هيئة تحرير الشام.. عن المستقبل والمصير

تاريخ النشر: 11.03.2020 | 23:00 دمشق

بين الحين والآخر تنتشر شائعات حول نية هيئة تحرير الشام حل نفسها، وفي كل مرة يتصدر الخبر المشهد الإعلامي وتسلط الأضواء عليه من زوايا مختلفة، ثم تتلاشى هذه الأضواء تماماً ليعود مجدداً الخبر في وقت لاحق إلى دائرة الاهتمام.

لا أحد يعرف بالضبط الجهة أو الجهات التي تقف خلف الدفع بهذه الإشاعة من وقت لآخر إلى السطح.. قد تكون الهيئة نفسها وقد يكون خصومها، لكن المؤكد أن مصير تحرير الشام ومستقبلها أمر على غاية الأهمية بالنسبة لجميع السوريين، وخاصة المعارضين منهم، الذين باتوا يدركون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مركزية هذا الفصيل بالنسبة للمسألة السورية بشكل عام.

لنتفق بداية أن هيئة تحرير الشام اليوم لم تعد ذاتها عندما انطلقت بنسختها الأولى (جبهة النصرة) قبل ثمان سنوات، وهذا التوصيف ليس من قبيل الذم أو المدح، إذ يمكن أن يجد كل شخص، وانطلاقاً من موقفه تجاه الهيئة، في تحولاتها ما هو سلبي أو إيجابي، لكن المهم ليس الموقف بقدر ما هو قراءة هذه التحولات بما يفيد في فهم مصير التنظيم.

لقد نجح زعيم الهيئة والفريق القيادي التابع له بتجاوز محطتين من أخطر مراحل الجماعة منذ تأسيسها. المحطة الأولى عام ٢٠١٣ عندما رفض قادتها متابعة تنظيم الدولة في العراق بعدما قرر الإعلان عن نفسه في سوريا، والثانية عام ٢٠١٦ عندما تم فك الارتباط بتنظيم القاعدة، وهما المحطتان اللتان وضعتا التنظيم على شفير هاوية نجا منها في المرتين.

لكن الخروج من عباءة أكبر تنظيمين جهاديين على مستوى العالم، والدخول في خلافات كبيرة مع أهم قادة التيار ومنظريه بسبب ذلك، لم يعن الافتراق النهائي عن السلفية الجهادية، إذ تمكن الجولاني وفريقه من توفير غطاء معنوي مهم من داخل هذا التيار، وبالتحديد من خلال الداعية الشهير أبو قتادة الفلسطيني، الذي بدا مقتنعاً تماماً بمشروع الهيئة الجديد باعتباره (حركة إصلاحية) داخل التيار الجهادي.

غطاء ساهم في تجاوز الجولاني المحطة الخطيرة الثالثة التي واجهها التنظيم مع قبوله بدخول الجيش التركي إلى مناطق سيطرة الهيئة في ريفي إدلب وحماة، ونشره نقاط المراقبة تنفيذاً لاتفاقي سوتشي وأستانا، حيث تمكنت تحرير الشام من تجاوز محنة موجة جديدة من الانشقاقات أدت لمغادرة آخر من تبقى من السلفيين الجهاديين في صفوفها التنظيم، بسبب الموقف المبدأي الذي يؤمن به الجهاديون تجاه الحكومة والجيش التركي كجزء من موقفهم العام تجاه جيوش وحكومة جميع الدول، وهو التكفير.

ومرة أخرى استطاعت قيادة الهيئة أن تجير ما سبق لصالحها، من خلال التأكيد على أنها ليست جماعة تكفيرية، وعلى (واقعيتها) كذلك ، إلى جانب سعيها لوضع هذا التطور في خدمة تأكيد (انتمائها) للثورة، مع قدرة مدهشة لهذه القيادة على تجاهل أو تناسي مواقفها السابقة من القوى الثورية السياسية والعسكرية، والتي كان أبرزها تفكيك العديد من الفصائل بتهمة المشاركة في مفاوضات أستانة والسعي لتطبيق اتفاق سوتشي !

