icon
التغطية الحية

واشنطن بوست: تهافت القوى الأجنبية على السيطرة في سوريا يهدد بتجدد النزاع

2024.12.16 | 16:41 دمشق

سوريون يحتفلون بسقوط الأسد حاملين علم سوريا الجديدة وأمامهم أحد الثوار المسؤولين عن حفظ الأمن
سوريون يحتفلون بسقوط الأسد حاملين علم سوريا الجديدة وأمامهم أحد الثوار المسؤولين عن حفظ الأمن
The Washington Post- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت سوريا قصفًا من ثلاث قوى أجنبية بعد سقوط بشار الأسد، حيث استهدفت الولايات المتحدة فلول تنظيم الدولة الإسلامية، وهاجمت تركيا القوات الكردية، بينما قصفت إسرائيل مواقع الجيش السوري.
- أدى سقوط الأسد إلى زلزال جيوسياسي في الشرق الأوسط، مع سيطرة المقاتلين الإسلاميين على دمشق وتغير موازين القوى الإقليمية، مما أثار مخاوف من استمرار عدم الاستقرار.
- تواجه سوريا تحديات كبيرة في بناء مستقبلها، مع مخاوف من التدخل الأجنبي واستمرار الصراعات، بينما تراقب الدول العربية الوضع بقلق.

في الأسبوع الأول لسوريا من دون المستبد بشار الأسد الذي بقي يحكمها لردح طويل من الزمان، والذي غادرها إلى موسكو منذ سقوطه، عمدت ثلاث قوى أجنبية إلى قصف مواقع في سوريا وذلك حتى تحقق أهدافاً استراتيجية تخصها، إذ ضربت الولايات المتحدة فلول تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة الشرقية، كما ضربت تركيا القوات الكردية في شمال شرقي سوريا، في حين ضربت إسرائيل أصولاً للجيش السوري في مواقع عدة.

وفي تلك الأثناء، سارعت كل من روسيا وإيران اللتين كانتا من أكبر وأهم الداعمين للأسد ومن أشد الخاسرين من جراء تغير السلطة في سوريا، إلى سحب قواتها من البلد أو إلى إعادة تمركزها، فقد أجلت إيران أربعة آلاف جندي من سوريا منذ سقوط الأسد، بحسب ما أعلنه الناطق الرسمي باسم الحكومة الإيرانية، أما روسيا فقد سحبت جنودها من قواعدها في سوريا ونقلتهم إلى قاعدة حميميم الجوية الواقعة على ساحل المتوسط في سوريا، على الرغم من أنه لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت إعادة التموضع هذه هي عبارة عن انسحاب كامل شامل أم لا.

يعتبر هذا النشاط مقياساً لمدى الأهمية الاستراتيجية الكبيرة التي تتمتع بها سوريا بوصفها مهداً للأديان والأيديولوجيات كما أنها تجاور خمس دول في الشرق الأوسط، ويسلط ذلك الضوء على احتمال وقوع اضطرابات كبيرة في أثناء حدوث تغير في التحالفات السياسية والعسكرية، مع سيطرة الثوار الإسلاميين الذين تقودهم هيئة تحرير الشام على العاصمة دمشق.

زلزال جيوسياسي في قلب الشرق الأوسط

على مدار خمسة عقود، حكم آل الأسد سوريا حكماً ديكتاتورياً ثبت على معاداته للغرب، إلا أن هذه الديكتاتورية كانت ديكتاتورية علمانية، إذ تحالفت في بداية الأمر مع الاتحاد السوفييتي ثم مع روسيا إلى جانب تحالفها مع إيران الشيعية بعد الثورة الإسلامية. بيد أن سيطرة المقاتلين المسلمين على البلد خلال الأسبوع الماضي، أدت إلى حدوث تغيير جذري في موازين القوى بالمنطقة، بما أن بعض هؤلاء المقاتلين استلهموا أفكارهم من تنظيم القاعدة.

إذ انقطع محور النفوذ بين الشرق والغرب والذي كان يربط طهران ببيروت عبر العراق وسوريا، فأصبح هذا الممر للنفوذ يمر الآن من الشمال نحو الجنوب، أي من تركيا عبر سوريا وصولاً إلى الأردن والدول العربية السُنّية في الخليج العربي.

وتعليقاً على ذلك يقول فراس مقصد، وهو باحث مهم لدى معهد الشرق الأوسط: "كيفما قلبت الأمر، إنه لزلزال جيوسياسي شديد وقع في قلب الشرق الأوسط، حاملاً معه بحراً من التغييرات".

