان ليتجاوز 10 ساعات.

اقرأ أيضا: مدير المخابز: الازدحام على الأفران سببه جودة الخبز الحكومي

بل إن وكالة الأنباء الرسمية (سانا) ذهبت أبعد من ذلك عندما أنحت باللائمة على الرئيس ترامب بالنسبة لحرائق الغابات التي دمرت مساحات شاسعة من حقول القمح، إذ ادعت تلك الوكالة بأنه أصدر أوامر لمروحيات أباتشي أميركية حتى تقوم بإحراق محاصيل القمح في محافظة الحسكة في شمال شرق البلاد.

كما ظهر وزير التعليم دارم طباع في مقطع فيديو خلال هذا الشهر وهو في حقل يحمل باقة من سنابل القمح ويحث الطلاب على زراعة هذا المحصول بالقول: "إنكم ترون اليوم أهمية محصول القمح وذلك عندما تقفون في الطوابير أمام المخابز، وعندما تستيقظون لتناول فطوركم، وعندما تعودون إلى البيت من مدارسكم".

إلا أن تعليقاته قوبلت بسخرية واستهزاء على الشابكة، وذلك لأنه أذهل من انتقده بفكرته القائلة بإن القمح ليس أكثر من نبتة منزلية.

اقرأ أيضا: مدير المخابز: الازدحام على الأفران سببه جودة الخبز الحكومي

وقد أشارت بعض التقارير الإعلامية والمنشورات على فيسبوك الموالية للحكومة إلى عدم وجود أزمة خبز على الإطلاق في البلد، وقد قوبل ذلك بغضب عارم، فقد ذكر شخص من أهالي طرطوس تحدث إلينا شريطة عدم الكشف عن اسمه مخافة تعرضه لانتقام من قبل الحكومة أنه أحس بغضب عارم بسبب ما قاله الوزراء الذين: "يجلسون ويحاولون خداع الناس ويعتقدون بأن كل الأمور ستصبح على مايرام".

هذا وقد ازداد طول طوابير الخبز لدرجة أن القائمين على أحد المخابز في دمشق أنشؤوا سياجاً شبكياً ارتفاعه ستة أقدام لاحتواء الزبائن، وهكذا انتشرت صورة رجال يحتشدون ضمن شيء يشبه القفص أو الحظيرة على الشابكة بشكل كبير، مما أثار حفيظة السوريين في الداخل والخارج الذين استاؤوا بسبب تلك الظروف المهينة التي تشبه السجن، ولهذا قام القائمون على ذلك المخبز بإزالة ذلك السياج.

المصدر: واشنطن بوست