نجحت تحرير الشام في الذهاب أبعد من ذلك، عندما فرضت نفسها قوة مطلقة على الأرض، وتفردت في حكم المنطقة الممتدة من غرب حلب إلى شمال حماة مروراً بمنطقة إدلب، وأعلنت حكومتها الخاصة التي غدت بيدها إدارة المعابر الحدودية والمؤسسات الخدمية وكذلك العمليات العسكرية، لتأتي التطورات الميدانية المتلاحقة بعد ذلك وتنسف مكاسب الهيئة السابقة وتعيد حشرها في زاوية ضيقة من جديد.

فمنذ بدأ النظام وحلفائه التقدم باتجاه المناطق الخارجة عن سيطرته في شمال غرب البلاد عام ٢٠١٧، وبالتحديد مع سيطرته على ما بات يعرف بمناطق (شرقي سكة) الحجاز، وما تلا ذلك من خسائر أفضت في النهاية إلى ما أفضت إليه، كانت تحرير الشام تواجه الاتهام بالمسؤولية الأولى والأكبر عن هذه الهزائم، وهي اتهامات مبنية بالأساس على أنها نتيجة اعتداء الهيئة على بقية الفصائل وتفكيكها وإضعافها، وبالتالي إخراجها من دائرة القدرة والفعل بمواجهة النظام وحلفائه.

صفعة قوية وجهتها هذه التطورات لمساعي هيئة تحرير الشام من أجل حيازة أو تعزيز شرعية ثورية لطالما عملت جاهدة من أجلها، وفي الوقت نفسه، كانت فرصة لخصومها من الجهاديين كي يعلنوا إسقاط آخر ما تبقى لها من شرعية لدى التيار السلفي الجهادي، وهو أمر كان يفترض أن يفجر الأزمة النهائية داخل التنظيم ويهوي به، إلا أن الهيئة حافظت على تماسكها وعلى العشرة آلاف مقاتل أو أكثر الذين ما زالوا في صفوفها.

يشير ما سبق إلى أن هؤلاء الآلاف من المقاتلين الذين حافظوا على ولائهم للتنظيم رغم افتقاده الشرعية الجهادية والشرعية الثورية، لا يحملون بالأصل الفكر السلفي الجهادي التقليدي، وفي الوقت نفسها لا يتبنون الفكر الثوري التقليدي، بل يمثلون بحق فكرة هجينة تدمج بين أجزاء من الفكرين، وهم يعتبرون جادين اليوم أن الهيئة تمثل هذه الفكرة فعلاً.

بمعنى آخر، أنه وبينما كان كثيرون يظنون أن الجولاني وفريقه يعملون على صناعة منتج فكري وعسكري خاص، فإن الواقع كان يقول إن هذه القيادة كانت تستجيب إلى واقع موجود بالفعل، كما استجابت طيلة السنوات الماضية للمتغيرات والتقلبات واستطاعت بمرونة وبراغماتية مدهشة التأقلم مع مختلف الظروف دونما إيلاء أي اهتمام لردود الفعل على هذا النوع من الاستجابة.

واليوم فإن المتتبع لتعليقات قادة الهيئة على الشائعات المتجددة حول إمكانية حل نفسها، وكذلك مختلف التطورات المحلية والإقليمية، يستطيع أن يستشف مدى تمسكهم بالتنظيم واعتبار أن ما حدث مؤخراً يمثل فرصاً وليس مخاطر.

قد يبدو ذلك مناقضاً للمنطق بالنسبة للكثيرين، وخاصة الذين يعتقدون أن روسيا وضعت الجانب التركي في موقف حرج فيما يتعلق بتعهداته بإيجاد حل للتنظيمات المصنفة على لوائح الإرهاب، وهي الذريعة التي ما فتىء الروس يستغلونها لتجديد هجماتهم على المنطقة في كل مرة، وبالتالي اعتبار أن التخلص من هذه التنظيمات، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، سيكون حاجة تركية للتخلص من ضغط هذا الملف، حتى وإن لم يتم ذلك بالقوة، كأن يتم إقناع قيادة الهيئة بحل نفسها ودمج مقاتليها في صفوف الجيش الوطني، لكن هذا التصور يظل قاصراً طالما أنه لا يأخذ بالاعتبار جوانب مهمة أخرى لا تصب صراحة في صالح هذه الرؤية.