ذكريات أليمة

ينطوي التاريخ الحديث للمنطقة على انتفاضات وانقلابات حملت ذكريات مشؤومة عن تفشي حالة انعدام الاستقرار حال سقوط الديكتاتور. فسقوط نظام صدام حسين السني في العراق عام 2003 قوى شوكة الغالبية الشيعية في البلد، ودفع لظهور حالة تمرد سُنية تطورت مع الأيام لتتحول إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

كما أن إسقاط ديكتاتور ليبيا معمر القذافي في عام 2011 فتح الباب على مصراعيه أمام حرب أهلية امتدت لزمن طويل بين فصائل الثوار التي دعمتها القوى الأجنبية، وفي مصر، أسقط انقلاب عسكري حكومة منتخبة بشكل ديمقراطي ترأسها تنظيم الإخوان المسلمين، ما تسبب بعودة النظام الاستبدادي إلى الحكم.

وهنالك احتمال آخر ينطوي على استمرار الحرب في سوريا في حال سعى المنتصرون إلى الانتقام، أو في حال حدوث انقسام بين الثوار، مع محاولة القوى الأجنبية للتدخل بسوريا بالقوة.

وتعقيباً على ذلك يقول الصحفي السوري إبراهيم حميدي المقيم في لبنان والذي يشغل منصب رئيس تحرير مجلة "المجلة" السعودية: "ذلك هو التخوف الكبير، فجميعنا نحس بسعادة غامرة لسقوط الأسد وهروبه، لأن ذلك كان معجزة بحق، ولكن ما الذي ينتظرنا بعد ذلك؟ ثمة تحديات كثيرة، وقضايا شائكة أمامنا".

مايزال دور إيران حاسماً

كما أن الطريقة التي ستقرر من خلالها إيران أن ترد على الضربة التي قصمت ظهر طموحاتها الإقليمية ستكون حاسمة في تقرير مصير كل من سوريا والشرق الأوسط الجديد، إذ قد تقرر إيران أن تشرع بمفاوضات جديدة مع الغرب بشأن برنامجها النووي، أو قد تضاعف جهودها سعياً إلى إعادة بناء شبكتها التي تدمرت والتي تضم ميليشيات متحالفة معها في المنطقة.

يعلق حميدي على ذلك بقوله: "جميعنا يعرف بأن إيران خسرت كثيراً بسبب سقوط الأسد، كما أننا نعرف بأن إيران تتمتع بصبر كبير، ولهذا فإنها تراجعت اليوم بضع خطوات نحو الوراء وذلك لتحدد الطريقة التي ستتعامل من خلالها مع هذا الوضع".

الخطر القادم من الشرق

بيد أن خطر العنف الذي يعتبر الأقرب بين البقية يكمن في الجيب الذي يسيطر عليه الكرد وما حوله وذلك في المنطقة الشرقية وشمال شرقي سوريا، حيث نشرت الولايات المتحدة نحو 900 جندياً إلى جانب القوات الكردية التي تشكلت صفوفها لتحارب تنظيم الدولة. إذ لطالما وقفت تركيا ضد هذا الجيب المقام في سوريا بما أنها حاربت حالة التمرد الكردية لعقود طويلة على أراضيها، ولذلك، فإن صعود الثوار المدعومين تركياً يهيئ الظروف لظهور جولة جديدة من الصراع ما بين العرب والكرد، وهذا ما قد يدفع أنقرة للتدخل بشكل أكبر في سوريا هي والقوات الأميركية.

ثم إن هذه المنطقة هي المنطقة الرئيسية التي يحاول تنظيم الدولة أن يعيد ترتيب صفوفه فيها، مما يزيد خطر اندلاع مزيد من حالات الاقتتال، وهذا ما قد يهدد بقاء القوات الأميركية بشكل دائم هناك، وذلك برأي الباحث تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط، بحسب ما أعلنه خلال ندوة عقدت الأسبوع الماضي.

وفي حال تعرض الكرد لخطر محدق في قلب معقلهم في أقصى المنطقة الشرقية بسوريا، فمن المحتمل للقوات الكردية أن تنسحب من معظم المناطق ذات الغالبية العربية التي تسيطر عليها في الوقت الراهن، وذلك بحسب ما أعلنه الصحفي الكردي بارزان عيسو المقيم بشمال شرقي سوريا، والذي أضاف: "إننا نخشى من تركيا أكثر من خشيتنا من هيئة تحرير الشام"، ثم إن أي انسحاب كردي قد يضعف القوات الأميركية الموجودة في بعض القواعد العسكرية الموجودة هناك، كما أنه قد يثير تساؤلات وشكوكاً حول مستقبل المهمة الأميركية الساعية لدحر تنظيم الدولة في المنطقة.

إسرائيل تعادي سوريا الجديدة منذ اليوم الأول

وفي الوقت ذاته، تهدد الغارات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية للجيش والعتاد العسكري في سوريا بتشتيت الثوار بعد دفعة القوة التي انتابتهم مؤخراً، إذ لم يسبق لتلك الجماعات أن ركزت على إسرائيل بوصفها تهديداً بحسب رأي مايكل هوروفيتز رئيس قسم الاستخبارات لدى مركز لي بيك الدولي وهو مركز استشاري متخصص بالملف الأمني في الشرق الأوسط. يذكر أن إسرائيل عمدت أيضاً إلى نقل قواتها نحو عمق المنطقة العازلة منزوعة السلاح في سوريا، مما أثار شكوكاً كبيرة في سوريا بخصوص ما تحمله إسرائيل من نوايا تجاه سوريا اليوم.

وصفت إسرائيل تحركاتها بأنها مجرد تحركات دفاعية، وذلك لضمان عدم تحول أي قوة تظهر في دمشق إلى خطر تقليدي يهدد إسرائيل برأي هوروفيتز، ولكنها عبر قيامها بذلك: "أعادت سوريا الجديدة إلى خانة العدو منذ اليوم الأول"، بحسب رأي هذا الباحث، وفي الوقت ذاته، حرمت إسرائيل السلطات الجديدة التي تسيطر على دمشق من الوسائل العسكرية التي تمكنها من مواجهة أية تحديات أو أخطار أخرى يمكن أن تظهر.

 

مخاوف دول الجوار العربية

من جهتها، أخذت دول الجوار العربية تراقب بعين القلق تطورات الأمور في سوريا، بما أنها كانت قد بدأت مرحلة تطبيع العلاقات مع الأسد عند وصول الثوار إلى السلطة، إذ خلال السنوات الأولى من تاريخ الثورة السورية، سارعت الدول العربية إلى دعم فصائل مختلفة من الجيش السوري الحر الذي لم يكن لديه ملامح واضحة، ما أسهم في ظهور انقسامات قوضت أولى محاولات الثوار لإسقاط النظام، بيد أن ما أقلق تلك الدول أشد القلق هو توسع النفوذ الإيراني، وهذا ما دفعها للتصالح مع الأسد على أمل أن تتمكن من إقناعه بالانفصال عن طهران والابتعاد عنها.

غير أن الدول العربية سترتاح بعد انهيار محور إيران، بحسب رأي فواز جرجس، وهو أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد بلندن، إلا أن وجود الإسلاميين وانتشار الديمقراطية قد يقلقها، لذا، في حال ظهور نظام جديد قد يتسبب لها بأي إزعاج من دمشق، فإنها ستحاول أن تؤثر على مسار سوريا عبر رعاية عملاء في الداخل السوري بحسب رأي جرجس.

احتمال التدخل الأجنبي مايزال قائماً

أصبحت سوريا عبارة عن مرجل يشتمل على أيديولوجيات وأديان متصارعة تتراوح ما بين الجهاديين مروراً بالإسلاميين المعتدلين وصولاً إلى العلمانيين وأنصار الديمقراطية، فضلاً عن وجود أقليات مسيحية وعلوية ذات شأن، وجميع تلك الأطياف لديها تطلعات وأمان مختلفة بالنسبة لمستقبل البلد، ولهذا يمكن أن تضعف أمام التدخل الأجنبي برأي جرجس الذي يقول: "إن الديناميات الداخلية هي التي بوسعها أن تسمح لدول الجوار بالتدخل في الشؤون الخارجية لسوريا وبالتالي مفاقمة المشكلات القائمة، فقد تحولت سوريا منذ فترة طويلة إلى ساحة قتال للحرب بالوكالة، ولا أظن أن الوضع قد تغير الآن".

وهنا تكمن جسامة التحدي المتمثل ببناء سوريا جديدة من رماد بلد مدمر تتفوق فيه المخاطر والشكوك على أي احتمال أو وعد برأي جرجس، لذا فإن احتمال انتقال السلطة بشكل سلس وسلمي يبقى احتمالاً ضعيفاً برأي هذا الباحث.

ولكن هنالك أسباب أخرى تدفعنا إلى التفاؤل بسوريا وقدرتها على تجنب أسوأ العواقب، برأي حميدي، فلقد حارب السوريون بعضهم طوال السنوات الثلاث عشرة الماضية، لدرجة أصيبوا معها بالإنهاك برأيه، ولهذا: "إن كانوا على وعي بالمخاطر، فبوسعهم التغلب عليها وقهرها".

 

المصدر: The Washington Post